حول عمى الألوان في المجتمع المسلم

«فاقت تجارة الرقيق بعد اكتشاف أوروبا للسواحل الأفريقية أي مدى عرفته هذه التجارة في القديم، حين كان يمارسها العرب وتمارسها بعض الدول الزنجية، واتخذ الرق معنى جديدًا حين شرعت السفن الأوروبية تنقل الشباب من الداخل ومن الساحل وتدمي الحياة في القارة، و أضحت النخاسة على يد الأوروبيين تجارةً أشبه بالموت الأسود الذي اجتاح أوروبا، فقضى على ما يقرب من ثلث أهلها، بل أسوأ، لأن النتائج الاجتماعية كانت أقسى من الموت، فالوباء الذي تعرض له الأوروبيون استغرق عددًا محدودًا من السنين وانقضت آثاره، لكن القهر الذي تعرض له الأقارقة والذل الذي عاشوه على مدار أربعة قرون لم تكن لتنقضي آثارهما؛ لقد عرفت أفريقيا الرق قبل أن يصل البيض من أوروبا، ولكن الرقيق كان عضوًا حيويًّا في إطار المجتمع، وله مكان معين تحدده التقاليد السارية والعادات، في حين تحولت تجارة الرقيق على يد أوروبا إلى عملية وحشية من الصيد الذي لا يرحم.

لقد نجحت أوروبا الاستعمارية أن توهم الأفارقة أنهم يحملون وزر الرق كما تحمله أوروبا ونجحت في خلق إحساس بالإثم لدى الأفارقة» من كتاب «أفريقيا تحت أضواء جديدة» بازيل ديفيدسون.

كانت مؤسسة الرق في العالم الإسلامي نظامًا اجتماعيًّا ذا سوق محدودة سهلة التشبع إذا ما قورن بسوق الرقيق الغربي، في حين كانت تجارة الرقيق الأوروبية نظامًا اقتصاديًّا، فقد كانت أرباح تجارة الرقيق هائلة وكان سعر شراء الشخص على الساحل الأفريقي في نهاية القرن السابع عشر حوالي خمسة جنيهات إسترليني، وبمجرد نقله عبر المحيط يباع مقابل عشرين جنيهًا، وينتج هذا الرقيق محاصيل بقيمة ستين جنيهًا سنويًّا، وبينما كانت تجارة الرقيق في الإسلام تقوم على جهود فردية، كانت تجارة الرقيق الأطلسية تعتمد على تأسيس الشركات والمراكز التجارية وبناء القواعد العسكرية التي ضيقت الخناق على القارة مؤدية إلى أكبر هجرة قسرية بواقع 12.5 ملايين نسمة.

ركزت المصادر الاستعمارية على الجوانب السلبية للتبادل التجاري بين المسلمين والأفارقة وتجاهلت أن مجيئ السفن الشراعية من سواحل الخليج والجزيرة العربية لم يكن يجلب التجار والنخاسين فحسب، وإنما كان يجلب الرخاء الإقتصادي والازدهار الحضاري الذي ظهر في تأسيس العديد من الممالك والسلطنات العربية الأفريقية على طول السواحل الشرقية لأفريقيا التي أشاد بها الرحالة المسلمون ودهش لها البرتغاليون أنفسهم؛ حين وفدوا إلى تلك السواحل، كذلك نتج عن التجارة العربية عبر الصحراء الكبرى نشوء العديد من الممالك والحواضر الإسلامية كشنقيط وتمبكتو ومالي وغانا وسنغي وكانم وبرنو وغيرها.

سعت مصفوفة التشريعات الأمريكية في القرنين السابع عشر والثامن عشر إلى حماية العبودية، بوصفها مؤسسة مربحة، من خلال تأييد حالة الاستعباد على كل الأفارقة ونسلهم، على نحو يقطع أي طريق قانوني إلى الحرية، علاوةً على أن التشريعات التي سمحت بالتحرير كما في ولايتي كارولينا الجنوبية وفيرجينيا جعلته مساويًا للنفي؛ إذ كانت تشترط على الرقيق المحررين مغادرة الولاية، وأن يدفع المالك السابق أجرة المغادرة، وإذا دخل الرقيق المحررون ثانيةً حدودها، تفرض عليه العبودية من جديد؛ أما الشريعة الإسلامية فقد نصت على أن الأصل في الإسلام هو الحرية، فلا توجد طائفة أو لون قدره الرق وآخر قدره الحرية، وحرمت استرقاق المسلمين وأهل الذمة، كما جففت كل منابع الرق ولم تستثنِ سوى حالة أسرى الحرب بغض النظر عن عرقهم و لونهم، ولم يعرف الاسترقاق العنصري المرتبط بالأفارقة، وكان الرق في الشريعة الإسلامية ليس على التأبيد؛ إذ فتحت الشريعة أبوابًا واسعة للخروج منه، منها تخصيص جزء من واردات الزكاة لشراء الرقيق وعتقهم كما جاء في قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم»، فأصبح تحرير الرقيق واجبًا من واجبات الدولة الإسلامية وجزء من نظامها المالي، كما فتح الإسلام باب العتق بوصفه من أفضل الأعمال للتقرب لله كما ذكر الحديث الشريف: «أَيُّما رَجُلٍ أعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بكُلِّ عُضْوٍ منه عُضْوًا منه مِنَ النَّارِ».

دمرت التشريعات الأمريكية الروابط الأسرية للرقيق من خلال منعهم من الزواج، وسلبهم حق الأبوة و الأمومة، وإجازة الفصل بين الزوجين، وبيع الأطفال في أي عمر، وعدم التدخل لمنع التجارة القائمة على استيلاد الرقيق، كما منعت زواج الأفارقة المحررين بمن لم يتحرر، فضلًا عن حظرها زواج مختلفي الأعراق؛ أما أحكام الشريعة الإسلامية فحثت على إعفاف هذه الشريحة، ومساعدتهم على الزواج ، وحرمت بيع أطفالهم، وأجازت لمن كان تحت الرق الزواج بسيدة حرة، كما أجازت للحر المسلم أن يعتق إحدى فتياته من الرق والزواج بها بشروط محددة، ومن الأمور التي تظهر حجم المواطنة التي تمتع بها الرقيق في المجتمعات الإسلامية أن الإسلام شرَّع لهم إجارة العدو المستأمن إذا استجار بهم مثل الأحرار تمامًا، كما يحق للمملوك الإمامة في الصلاة مثل الحر أيضًا، ومن الخطط التي وضعها الإسلام لتسهيل دمج الأرقاء في مرحلة ما بعد العتق، منحهم عصبة وشوكة من خلال تشريعه لنظام (الولاء)، وبه يكتسبون عزة ومنعة القبائل التي كانوا فيها أرقاء؛ وبذلك حقق الإسلام إنجازًا عظيمًا عندما أقام نسيجًا اجتماعيًّا جديدًا التحم فيه الأرقاء السابقون بالأحرار، فأصبح لهم نسب قبائلهم عن طريق الولاء.

أكدت المشاهدات التي سجلها المستشرق الهولندي سنوك هرخرونيه من حسن تعامل أهل مكة وجدة مع الرقيق مقولة مالكوم إكس أن المجتمع الإسلامي لديه عمى ألوان، فقد نصت هذه المشاهدات على أن أوضاع الرقيق تختلف تمامًا عن أمثالهم في الحضارة الغربية التي وثقتها رواية «كوخ العم توم»، وأن مركزهم في الإسلام يوازي مركز الخدم والمساعدين الشخصيين في أوروبا، وأنهم إن عوقبوا فلا تخرج عقوباتهم عن عقوبات أبنائهم إن أخطأوا، فلا عجب أن أول من ينجذب إلى الإسلام هم الطبقات المسحوقة اجتماعيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد