في ظل مستنقع الواقع وسواد المستقبل نحِنُ جميعًا كيمنيين إلى ما قبل العام 2011، فقد كنا نعيش نعيمًا. هذا الحنين هو حنين الافتقاد لأبسط مقومات الحياة التي حرم منها اليمنيون وليس حنينًا لترف النرويج أو لتقدم سنغافروة، لكن جهنم التي يعيشها اليمنيون الآن جعلت من أيام صالح جنة. هذه المشاعر هي ما يخالج كل يمني بسيط لا تهمه تعقيدات السياسية أو تجذبه الحرية، أو تعنيه معايير حقوق الإنسان بل يهمه توفر الأكل والوقود وبضع ساعات من الكهرباء، وربما القدرة على السفر. لا ينكر عادلٌ أن اليمن تحت نظام صالح رغم عيوبه كان دولة، حتى وإن كانت فاشلة، وأنها أهون من حالة اللا دولة التي نعيشها ولا يستنكر عاقل مطالب البسطاء التي لا يقدر أن يعيش دونها، لكن المبالغة في تصوير حال اليمن إبان حكم صالح هو ظلم آخر، فالأمر أشبه بالتباهي برسوب طالب بدرجة أربعة من عشرة لأن زميله حصل على صفر. كان واقع اليمن سيئًا أيام حكم صالح وأسوأ بعد انتهاء حكمه، وأكثر سوءًا بعد موته، وكانت سياساته دائمًا وراء هذه التعاسة.

يقيم استقرار الدولة بالنظر إلى استقرار نظامها السياسي ووضعها الاقتصادي والحالة الأمنية فيها. لم ينجح أو بالأحرى لم يحاول صالح إصلاح هذه الجوانب إبان حكمه، فسياسيًّا لم تتكون دولة بالمعنى الحديث، وظل النظام السياسي عالقًا بين مفهوم الدولة الحديثة المدنية ذات الدستور والانتخابات والمؤسسات وبين مفهوم دولة العصور الوسطى التي تغيب فيها الهوية السياسية الجامعة لأبناء الدولة وترتفع فيها سلطة القبائل والمناطق وتصبح ذات مصالح تتعارض مع المصلحة العليا للدولة. تحت هذا الواقع السياسي توجد كافة عوامل عدم الاستقرار السياسي كدعوات الانفصال في الجنوب، ونشاط الحوثي في الشمال، بالإضافة لارتفاع الاحتقان السياسي. في الجانب الاقتصادي ظلت اليمن مصنفة أحد أفقر الدول في العالم، وشعبها أحد أتعس الشعوب. لا يمكن إنكار ارتفاع معدلات التنمية والاستثمار خلال فترات حكم صالح لكنها لم تكن استثنائية، بل كانت متواضعة إذا ما قورنت بإمكانيات الدولة الحقيقية أو بغيرها من الدول. بالنسبة للجوانب الأمنية فقد عاشت اليمن في عهد صالح عدة حروب وصراعات مسلحة داخلية، واستمر وجود المليشيات والجماعات المسلحة طوال عهد الرجل، وهو ما ينفي كليةً ربط استقرار اليمن بوجود صالح في السلطة.

امتلكت صالح رغبة قوية في الانتقام من خصومه الذين أجبروه على التنازل عن الحكم، ومما لا شك فيه أنه أراد القيام بانقلاب للعودة للحكم، وظن أن الحوثي سيكون حصان طروادة لتحقيق هذه المآرب. لم تكن هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها صالح الحوثي، فعلاقته بالجماعة تقلبت مرارًا بين اعتبارهم تارةً أعداء الجمهورية، وأخرى شركاء الوطنية، ولكن مواجهته الأخيرة معهم كانت القاضية، حيث يبدو أن الحوثي ظل حذرًا من صالح ومتوقعًا غدره، وتمكن أخيرًا بعد أن أفرط صالح في تسمينهم من ابتلاع الرجل وتصفية حساباته القديمة معه. لم تكن حتى محاولة صالح الأخيرة للانقلاب على الحوثي يقظة أو جرعة وطنية أصابت الرجل كما يظن أو يروج البعض، بقدر ما كانت رقصة من رقصات الرجل وقع إزءاها ليأكله أكثر ثعابينه دلالًا. لا يمكن قبول أي مبررات لتمكين صالح الحوثي من حكم اليمن ولا أن يغفر له شيئًا ذلك، بل لو أن الرجل لم تكن له خطيئة سواها لكانت كبيرته التي تهوي به. أما التبرير بحق الرجل في الانتقام مما جرى له فهو معيب أن يصدر من اليمنيين؛ فاليمن ليست ملكيةً خاصةً لشخص صالح أو غيره ليتعامل معها بعقلية تخيير أهلها بينه وبين الطوفان، ولم تكن إنجازاته بين هلالين تطوعًا، بل كانت واجبه، ولا مشروعات حكوماته من صدقةٍ بل من مال اليمنيين.

ما زال اليمنيون يعانون من تركة صالح، وأنا هنا لا أقصد بها حصرًا تركة سياساته، فهي ظاهرة للعيان فسياساته جعلت اليمن من أكثر دول العالم عرضة للانهيار والزوال من الوجود. إن القارئ لتاريخ البشرية والمدرك لنواميس الكون يدرك أن دولة صالح احتوت على كل العوامل الكافية لانهيار الدول، بل زوالها من الوجود، كما هو حاصل في اليمن. لم تكن اليمن بحاجة سوى لحالة من عدم الاستقرار أفرزتها فبراير (شباط) في هذه الحالة، وكانت يمكن أن توجد بدونها لسبب آخر، مثل وفاة مفاجئة لصالح. إن المستنقع الذي نعيشه هو تركة صالح وإن لم يكن هو الوحيد المتسبب به، لكن تركة صالح أيضًا تشمل حزبه الذي وعلى الرغم من تبنيه نظريًّا أكثر الأيديولوجيات السياسية اعتدالًا تفكك لعدة تيارات تحالفت مع الأطراف المتصارعة بعد موته، وكما هو متوقع لا يتبنى معظمها مشروعًا وطنيًّا. لا يعد واقع حزب صالح مستغربًا، فلطالما كان الحزب متمحورًا حول شخصه، كما أن أبرز رجال صالح معروفون بتبدل مواقفهم حسب مصالحهم الشخصية الضيقة، وافتقارهم للوطنية والمبادئ ما يجعلهم منقسمين حاليًا بين تأييد مشروع الحوثي الإمامي، ومشروع الإمارات الاستعماري.

ليس أمام اليمنيين سوى التعامل أمام واقع اليمن الذي خلقته دولة صالح وسياساته. ليس الغرض من سرد عيوب دولة صالح وتداعيات سياساته مهاجمة الرجل فحسابه الآن عند ربه، لكن التحرر من المعتقدات التي دعمت حكم صالح هو السبيل للخروج من المستنقع الذي جرنا إليه. علينا أن نؤمن بأن اليمنيين يستحقون حياةً مثل أكثر شعوب العالم رفاهية، وليس محكومًا عليهم بالتعاسة، وأن كل هذا ممكنٌ إذا تولى أمرهم خيرهم. لا يمكن أن نغير واقعنا كذلك إذا استمرينا بربط مصير اليمن واستقراره بشخص أو عائلة، والاعتقاد باستحالة وجود بديل قادر على السيطرة على تعقيدات اليمن. أيضًا يجب أن يفهم اليمنيون أنهم مثل باقي البشرية ليسوا الأسوأ في كل ما هو سيئ، والأفضل في كل ما هو جيد، وأن رأس مشكلاتهم تمكينهم لسفائهم أو أفاعي مجتمعهم من شؤونهم، الأفاعي التي رباها صالح لترويض اليمنيين وسيربيها أمثاله من بعده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد