بعدَ الصراع المستمر بين أمريكا وإيران والذي جنى تأثيرًا كبيرًا في المنطقة وفَرز فيها قطبي صراع فبين مؤيد لأمريكا وحليف لها وبين مؤيد لإيران.

أهل السنة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي اختار غالبهم مشروع المقاومة وتجرعوا مرها سنين طوالًا، لأنه واجب ديني ووطني اتجاه وجود المحتل فالمحافظات السنية كانت هي العامل المؤثر والفعال في عمليات المقاومة، وأن المعدل العام لعمليات المقاومة ضد المحتل في العراق نتاج حقيقي لعمل فصائل المقاومة السُّنِّية، وأن النشاط المسلح الشيعي كان عملًا هامشيًّا بسيطًا مقارنة بحجم النشاط السُّنِّي.

ولكن ذلك المشروع فرض عليهم ضرائب كبيرة.

أولها: النسبة الحقيقية للسنة في العراق والتي اعتُمدت بتقارير دولية تفيد بأن السنة مع الأكراد هم الاغلبية، ولكن بعد الاحتلال وسيطرة المكون الشيعي على الحكم خرجت تقارير غير ما كانت عليه النسبة الحقيقية، لدواعي التمثيل السياسي والموازنة والوظائف وغير ذلك.

وثانيها: العمل السياسي، حيث اقتصر ذلك على بعض الشخصيات المعروفة بولائها لإيران، وخاصة في الدورات السياسية الاخيرة، ولا يسمح للوطنيين من أهل الكفاءة ممارسة العمل السياسي تحت ذريعة قانون المساءلة والعدالة الذي من خلاله يتم تجريم كل من يريد أن يقدم شيئًا لمكونه مخالفًا لأجندة «أزلام الحكومة».

وثالثها: الذين سمح لهم بالمشاركة في العمل السياسي لم يسمح لهم أن يكونوا شركاء حقيقيين، وإنما مشاركين فقط.

بَقي هذا الحال حتى سنة 2013 حين خرجت المُحافظات السُنية للتظاهر والاعتصام المفتوح للمطالبة بحقوقهم وما ألمَّ بهم من إقصاء وتهميش بعد أن ضاق بهم حال الحكومة المتمثلة برئيس الوزراء نوري المالكي الذي كان يسيطر على كل مفاصل الحكومة بما في ذلك القضاء، وكان يلوح بالملفات الملفقة من أجل إقصاء وإبعاد الثلة القليلة المشاركة بالعمل السياسي واستبدال بهم أشخاص موالين للحكومة على حساب حقوق مكونهم، والذي قال عنه سنان الشبلي محافظ البنك المركزي: إن الأموال التي تسلمها المالكي كانت تكفي لبناء وطن جديد يتسع لـ30 مليون نسمة.

لم تستجب حكومة المالكي في ذلك الوقت لمطالب المتظاهرين والمعتصمين والتي كان ملخصها، إطلاق سراح المعتقلات ومحاسبة المقصرين والمغتصبين لهن، وإيقاف تنفيذ أحكام الإعدام استجابة للدعوات الدولية بتوقيفها، تعليق العمل بـ«مادة 4 إرهاب أو 4 سنة» بجميع مواده والتيلا يُعمل بها الا على المكون السني، وتشريع أو إقرار قانون العفو العام، وإيقاف العمل بقانون المساءلة والعدالة، وتحقيق التوازن في جميع مؤسسات الدولة، وخاصة العسكرية والأمنية والسلطة القضائية، وإلغاء الأجهزة الأمنية غير الدستورية والمليشيات، وإعادة التحقيق في القضايا التي تخص الرموز الدينية أمام جهات قضائية محايدة، ومنع استخدام العبارات والشعارات الطائفية في مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية، وتجنب المداهمات الليلية العشوائية، وإلغاء قانون المخبر السري، وإجراء تعداد سكاني شامل تحت إشراف دولي، واعادة جميعالمساجد ودور العبادة وأملاك الوقف السني، قابلت مطالب السنة بالقمع والقتل مع أن الاعتصامات بقيت لعام كامل سلمية لم يشبها شيء.

مما أدى إلى تراكمات كبيرة عند أهل السنة في الوقت الذي كانوا يحافظون ولسنوات طوال على الوحدة واللحمة الوطنية.

وآخرها أيّام النزوح حيث لم تستقبل الحكومة أبناء المحافظات السنية، ولم تدخلهم إلى بغداد وهم أبناء الوطن إلا بكفيل، ومن جهة اخرى كانت المليشيات الحكومية تعتقل آلاف الشباب الذين أصبحوا مغيبين ومُلئت بهم المقابر الجماعية التي اكتشفت حديثًا.

وزاد الأوضاع تعقيدًا أنه لا يتم المصادقة على أي وزير، أو مسؤول، أو قائد كبير، إلا بعد موافقة ومباركة إيرانية.

مما جعلهم يعيدون حساباتهم ويعيدون توجيه بوصلتهم، وخاصة بعد التوتر الأمريكي الإيراني الأخير، والتظاهر أمام السفارة الأمريكية بعد مقتل سليماني، والمطالبة بإغلاقها وإخراج القوات الأمريكية المتواجدة في العراق.

أدرك المكون السني أن الخلاص من الهيمنة الإيرانية التي تمثلت بالحكومات المتعاقبة لم تزدهم الا دمارًا وشتاتًا وقتلًا واعتقالًا لذلك اختاروا اللجوء إلى المجتمع الدولي للخلاص مما هم فيه لواجب المرحلة والعبور من خندق النار، وحتى لا تكون مدنهم أرض صراع، والأهم من ذلك هو استعادة سيادتهم وحقوقهم والحفاظ على دماء أبناء مكونهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السني, العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد