ستكون بطلة هذا المقال هي نفسها بطلة رواية الكاتب المصري صنع الله إبراهيم التي سماها «ذات»، تلك السيدة التي تأثرت حياتها بالمتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية في فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، تبدأ قصة ذات عند خروجها من رحم أمها وهي محاطة بالدماء، وتتلقى صفعتها الأولى على يد الطبيب مرحبًا بها، ولتحفيز رئتها على التنفس الطبيعي؛ لتعتمد على نفسها منذ الآن في عملية التنفس يا لها من بداية مليئة بالتحديات!

أكملت ذات مشوارها في الحياة حتى توقفت عند صدمة مؤثرة في مرحلة البلوغ تركت أثرًا بالغًا وندبة في النفس، عادة قديمة للمصرين منذو القدم يمارسونها ألا وهي ختان الإناث؛ أي استئصال جزء من جسد الفتيات حفاظًا عليهن كثقافة جنسية سائدة، التي بدورها ولدت مشاعر الخوف لذات والاستسلام للقوانين القاسية التي يضعها المجتمع بغض النظر عن صحتها، ومع هذا الحدث بدأت تتشكل عند ذات الصورة الذهنية للجسد وتبلورة هذه الصورة مع ما تغذية الأم لابنتها وما تقوله من أفكار بما يصح أو لا يصح للفتيات أن يفعلنه وذلك لتهيئتها للمرحلة الجديدة، في هذه المرحلة بدأت تتلاشى سلطة الأم لكي يمسك زمام الأمور زوج المستقبل، تقدم لخطبتها وتمت الموافقة مع أنه أول عريس يتقدم لها وجاء الرد سريعًا خوفًا من أن تكون عانس في مجتمع لا يتقبل الاختلاف، ويجب أن نكون جميعًا في قوالب محددة وإلا سوف يرفضنا المجتمع، ولأن جميع صديقاتها تزوجن، وحتى لا يفوتها قطار الزواج.

مع أن مواصفات عبد المجيد غير مطابقة لموصفات فارس الأحلام الذي كان في مخيلتها فهو لم يكن يشبه حبها الاول الذي احبته من بعيد (ابن الجيران) ولا زميلها في الجامعة التي كانت معجب به في شكله الخارجي دون أن يكون أدنى معرفة بينهما أنه الحب الساذج الذي يذهب بريقه مع الأيام، سذاجة في الاختيار وحتى في الحب.

لقد كان عبد المجيد صورة أخرى لذات، ولكنها ذكورية هو حصيلة المجتمع ونتاج ما أنشأ عليه من أفكار ومعتقدات، بدأ عبد المجيد برسم حدود عش الزوجية بلهجته القاطعة في داخل البيت وخارجه وكان من أولها أن تتوقف ذات عن الذهاب إلى الجامعة لكي تتفضى للمنزل واعماله، وتقبلت ذات بثقافتها المحدودة وخبرتها القليلة الأوامر بالرضا، مقارنة نفسها بالأخريات بأنها أفضل حالًا منهن فهي ليست مضطرة بأن تخرج من المنزل وتتعب نفسها.

وبعد حين جاء القرار الحاسم من عبد المجيد بأنه عليها الخروج إلى العمل كباقي النساء لتحسين الوضع المادي للأسرة، وقام بتأمين وظيفة لها من خلال معارفه فأصبحت ذات امرأة عاملة في ليلة وضحها، مع أنها لا تمتلك مهارات كثيرة سوى الإدارة والتنظيم في البيت التي اكتسبتهما من الأم الصارمة؛ مما جعلها توازن بين أعمال المنزل والوظيفة الجديدة، ولن تغير هذه الوظيفة حتى وصلها إلى نهاية الخدمة، فهي شخصية روتينية تحب البقاء في حدود واضحة ومعلومة كما جرى تربيتها دون الخروج على ما هو غير معلوم، ومع ذلك بذلت مجهودًا من أجل تحسين الوضع الاقتصادي للعائلة من خلال بيع او تصنيع المنتجات لزملائها في العمل أو لجيرانها.

لقد حُول هذا العمل الروائي إلى مسلسل يعرض على شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي ولقد علقت احدى المتابعات بأن ذات تمثل 90% من النساء العربيات، وأخرى بأن ذات إنسانة ضعيفة منساقه لا إرادة لها، وثالثة بأن ذات إنسانة عاملة وربة منزل تضحي من أجل عائلتها.

والأجدر أنه إذا كانت ذات تشعر بالرضا عن كل حياتها أو جزء منها، وتتقبل النواقص، فهي حققت التوافق النفسي وبالفعل أنشأت أسرة سعيدة مع كل ما لديها من افكار ومعتقدات، وبدورها سوف تنقل هذه المعتقدات والأفكار لأبنائها وبناتها.

أما إذا بدأت تشعر وتفكر بأن هنالك شيئًا غير صحيح، وأنها ليست سعيدة في حياتها، مع أن صحتها الجسدية بخير هي وجميع أفراد أسرتها بخير، فإما أن تبحث عن السعادة المنقوصة لديها، أو تبقى كما هي في جحيم التذمر والسخط.

السعادة المنقوصة يعتقد الأغلب بأنها تكون بالمال، وتتمثل في البيت الجديد، والسيارة الفاخرة، ورصيد في البنك لإنفاقه على رغباتنا الشهوانية التي لا حدود لها.

إذا كان هذا الاعتقاد صحيح، فلماذا معظم المشاهير والأثرياء لديهم أطباء ومرشدون نفسي فما الحاجة لهؤلاء في حياتهم؟

ويمكن أيضًا أن نعتقد بأن السعادة المنقوصة بعدم وجود الحب، أو التقدير، والاحترام من الآخرين، وهذا لا يمكن امتلاكه إلا بتقديم التضحيات والتنازلات، وبذل مجهود من قبل طرفي العلاقة هو تفاعل متبادل، فالحب هو كالبذرة بحاجة إلى الرعاية والاهتمام لكي تكبر وتزهر.

فالطريق إلى الحب يبدأ بقرار بأن نحب أنفسنا أولًا، لقد وجدت ذات في قصتها الحب، ولكنه منقوص ليس كاملًا؛ لأنها قدمت التنازلات وعبد المجيد أيضًا حاول أن يحمي عش الزوجية من الانهيار.

يمكن أن نحدد السعادة المنقوصة عند ذات حسب ما سبق ليس المال، بل ربما هي الصورة الذاتية المشوهة لديها، التي رُشقت ألوانها عوامل عديدة فذات ترى نفسها إنسانة تشعر بالعجز وغير قادرة على أخذ القرارات الحاسمة في حياتها، والبعد عن كل ما هو مجهول، وفي الأصل هي تجهل ذاتها فهي لا تعلم رغباتها ولا شغفها ولم تكتشف بعد الوميض الذي يوقد دافعيتها في الحياة.

بعض الأشخاص يُصيبهم نوع من التمرد كردة فعل ويردون اتلاف هذه الصورة دون محاولة لترميمها والتخلص منها كالمثل الذي يقول قطع عرق وتسيح الدم، باستخدام الحلول السريعة، إما بالهروب، أو التظاهر بالقوة، وهذا تطرف في التغير.

يمكن أن يسأل أحدهم هل يمكن تغير الصورة الذاتية المحفورة في عقولنا منذ الطفولة؟ الإجابة نعم.

إذا استطعنا أولًا أن نعترف بأن الصورة الذاتية لأنفسنا مشوهة، وطلبنا المساعدة في تغيرها من الأخصائيين والمرشدين النفسيين، فإنه يمكن الحصول على صورة ذاتية لأنفسنا مُحدّثة تُطفئ ما هو مؤلم بها، وتشع ما هو مُبهج، وهذا بحاجة إلى الإصرار وبذل المجهود كالحب الذي نبحث عنه بأيد الآخرين، وهو موجود في قلوبنا الحائرة.

يمكن لذات أن تٌجمل صورتها الذاتية بوضع قوانين وأنظمة جديدة لحياتها بما يناسبها ويناسب أسرتها وإذا قامت بهذه المغامرة مع عبد المجيد ستعم السعادة جميع أفراد الأسرة لم يكن عبد المجيد رجلًا سيئًا، كان محبًا وعطوفًا لأسرته، فلم يكن يدمن الكحول او المخدرات حتى لم يكن لديه علاقات غير شرعية بنساء أخريات، وكان في كل صباح يذهب إلى عمله، هو شبيه ذات يخاف من التغير ومن المجهول ويتمسك بما جرى تلقينه به.

الحياة يكون لها طعم ومذاق مختلف إذا استطعنا أن نتعرف على أنفسنا من جديد كأننا أطفال نبحث عن المعرفة مهما طال العمر؛ لأنه إذا اعتقدنا بأننا أناس بالغون وراشدون فنحن لا نحتاج إلى الإرشاد والتوجيه، وكل ما لا نعرفه أو مغاير لأفكارنا فهو سخيف بذلك لن يحدث التغيير أبدًا وسنبقى كما نحن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد