حين كنت في طريق سفري إلى بريطانيا، كان يرافقني طفلي ذو الأربع سنوات المصاب باضطراب التوحد، ونظرًا لكثرة الإجراءات الروتينية والاحترازية في المطارات الدولية بسبب فيروس كورونا، كانت صفوف الانتظار أطول وأكثر من المعتاد، الأمر الذي أثر سلبًا على طفلي المتوحد والذي نظرًا لحالته الصحية والعقلية لا يستطيع تحمل الانتظار لمدة طويلة. وحين بدأ طفلي في الصراخ، التفت إليَّ المارة والمسافرون، وبعد دقائق جاءني أحد العاملين في المطار متسائلًا: «هل طفلك يحتاج إلى مساعدة خاصة؟»، أجبته بالإيجاب موضحة أن طفلي مصاب باضطراب التوحد ولا يستطيع أن ينتظر في هدوء نظرًا لطول طابور الانتظار، فما كان من هذا الموظف إلا أن أعطاني شريطًا على شكل عباد الشمس لأرتديه في عنقي، ثم أخذني مع طفلي إلى مقدمة الطابور موضحًا أن هذا الشريط مخصص لأي أسرة بها فرد يعاني من احتياجات خاصة غير مرئية.

وبعد أن اختصر شريط عباد الشمس عليَّ وعلى طفلي ساعات من الانتظار، بحثت في الموضوع لأفهم مدى انتشاره ومتى بدأ تطبيق هذه الفكرة، خاصة أن مبادرة شريط عباد الشمس هي إحدى المبادرات الرائعة في بريطانيا من أجل دعم ذوي الاحتياجات الخاصة غير المرئية، مع رفع شعار أنه لأن ليست كل إعاقة واضحة للعيان، بل هناك إعاقات واضطرابات غير واضحة للعامة؛ لذا كان لا بد من لفت الانتباه إلى هؤلاء كنوع من احترام وجودهم في المجتمع.

متى بدأت مبادرة شريط عباد الشمس؟

بدأت مبادرة شريط عباد الشمس للمرة الأولى في بريطانيا عام 2016، وكان هذا في إطار حملة قامت بها مجموعة من الشركات التي تقدم خدمات المواطنين في مطار جاتويك Gatwick في بريطانيا، ولم يكن يتخيل القائمون على الحملة أن تلقى هذا الصدى والانتشار الواسع على مر السنوات، فقد تم بيع أكثر من 10 آلاف شريط عباد الشمس منذ وقتها إلى الآن. [1]

وبعد أن لاقت الحملة نجاحًا كبيرًا في مطارات المملكة المتحدة، قرر القائمون عليها توسيع إطار انتشارهم ليشمل أماكن أخرى عامة تستقبل المواطنين من كل الفئات بما يشمل هذا ذوي الاحتياجات الخاصة سواء الظاهرة أو غير الواضحة للعيان. بدأت الحملة تدريجيًا تتوسع ليتم تسليم أشرطة عباد الشمس في المتاجر الشرائية، والقاعات السينمائية، والنوادي الرياضية، والمواصلات العامة وغيرها.

ما المقصود بالاحتياجات الخاصة غير المرئية؟

لمدة طويلة من الزمن، اقتصر الفهم المجتمعي لذوي الاحتياجات الخاصة على الإعاقات الظاهرة فقط، مما أدى إلى وقوع ضغط كبير على الأسر التي بها طفل يعاني من إحدى الإعاقات غير الظاهرة، وبصفتي أم طفل متوحد، تعرضت لهذا الأمر كثيرًا، فربما يكون هناك شخص على كرسي متحرك فيفسح له الجميع المجال، أو شخص كفيف له أولوية المرور في الأماكن العامة ووسائل المواصلات، بينما يبدو طفلي ظاهريًا دون إعاقة فلا يحظى بنفس الاستثناءات والتسهيلات.

وقد أوضح القائمون على هذه المبادرة في بريطانيا أن الإعاقات غير المرئية عديدة وتشمل إعاقة ضعف السمع أو فقدانه، إعاقة عدم القدرة على النطق والكلام، اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، اضطراب التوحد، اضطراب ثنائي القطب، الصرع وغيرها.

وطبقًا لموقع BBC فقد ساعدت هذه المبادرة على تقليل الضغط العصبي والتوتر الواقع على هؤلاء من ذوي الاحتياجات الخاصة غير المرئية، فعدم ملاحظة المجتمع لإعاقتهم سبب لهم أحيانًا ضغوطًا نفسية وكأن إعاقتهم لا تستحق القدر ذاته من الاهتمام من قبل المجتمع، وعلى الجانب الآخر، فإن عدم رؤية المجتمع لإعاقتهم جعل ذوي الإعاقات غير المرئية في كثير من الأحيان يتظاهرون بعدم وجودها، الأمر الذي يسبب ألمًا نفسيًا كبيرًا لهؤلاء. [2]

الوطن العربي وتزايد الوعي بذوي الاحتياجات الخاصة

أما فيما يتعلق بوطننا العربي، فلا شك أن هناك وعيًا متزايدًا بذوي الاحتياجات الخاصة في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت هناك العديد من المبادرات والحملات التي تهدف إلى المطالبة بحقوق هؤلاء، لعل أبرزها في الآونة الأخيرة كانت مبادرة الجمعية المصرية للتوحد تحرص على إضاءة بعض المعالم الأثرية باللون الأزرق تضامنًا مع أطفال التوحد في اليوم العالمي للتوحد في الثاني من أبريل (نيسان) من كل عام؛ حيث تمت إضاءة أكثر من 21 معلمًا أثريًا في جميع محافظات مصر في السنوات الماضية، مثل الهرم الأكبر ومجموعة كبيرة من المتاحف الأثرية المصرية، فضلًا عن عدد من المباني والمنشآت في جمهورية مصر العربية. [3]

بالإضافة إلى ذلك، وفي لفتة رائعة قامت بها الدكتورة داليا سليمان مسئولة الجمعية المصرية للتوحد هذا العام احتفالًا باليوم العالمي للتوحد، قامت بدعوة مجموعة كبيرة من الفنانين المصريين لإطلاق حملة توعوية عنوانها «اتحاد مش توحد» تهدف إلى مؤازرة أسر الأطفال المتميزين بالتوحد بأنهم ليسوا وحدهم، خاصة في ظل الظروف العالمية التي حتمت على الجميع الانعزال في المنازل لفترات طويلة خلال العام الماضي. ولا شك أن هذا الدعم الكبير لاقى أصداء واسعة في الصحافة المصرية والعربية، وهو اعتراف كبير بضرورة الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة غير المرئية. [4]

امتداد الوعي ليشمل المناهج الدراسية

في إطار حملات التوعية بذوي الاحتياجات الخاصة التي تصدرها دول الغرب في السنوات الأخيرة، لاحظت أن الأمر في هذه المجتمعات لم يتوقف عند حد الأشياء الظاهرية مثل ارتداء شريط ذوي الاحتياجات الخاصة، أو حمل بطاقة خاصة توضح أن الطفل به إعاقة غير مرئية، بل تطور الأمر ليمتد إلى المناهج الدراسية، وذلك بهدف توعية جيل كامل بكيفية التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، مؤكدين أنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع، بل وإن لهم الأولوية في كثير من الأحيان.

وتجدر الإشارة إلى أنه تم تخصيص مناهج تعليمية غربية محددة لذوي الاحتياجات الخاصة أطلقوا عليها اسم SEN وهو اختصار لجملة Special Educational Needs or Disability أي تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة والإعاقة [1]، ويشمل هذا المنهج مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأنشطة التعليمية المخصصة لذوى الاحتياجات الخاصة على تنوعها، ومنها ما هو مخصص للإعاقات المرئية، ومنها أيضًا ما هو مخصص للإعاقات غير المرئية، وهذا بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المناهج والأنشطة التعليمية الموجهة إلى كافة الطلاب لتوعيتهم بكيفية التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي زاوية جديدة في التعامل مع هذا الموضوع.

وعلى غرار الغرب، وفي إطار حملات التوعية التي شقت طريقها في الوطن العربي، انتقلت هذه الأنشطة التعليمية الرائعة إلى مدارسنا في الوطن العربي، خاصة المدارس التي تتبنى المناهج الغربية لدينا مثل المدارس الأمريكية والبريطانية والكندية وغيرها، فقد انبهرت بسرعة تبني الحملات الغربية في هذا الصدد، بما يتضمن ذلك ترجمة شريط عباد الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة وتبني سياسة ارتدائه في بعض المدارس العربية.

بالإضافة إلى ذلك، تم إصدار مجموعة من الكتيبات التي تهدف إلى نشر الوعي بذوي الاحتياجات الخاصة غير المرئية، لعل أكثرها انتشارًا في الآونة الأخيرة كان كتاب التوعية بصفات التوحد، والذي تم تطبيقه في بعض المدارس المصرية بدءًا من أبريل الماضي في إطار حملات التوعية باضطراب التوحد في المجتمع المصري.

وإجمالًا يمكنني القول، أن هناك طفرة إيجابية واضحة في كيفية التطرق لمثل هذا النوع من الموضوعات التي كانت تعتبر حساسة وشائكة لمدة طويلة من الزمن في وطننا العربي، والذي أصبح أكثر وعيًا من ذي قبل فيما ينقله عن الغرب؛ فأنا ممتنة جدًا لهذا الموقف الإنساني المجتمعي الذي تعرضت له في مطارات المملكة المتحدة، والذي جعلني أبحث بعمق في هذا الموضوع لأتفاجأ بمدى وعي مجتمعاتنا العربية في هذا الصدد، وكلي أمل في المزيد من الوعي والمبادرات الإيجابية التي تنادي بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد