بدأ الصراع المدوي بين شك وتجريبية العِلم وبين يقين وما ورائية الدين منذ تقريبًا 700 عام حين تم تكفير مُعلم الكيمياء ـ جابر بن حيان ـ مِن قِبل ابن تيمية في كتابه مجموع الفتاوى (29/368) عن طريق قوله بأنه «مجهول لا يُعرف وليس له ذكر بين أهل العلم والدين» وأن «الكيمياء أشد تحريمًا من الربا»، وحين تم تكفير الفيلسوف والعالم والمفكر ـ ابن سينا ـ مِن قِبل ابن القيم في كتابه إغاثة اللهفان (2/374 ) حين قال «إنه إمام المحلدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر»، ذلك فضلًا عن صورة الصراع الأخيرة التي تجسدت في جاليليو (عالم فلك وفيزياء) حين نشر كتاب «الرسالة الفلكية» وكتاب «حوار حول النظاميين الرئيسيين في الكون» والذي دافع فيهما عن نظريته الفلكية المبنية على مشاهداته التليسكوبية القائلة بدوران الأرض حول الشمس لا العكس؛ والتي اعتبرتها محاكم تفتيش الكنيسة الرومانية الكاثوليكية «هرطقة» بحكم أنها تخالف نص الكتاب المقدس؛ وعليه فقد حكمت عليه الكنيسة في عام 1633 بالإقامة الجبرية في بيته حتى توفي بعام 1642، هذا ولا يخفى عنا الرواية الأشهر على صراع الدين مع العلم وهي رواية تشارليز داروين، حين أتى بنظرية النشوء والارتقاء (نظرية التطور) التي تنص على أن وجودنا على كوكب الأرض – سواء كبشر عاقلين أو كسائر الحيوانات – هو نتيجة تراكمات سابقة لا نتيجة خلق مباشر، والتي تنص على أن الكائنات الحية كلها بينهم أصل مشترك، وبناء على هذه الاستنتاجات جاءت محاربة الكنيسة الكاثوليكية للنظرية – كالعادة- بحكم أنها تعارض نظرية الخلق التي تقول بأن آدم هو أول البشر، وأنه نتيجة خلق مباشر مِن قِبل الإله، ذلك فضلًا عن الرفض الحاد للنظرية مِن قِبل ويليام بيلي في كتابه «اللاهوت الطبيعي» ومِن قِبل مايكل بيهي في كتابه «صندوق داروين الأسود»، مع العلم بأن نظرية التطور هي من أرسخ النظريات المقبولة في المجتمع العلمي في الآونة الأخيرة، إذًا وبعد المرور على التضاربات العلمية/الدينية السابقة؛ وجب علينا توضيح مربط الخلاف عن طريق سرد منهجية العلم ومنهجية الدين، ومقارنة منبع التعارضات ما بين المنهجين.

ما العلم وما الدين؟

حين إلقاء نظرة على تاريخ «الدين» كلفظ فسنجد أن اللفظ لم يكن يُستخدم في الآونة السابقة بمعناه الحالي، بل عند النظر إلى كتابات توما الأكويني فسنجد أنه كان يستخدم كلمة «ديني» بمعنى تقوى أو عبادة، أما التعريف الحالي للدين الذي غالبًا ما يكون: « أنه نظام اجتماعي/ثقافي من السلوكيات والممارسات المعينة والأخلاق والمعتقدات والنصوص والأماكن المقدسة والنبوءات، التي تربط الإنسانية بالعناصر الخارقة للطبيعة أو المتعالية أو الروحانية»، هذا هو التعريف الأكثر شمولية للدين، والذي طرحه تمارا سون وجون موريال في كتاب «أعظم 50 خرافة عن الدين» والذي كان مطروحًا لأول مرة مِن قِبل إدوارد تايلور (عالم أنثروبولوجي) في كتابه الموسوعي «الثقافة البدائية» حتى يحصر تعريف لكلمة «الدين» ويسهل عملية دراسة تاريخ الإنسان في كتابه، ومع ذلك وجب التنوية بأن هذا التعريف ليس تعريفًا دقيقًا بشكل مطلق ولكنه الأشمل والأكثر إتفاقًا حتى الآن.

وبالمثل نجد الأمر يتكرر مع لفظ «العلم»، ففي البداية كان العلم كما نعلمه نحن في يومنا الحالي يُطلق يدعى بـ«الفلسفة الطبيعية أو الفلسفة التجريبية»، حتى جاء ويليام ويويل وحصر اللفظ عن طريق إطلاق لفظ عالِم على أي شخص يمارس الفلسفة التجريبية/الطبيعية، ومن هنا بدأ الحصر يزداد وبدأ الاهتمام بالمنهج العلمي وبفلسفة العلم يزداد حتى لا يكون الحديث العلمي حديثًا عامًّا لا يقف على أساسيات مُحددة، والتعريف الأكثر شمولية حتى الآن للعلم ــ وفقًا لـ«The online etymology dictionary» ــ هو أنه: « أسلوب منهجي يقوم ببناء وتنظيم المعرفة في شكل تفسيرات وتوقعات قابلة للاختبار حول الكون».

الآن وبعد تجاوز مرحلة التعريفات؛ دعنا نفحص منهجية كلٍّ من العلم والدين لنرى كيف يبدأ النزاع في التشكل بدايةً من هذه النقطة، العلم ببساطة يفسر ويختص بكل ما هو طبيعي، وكل ما هو تجريبي، ويقوم المنهج العلمي على خمسة أساسيات ألا وهي: ( التراكمية – التنظيم – البحث عن الأسباب – الشمولية – الدقة والتجريد)، بالإضافة إلى وضع كارل بوبر (فيلسوف متخصص في فلسفة العلوم) الفيصل الأول والأخير للحكم على أي شيء بأنه علمي أو غير علمي؛ وهذا الفيصل هو مبدأ التكذيب، فوفقًا للمنهج العلمي الحالي: «كل ما هو قابل للتكذيب فهو علمي والعكس صحيح»، ولنضرب مثالين لتوضيح هذا المبدأ، لنفترض أن شخصًا ما اسمه أحمد قال بأن محفظته تحتوى على خمسين جنيهًا، هذا الادعاء هو ادعاء علمي؛ لأنه ببساطة قابل للتكذيب والفحص والتفنيد، أي إننا نستطيع التحقق من صحته أو من كذبه بكل سهولة عن طريق فتح محفظته وعَد الأموال التي تحتويها، وبغض النظر عن هل فعلًا محفظة أحمد بها خمسون جنيهًا أم لا؛ فيظل هذا الادعاء ادعاءً علميًّا طالما هو قابل للفحص أو التكذيب؛ أي إنه حتى وإن كانت محفظة أحمد فارغة تمامًا فسيظل ادعاءه ادعاءً علميًّا لأنه قابل التكذيب، هذا بعكس الادعاء القائل: أنا أحب أمريكا أكثر من أي شخص آخر، هذا الادعاء الأخير ــ وفقًا لمبدأ التكذيب ــ هو ادعاء غير علمي على الإطلاق؛ ذلك لأننا ببساطة لا يمكننا التحقق من صحته أو من زيفه، فمقدار الحب ليس شيئًا موضوعيًّا ولا هو قياسيًّا أو رصديًّا حتى، وعليه فهذا الادعاء غير قابل للفحص؛ ولذلك فهو ادعاء غير علمي.

هذه هي ببساطة المنهجية التي يسير عليها العلم، ومن الضفة الأخرى حين نلقي نظرةً على المنهجية التي يسير عليها الدين سنجد أنها ليست بالقدر نفسه من الشفافية، نظرًا لكون الأديان ــ بشكل أو بآخر ــ عبارة عن مناهج انعزالية، بمعنى أنه لن تجد مجلسًا موحدًا بين الأديان ( الإسلام – المسيحية – اليهودية – الشنتوية – الهندوسية – الزرادشتية.. إلخ ) حتى يتم التوصل إلى منهجية تسير عليها الأديان، ويكون متفقًا عليها مِن قِبل الأديان نفسِها (كما في العلم) ، ولكن إذا أردنا حصر منهجية عامة تسير عليها معظم الأديان فستكون هي أن: الأديان تختص بكل ما هو غير طبيعي، وأنها لا تخلو من الإيمان والذي هو بدوره يُعَرف كـ«تصديق بدون دليل» (بعكس العلم الذي يُطالب بالدليل على كل ادعاء حتى يكون الادعاء مبررًا) ، وأن الدين يختص بكل ما هو غير قابل للتكذيب والفحص مثل الإله والملائكة والجنة والنار واليوم الآخر.

أعتقد بدايةً من هذه المرحلة يكون اِتضح كثيرًا سبب التعارض ما بين العلم والدين، نظرًا لكون المنهج العلمي/فلسفة العلم تختلف تمامًا في كل أساسياتها مع فلسفة الدين أو المنهجية الدينية، وعليه؛ فسنعرض سويًّا ثلاثة نماذج نشأت في الآونة الأخيرة محاولةً لحل النزاع ما بين العلم والدين، وسأترك للقارئ الحكم على كل نموذج منها بنفسه ورفض ما هو ضعيف وقبول ما هو متماسك ــ من وجه نظره ــ بعد عرض الاعتراضات التي وردت على كل نموذج.

الاستقلال – الحوار – التكامل

طُرح نموذج الاستقلال على يد ستيفن جاي جولد (عالم أحياء) والذي ينص على أنه بما أن منهجية العلم ومنهجية الدين مختلفتان تمامًا بعضهما عن بعض فلماذا نجبرهم نحن على الاتفاق؟ أي أنه الصراع ما بين العلم والدين ينشأ بسبب محاولتنا ــ الفاشلة ــ للتوفيق بينهما على الرغم من أننا على أتم دراية بالتعارض ما بين منهجية كل طرفٍ منهما، فمن وجه نظر ستيفن؛ فالتوفيق بين العلم والدين ــ بحكم أنهما متعارضان في المنهج ــ هو ضرب من العبث، بل ما يجب علينا فعله هو التعامل مع كلٍّ من العلم والدين على حدة، أي ندع العلم يعمل في مجالاته مِثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، ولندع الدين يعمل في مجالاته مِثل التنظيم الأخلاقي وكل ما هو وراء الطبيعة.

وعلى هذا النموذج يوجد اعتراضان، أول اعتراض هو أن ترك التنظيم الأخلاقي للدين سيجهض النقاش والجدل حول الأفعال الأخلاقية، فحين يبدأ الحوار بأننا «يجب أن نفعل الخير لأن الله أمرنا بذلك فقط» فهذا النوع من النقاشات ينهي أي جدل على وشك أن يبدأ، فضلًا عن أنه ينهي أبحاث عديدة ممتدة في علم الأعصاب، وغيره من العلوم التي تتحدث في مبحث مهم مِثل علم الأخلاق، وثاني اعتراض لدينا هو أن النموذج الاستقلالي الذي يفرق الدين عن العلم يهدمه الدين نفسه ويعترض عليه، فالدين هو مَن يتدخل في شئون العلم حين يخبرنا مثلًا بأن موسى حوَّل العصا إلى أفعى أو أن العبرانيين الأوائل مروا عبر مياه البحر الأحمر، وحين النظر إلى العكس فسنجده غير متحقق، فالعلم يسير في طريق محدد ــ ألا وهو تفسير الظواهر ــ لا يحيد عنه.

ومن الضفة الأخرى لدينا نموذج الحوار الذي طرحه فينتزل هيوستن والذي ينص على أن العلم والدين هم ثنائي رشيق بحكم أن الدين يحفز العلم على التقدم، فمثلًا حين يقول الدين بأن الإنسان خلق بشكل مباشر لا تراكمي، فذلك يحفز العلم على البحث في هذا الشأن، وبالمثل فالاستنتاجات العلمية تساعدنا على فهم النص المقدس بشكل أكثر توسعًا، فمثلًا حين يقول العلم إن الإنسان نشأ بشكلٍ تراكمي لا بخلق مباشر، فذلك يحفزنا على فهم النص بشكلٍ أكثر دقة.

ومن وجهة نظري فهذا النموذج هو أقل النماذج تماسكًا بحكم أن التجربة أثبتت فشل هذا الحديث تمامًا، فمثلًا هل الاضطهاد الذي تعرض له جاليليو يُدعى تحفيزًا من وجهة نظر هيوستن؟ هل الترهيب والتكفير والتعذيب والملاحقة تُسمى تحفيزًا للعلم من وجهة نظره أم إعاقة لمسار العلم التطوري؟ سأدع للقارئ الإجابة.

ومن الضفة الأخيرة لدينا النموذج المتكامل والذي تحدث عنه أيان باربور في كتابه «العلم والدين»، والذي ينص ببساطة على أنه الحل الأمثل للتوفيق بين النزاع العلمي/الديني هو أن يتم صياغة العلم في إثبات الدين، أي أنه يجب استغلال قوة العلم في إثبات الشئون الدينية، فمن طرفٍ نكون أثبتنا صحة النص الديني، ومن الطرف الآخر نكون قد أثبتنا توافق العلم مع الدين حتى وإن اضطررنا إلى تأويل وتفسير النص الديني للتوافق مع ما هو مُثبت في العلم (كما فعل الكاهن والعالم المسيحي بيير شاردان حين قال إن قصة الخطيئة الأصلية هي قصة مجازية، وكما قالت سيليا دين دراموند أستاذة اللاهوت في جامعة «نوتردام» إن قصة سقوط آدم هي قصة مجازية، وكما يقول المعتزلة في بعض النصوص القرآنية مثل قولهم إن وجه الله لن يبقى، وإن نص بقاء وجه الله هو نص مجازي لأن الله ليس بجسد)، وهذا النموذج على وجه الخصوص هو النموذج الأكثر انتشارًا في الآونة الأخيرة، والذي نشأ بسببه ما يُدعى بـ«الإعجاز العلمي»، في الإعجاز العلمي يحاول الطرف المؤمن بأن يقرب المسافات ما بين نظريات فيزيائية أو علمية بوجه مهم مثل نظرية الانفجار العظيم، وما بين النص الديني أو تأويل هذا الشخص لهذا النص الديني إن جاز التعبير، وعلى هذا النموذج سنكتفي بعرض اعتراض باربور في الكتاب نفسه حين قال إن النموذج المتكامل هو عبارة عن انحراف عن إثبات وجود إله أو إثبات النص الديني، لأن هذا النموذج يدعم وجود الإله ويدعم صحة النص الديني لكنه لا يثبته، أي أن النموذج يُرجح وجود إله لكنه لا يثبت وجود إله، ذلك لأن العلم ــ كما قولنا سابقًا ــ مبني على التكذيب ومبني على فلسفة الشك، وبناءً على ذلك فلا يمكن استخدامه دليلًا على شيء يقيني ومطلق ــ من وجهة نظر الدين ــ مِثل وجود الإله أو صحة النص الديني.

الخاتمة: تعقيبي الشخصي

لكل إنسان الحق في التحلي بأي نموذج يرغبه من النماذج السابقة طالما أنه لا يتعدي على مسار التقدم العلمي بأفكاره وتفسيراته الخاصة، أي أنه من حقك أن تؤمن بأن الله هو خالق الكون وخالق البشر وخالق الحياة، ولكن لا يحق لك بأن تفرض تلك القناعات على الآخرين فضلًا عن فرضها على العلم نفسه عن طريق وقوفك بتلك القناعات ــ غير مبررة ــ عائقًا أمام المسار العلمي، فتصورك عن وجود الجحيم من عدمه لا يعنيني في شيء، أما ما يعنيني هو صَدك لفِكري وللمسار التقدمي الخاص بالعلم لمجرد تصورك بوجودنا داخل هذا الجحيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد