إن غريزة التقديس هي كغريزة الجنس في الإنسان، أو أي غريزة أخرى، غريزة احتياج الإنسان لقوة أقوى منه، قوة تفوق كل القوى التي تحيط به لكي يلجأ إليها في المهمات والملمات، وليتقرب إليها، سواء كان هذا التقرب عبادة، طمعًا، شكوى، أو للحصول على سند من هذه القوى، والسيطرة على من هم أضعف منه.

وكما يقول الدكتور علي الوردي: «إن النفس البشرية تهوى الإيمان فإذا فقدت دينًا جاءها من السماء، التمست لها دينًا يأتيها من الأرض».

لذا اتخذ الإنسان قديمًا من الحجر، الشجر، الشمس، القمر أو بعض الحيوانات، وحتى خصصوا لها أماكن للعبادة أطلقوا عليها اسم «المعابد»، وكان لهذه المعابد بعض الأشخاص يكونون على مقربة من الآلهة، وهم أشخاص مقدسون يُسَمون بـ«كهنة المعابد»، هم من يعتنون بالآلهة، وتكون دعواتهم مستجابة، وهم من يقومون بقراءة الصلوات والأدعية في الطقوس الدينية. وأيضًا يكونون ذوي جاه وسلطة وقوة بين الناس، ويسيطرون على البلاط الملكي، وهم من يصنعون من الحاكم صورة جيدة أو سيئة للطبقة العامة من الناس، وتكون أدوراهم من السلطة بتراجع وتزايد حسب مرونة الحاكم وقوته.

يحبون السلطة والسيطرة واستضعاف الناس وبث الخوف في قلوب الناس من غضبهم «إذ إن غضبهم ينذر الناس بعذاب أليم كونهم الأقرب إلى الآلهة» ومن مصلحتهم هو إبقاءالطبقية بين الناس، حيث إن الضعيف يبقى ضعيفًا، والقوي يبقى قويًا.

وما أن جاءت الديانات السماوية تدعو لعبادة الله الواحد الأحد، وإلى إلغاء الطبقية ومساواة القوي بالضعيف، حيث إن أغلب الأنبياء والرسل الذين دعوا لعبادة الله لم يكونوا من المترفين، وكانوا من الطبقة العامة من الناس، ووقفوا في وجه السلطة وكهنة المعابد، إذ إن وقوفهم ضد السلطة، وكهنه المعابد، وادعاؤهم أنهم يدعُون الناس إلى دين باطل، وأنهم أهل دين الحق الذي ينصر الضعفاء، ويعم الخير، ينذر بنذير خطر على مكانة الكهنة الاجتماعية.

عندما يستقوي الضعفاء يفقد الكهنة أهم مركز سلطتهم، لذا هم تول من واجهوا دعوات الديانات السماوية لكي يحافظوا على السلطة والجاه بحجة الدفاع عن دين الآباء والأجداد والبقاء على عبادة الأصنام، وأن لا يتركوا آلهتهم لكيلا تحل لعنة الآلهة عليهم، لكن في الأخير سقطت الأصنام، وعلا دين الحق، وانتكسَ المقَدسون.

لكن بعد أن ساد بين المجتمع دين الضعفاء دين التوحيد على يد آخر الرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ظهر بعد وفاته تقديس جديد هو تقديس الأشخاص، وكما قال على الوردي: «أصبح دين محمد ألعوبة بيد السلاطين، ونسي الناس أن محمدًا كان من ألد اعداء السلاطين».

حيث أشيعَ أن الله هو الذي يختار الحاكم، ويفضله على باقي المسلمين، ويوليه أمر المسلمين، وعلى الإنسان طاعة ولي أمره من الحكام، وأن ما يحل بهم من سوء هو جراء ضعف إيمانهم وليس خطأ الخليفة، وساعده على بث وتثبيت هذ الشائعة بعض رجال الدين، ورجال السياسة، والذين ينهالون على الناس بالحكم والمواعظ التي تذمهم وتنصر الخليفة، وليس من حق أي شخص التجرؤ على الخليفة؛ كونه يد الله في الأرض، ومن يتجرأ عليه يُنفى خارج البلاد، أو يعاقب، وأحيانًا يقتل، ذلك لكي يبقى الناس يدورون في حلقة ضيقة، الضعيف يبقى ضعيفًا والخليفة يبقى القوي، والخلافة له ولعائلته.

أما حديثًا فقد تحول من خليفة، وولي أمر المسلمين، ويد الله في الأرض إلى «خط أحمر»، «تاج الرأس»، «حامي العرض»، وغير ذلك من المصطلحات، وأن عليك أن لا تتحدث، وتذكر هؤلاء الأشخاص بسوء؛ كونهم أصحاب الخير في البلاد، هم من يحمونك من الأخطار، وما يساعد في تمجيد هؤلاء الأشخاص إعلامهم، قد يكون قناة تلفزيونية، أو جيوشًا إلكترونية في مواقع التواصل الاجتماعي تمجد به وتمدحه وبعض الأحيان سلطته، وأن أي تجرؤ على «تاج رأسك» قد تُخطف، أو تقتل، او قد تظهر في مقطع فيديو، تُهان أو تعذب «كما انتشرت بعض الفيديوات تعذيب نفسي وجسدي لأشخاص نطقوا الحق على حساب أشخاص يسمون بتاج الرأس، إن بقاء تابوه «خط أحمر» أو «تاج رأسك» من مصلحة أصحاب السلطة، وبث الخوف بين الناس.

إن التقديس غريزة في نفس الإنسان، وإن الإنسان يحتاج لقوة أقوى منه، لذا استغل الكثير من الأشخاص هذه الغريزة لتحقيق مصالحهم الشخصية وسلطتهم على الناس، وانتهوا بانتهاء مصالحهم، لذا فإن التقديس الحقيقي يجب أن يكون لله سبحانه وتعالى، فهو اقوى قوة، والقادر على كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التقديس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد