تعد في الوقت الراهن جائحة كورونا أكبر تحدٍ يواجهه العالم، ويظهر هذا من خلال الاهتمام العالمي سواءً الرسمي أم الشعبي بهذه الجائحة، نظرًا لارتباطها بالحياة، فأي تهاون في مواجهتها يعني فقدان حياة أناس، وهذا ما حدث بالفعل.

لكن هل هذه الجائحة فقط ما تعد تحديًا عالميًّا يرتبط بحياة الناس، ومعيشتهم، وأسلوب حياتهم كذلك؟ قطعًا لا؛ فالتحديات العالمية كثيرة ومتنوعة، ولا يمكن حصرها في تحدٍ واحد، فقط إن تحديًا من تحدٍ آخر يفرق كثيرًا، فهناك تحديات أخرى لا تقل أهمية وخطورة عن تحدي الجائحة، من بينها تحدي تغير المناخ وما يسببه من متاعب للناس والدول، ويمس بحياتهم كذلك ووجودهم.

تذكر دراسة أعدتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة عبر برنامجها التابع للأمم المتحدة للبيئة لسنة 2020 تحت عنوان «حالة الغابات في العالم: الغابات والتنوع البيولوجي والسكان»، أنه «في عام 2020 مع ظهور تحديات لا سابق لها في العالم نتيجة جائحة كوفيد-19، وفي حين تتمثل الأولوية العالمية الملحة في مواجهة حالة الطوارئ الصحية، لابد لاستجابتنا لهذه التحديات على المدى الطويل من أن تعالج أيضًا الأسباب الكامنة لهذا النوع من الجوائح، ويعد تدهور الغابات وفقدانها أحد العوامل المساهمة في ذلك، مما يحدث اضطرابات في التوازن القائم في الطبيعة، ويزيد من تعرض الأشخاص للأمراض المنقولة عن طريق الحيوانات، ولم يكن يومًا فهم حالة الغابات في عالمنا وتتبعها بهذا القدر من الأهمية كما في يومنا هذا».

إن الربط بين جائحة كورونا والتحطيم الممنهج للغابات والأشجار عبر العالم، يعد من قبيل أن كلاهما جائحة، تهدد البقاء الإنساني وتهدد العيش السليم في هذا العالم، فإذا كانت جائحة كورونا لها وقعها الآني فإن تدمير الغابات له تأثيره الخطير مستقبلًا.

إن العالم اليوم مطالب بمواجهة كل التحديات بنفس المجهود الأهمية نفسها، فبعض التحديات تحمل تحديات كامنة قد لا تظهر في الآجال القريبة، ولكنها تتحول الى خطرٍ داهم قاتل مستقبلًا.

فتدهور الغابات تحدٍ عالمي من الضروري الانتباه إليه، والعمل على كبحه، من خلال ترشيد استخدام الإنسان للطبيعة، ومن الأهمية بمكان زراعة الأشجار وتطوير الغابات كحل جزئي لتغير المناخ.

العالم ممثلًا في المنظمة الدولية (منظمة الأمم المتحدة)، سعت الى إبراز أهمية الغابات والأشجار في مواجهة التغير المناخي، فقد تضمنت مسودة وثيقة القرار الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة السادس والعشرين لتغير المناخ (COP26) والتي تضمنت الاتفاقيات التي تفاوضت بشأنها البلدان حول كيفية التعامل مع تغير المناخ الناتج عن تلاعب الانسان بالطبيعة وعدم احترام خصوصياتها، (وتم استخدام مصطلح تغير المناخ من صنع الإنسان)، للتعبير عن الاستخدام السيئ والاستغلال المفرط للطبيعة من طرف الإنسان.

كما تضمنت الاتفاقية بنودًا تعمل على حماية الطبيعة واستخدامها وسيلةً لتقليل الاحترار (أو الاحتباس الحراري) في المستقبل، وفي هذا الصدد ذكر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش: «إنّ النصوص المعتمدة هي حل توافقي»، فهي تعكس المصالح والظروف والتناقضات وحالة الإرادة السياسية في العالم اليوم، إنهم يتخذون خطوات مهمة، ولكن لسوء الحظ لم تكن الإرادة السياسية الجماعية كافية للتغلب على بعض التناقضات العميقة».

ما يهم في هذا أن هناك إرادة عالمية تعمل على التقليل من الاحتباس الحراري ومواجهة تغير المناخ المهدد لكل العالم، وتركز وثيقة الاتفاق على إجراءات عملية تراها مهمة جدا للحد من تدهور المناخ، منها على وجه الخصوص التشجير وإعادة تثمين دور الغابات.

اتفاقيات دولية للحد من تغير المناخ:

قبل قمة جلاسكو الـ26، كان هناك 25 قمة مناخ أخرى لم تسفر عن نتائج ملموسة، مما يظهر أنَّ العالم بدأ يُدرك حجم المخاطر التي ستحيط بكوكب الأرض ومن عليه خلال 30 أو 40 عامًا مقبلًا، ومع كل قمة عُقدت كان الإصرار على ضرورة مواجهة خطر تغير المناخ بتكاتف وتعاون دولي، ولكن لا شيء تغير مع كل قمة، وواضح جدًا أن هناك تباين دولي في رؤية الموضوع.

ومن بين ما تم الاتفاق عليه من مخرجات الدورة السادسة والعشرون لمؤتمر الأطراف (COP26) المعنونة بـ«معا من أجل كوكبنا» هو الاعتراف بحالة الطوارئ والاعتراف «بحالة الاستنفار والقلق البالغ من أن الأنشطة البشرية تسببت في ارتفاع درجة حرارة حوالي 1.1 درجات مئوية حتى الآن»، بالإضافة إلى بعض الصفقات والإعلانات التي لو يتم الأخذ بها ستكون لها آثار إيجابية على تغير المناخ، ومنها مسألة الغابات، إذ التزمت 37 دولة بوقف عمليات إزالة الغابات أو تدهورها بحول عام 2030، معتمدين في ذلك على تمويل يصل إلى 12 مليار دولار من القطاع العام، و7.2 مليارات دولار من القطاع الخاص، كما التزم رؤساء 30 مؤسسة مالية بتمويل يصل إلى 8.7 تريليونات دولار من أجل القضاء على الاستثمارات في الأنشطة المرتبطة بإزالة الغابات.

من جهةٍ أخرى هدفت اتفاقية باريس إلى الحد من الزيادة في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية بحلول عام 2100 إلى أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي، كما أنها تواصل جهودًا أكثر طموحًا للحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.

دعمًا لهدف استخدام الحلول القائمة على الطبيعة لمعالجة تغير المناخ، تم الإعلان عن إعلان قادة غلاسكو بشأن الغابات واستخدام الأراضي في بداية مؤتمر الأطراف 26 (COP) في 2 نوفمبر 2021، وتم إحصاء حتى الآن، توقيع 137 دولة على هدف إنهاء إزالة الغابات بحلول عام 2030. وتمثل هذه البلدان حوالي 91% من غابات العالم، أو أكثر من 14 مليون كيلومتر مربع، ومع ذلك، وبعد الإعلان عن الاتفاق، يبدو أن العديد من البلدان التي لديها مساحات شاسعة من الغابات (بما في ذلك البرازيل وإندونيسيا) قد تراجعت عن تعهداتها.

أهمية الأشجار والغابات

تلعب الغابات دورًا مهمًّا في التقليل من غاز ثاني أكسيد الكربون في الهواء، وأسهل طريقة للحد من هذه الغازات ومختلف المواد الكيماوية الملوثة للبيئة تتمثل في التشجير وإعادة التشجير، ويمكن فهم أهمية التشجير عندما نعرف فوائد الغابات.

وبشكل أكثر تحديدًا، تؤكد وثيقة باريس «على أهمية حماية وحفظ واستعادة الطبيعة والنظم البيئية، بما في ذلك الغابات والنظم البيئية البرية والبحرية الأخرى، لتحقيق هدف درجة الحرارة المتفق عليها لاتفاق باريس من خلال العمل كمصارف وخزانات للغازات الدفيئة، من خلال حماية التنوع البيولوجي مع ضمان الضمانات الاجتماعية والبيئية».

يمكن للغابات بالفعل امتصاص وتخزين كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وفقًا للتحليل الأخير الذي أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو أو UNUAA) بشأن اتجاهات الانبعاثات وامتصاص ثاني أكسيد الكربون من أراضي الغابات العالمية بين عامي 1990 و 2020، التحليل يكشف أن إزالة الغابات كانت مسؤولة عن انبعاثات سنوية لنحو 3 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم خلال الفترة 2016-2020، في الوقت نفسه، عزلت الغابات المتبقية حوالي 2.5 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون، مما أدى إلى انبعاثات صافية تبلغ حوالي 0.5 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا من أراضي الغابات إلى الجو.

الإيجابي هو أن المعدل العالمي لإزالة الغابات قد تباطأ على مدى العقود الثلاثة الماضية، وفقًا لمنظمة الفاو انخفض معدل الخسارة الصافية السنوية للغابات من 7.8 ملايين هكتار (30 ألف ميل مربع) بين عامي 1990 و2000 إلى 5.2 مليون هكتار (20 ألف ميل مربع) بين عامي 2000 و 2010، لتصل إلى 4.7 مليون هكتار (18000) بين 2010 و2020.

وكمؤشر فإن مساحة 28980 كليومترًا مربعًا (18000 ميل مربع) تزيد قليلًا عن ضعف مساحة نيوجيرسي، مع انخفاض المعدل العالمي لإزالة الغابات، انخفضت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الغابات بنحو الثلث بين عامي 1990 و2020 ، إلى حوالي 3 مليارات طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2020.

تطور الأشجار والغابات: ميزة للحفاظ على المناخ

أكد تقرير منظمة الأغذية والزراعة أنه بسبب إزالة الغابات، تنبعث من أراضي كلٍّ من البرازيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية حوالي 600 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا، بينما تصدر إندونيسيا حوالي 200 مليون طن؛ في المقابل، فإن البلدان التي استوعبت غاباتها معظم ثاني أكسيد الكربون سنويًا هي الصين (650 مليون طن) وروسيا (620 مليون طن) والولايات المتحدة (350 مليون طن) والبرازيل (300 مليون طن).

وفقًا لأحدث إحصاء لوكالة حماية البيئة الأمريكية، امتصت الغابات الأمريكية وخزنت حوالي 775 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2019 ، أي أكثر من ضعف تقديرات منظمة الأغذية والزراعة، وقد أدى ذلك إلى خفض انبعاثات الولايات المتحدة بنسبة 12% تقريبًا.

في عام 2019، قدر فريق من الباحثين السويسريين بشكل مثير للجدل أنه على مستوى العالم، من المحتمل أن تكون مساحة من الأرض بحجم الولايات المتحدة متاحة لزراعة تريليون شجرة، هذا العدد من الأشجار يمكن أن يمتص ما يصل إلى 200 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي ويساعد في منع متوسط ​​درجات الحرارة العالمية من الارتفاع بأكثر من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الصناعة بحلول عام 2100.

من الجيد أن قانون تريليون شجرة، (Trillion Trees Act) الذي قدم في كونجرس الولايات المتحدة الأمريكية في وقت سابق، يحظى بدعم جمهوري وديمقراطي قوي، يسعى مشروع القانون صراحة إلى «إنشاء ممارسات الحفاظ على الغابات من خلال الإدارة وإعادة التشجير والاستخدام الذي يؤدي إلى عزل غازات الاحتباس الحراري».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد