السعودية كل ما تملكه هو المال.. هي الجملة التي قالها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ففي الوقت الذي تزعم فيه السعودية أنها زعيمة العالم الإسلامي ومدافعة وحامية لحقوق المسلمين في العالم، فإن أحداث الواقع تشير إلى تخاذل وحتى تواطؤ السعودية في تعميق جراحات الأمة العربية والإسلامية وعدم مناصرة قضاياها، فالسعودية منشغلة بتغيير ملابسها والذهاب لما سمته إصلاحات فرضتها متغيرات داخلية وخارجية.

إن تحليل مجمل التطورات الداخلية في السعودية منذ تولي الملك سلمان مطلع عام 2015 يؤكد تغييرًا ما يحدث في بنية نظام الحكم السعودي، في عدة جوانب، أولها يتعلق بانتقال السلطة، وصعود الأمير محمد بن سلمان وليًا للعهد، وتجاوز القواعد المستقرة بتوارث العرش داخل الأسرة المالكة، وما يمكن أن يحمله من تداعيات مستقبلية على تماسكها.

لقد عملت هذه التغييرات على إعادة العلاقة بين السياسي والديني التي تشكل أقوى أسس شرعية الدولة السعودية الأولى، منذ نشأتها في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، عبر عقد حلف ديني- سياسي بين المصلح والقائد الديني للحركة الوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود رئيس مدينة الدرعية، وهو حلف قوى سيطرة السياسي على الديني، رغم استمرار حاجة آل سعود للشرعية الرمزية/ الدينية التي توفرها المؤسسات الدينية في بلاد الحرمين الشريفين، التي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، فإنه من الواضح أن هناك خطوات تشهدها السعودية حاليًّا بهدف إعادة رسم العلاقة بين السياسي والديني، وذلك عبر تقليص صلاحيات «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، ونزع الضبطية القضائية منها، وتواتر الأنباء عن وجود نية لفصل منصب الملك عن لقب «خادم الحرمين الشريفين» في إطار مسعى لتحديث شكل النظام، وربما في بحث نمط جديد للشرعية يمزج بين الشرعية الاقتصادية، المتمثلة في تقديم الوعود الاقتصادية للشعب السعودي وإنعاش آمال الشباب بالمستقبل، وبين شرعية الانفتاح الاجتماعي، عبر إقامة المهرجانات الغنائية والسماح باختلاط الرجال والنساء في احتفالات العيد الوطني للمملكة مؤخرًا، ثم قرار العاهل السعودي في يوم 26/09/2018 بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، خطوةً لتحسين صورة السعودية خارجيًّا، لا سيما بعد اتضاح فداحة الانتهاكات التي يقوم بها «التحالف العسكري العربي» بقيادة السعودية ضد المدنيين العزل في اليمن منذ بداية الحرب أواخر مارس (آذار) عام 2015.

بالتالي انكشف نهج الملك سلمان داخليًّا في التغيير التدريجي المحدود مع حفظ التوازنات السياسية السابقة في النظام السعودي بقدر الإمكان، وخارجيًّا في إبداء السعودية، ولو نظريًّا، استعدادها التخلي عن فكرها الإيديولوجي المتشدد والذي يغلب عليه النزعة الإقصائية المليئة بالهواجس الأمنية، ويبقى أن أكبر التحديات التي تواجه السعودية عدم الاستقرار السياسي في صراع أجنحة الأسرة الحاكمة على العرش والسلطة، وكذلك بروز حزمة من الصراعات والتهديدات المتداخلة بين أولوية الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وبين الحرب على تنظيم القاعدة، وجماعة الحوثي، وبين تصاعد المواقف المتشددة للمؤسسة الوهابية، وكذلك الموقف من الأقلية الشيعية في السعودية، ومستقبل مجلس التعاون الخليجي.

 إن السعودية تبحث عن مكانة لنفسها ضمن الملعب الدولي، بأي ثمن حتى وإن كلفها ذلك التخلي عن الشرعية الدينية للنظام الحكم، وتوظيف المال والإعلام، للادعاء نحو الذهاب إلى انفتاح وخطاب حداثي يؤسس للسعودية الجديدة. لكن واقع الحال هي خطوات متسارعة نحو الجحيم نظير ما خسرته وتخسره السعودية ماديًّا وأخلاقيًّا، سواء في حربها على اليمن، ودعمها الجماعات المتطرفة في سوريا، والانقلاب العسكري في مصر عام 2013، أو اغتيالها الشنيع للصحافي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية السعودية في تركيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد