لطالما كنا نعزِّي أي شخص يتعرض لأزمة ما بعبارة «يا جبل ما يهزَّك ريح»، ولكن حقيقة لا أجد نفسي قادرًا على أن أقول للمعلمين السوريين في تركيا «أيها الجبال.. قد هزتكم الريح فعلًا».

متى بدأت القصة

لم ترحم آلة التدمير الأسدية لا الحجر ولا البشر في سورية، وكانت المدارس أهدافًا دسمة لهذه الآلة الهمجية، إلى جانب المنازل والمشافي وحتى أشجار الزيتون، ما أدى لتهجير الملايين من السوريين إلى تركيا وعدد من الدول الأخرى، ولكن باعتبار أنَّ الجارة التركية كان لها النصيب الأكبر من احتضان هذا الموج اللاجئ المقدَّر بـ4 ملايين على أقل التقديرات بعد عقد كامل من استمرار الحرب الأسدية على الشعب السوري اليتيم.

بدأت القصة منذ أن بدأ السوريون بافتتاح مراكز تعليم ومدارس لتعليم أبنائهم، وكانت متنفسًا للمعلمين السوريين المهجرين في تركيا للتخلص من لعنة العمل الشاق في بلاد الغربة وليكسروا قاعدة «إلياس فرحات» التي فرضت على اللاجئ والمغترب أن يضع شهاداته جانبًا ويغرب خلف الرزق ويشرق، ويشرب مما تعاف الخيل شربه بحثًا عن لقمة عيشه في ديار لا يشار له فيها إلا بصفات تدل على غربته كلاجئ، أو مهجر، وحتى كلمة «ضيف» باتت ثقيلة عليه، وعلى مضيفه. مع الأسف.

لم تدم فرحة المعلم كثيرًا. فقد جاءه ما ينغِّص عليه عيشته ليجد آلاف المعلمين أنفسهم مضطرين لخوض تجربة «إلياس فرحات» مرة ثانية.

قال إلياس فرحات في قصيدته المعروفة:

أُغَرِّبُ خَلْفَ الرِّزْقِ وَهْوَ مُشَـرِّقٌ
                     وَأُقْسِمُ لَوْ شَرَّقْـتُ كَانَ يُغَـرِّبُ
تَعِبْتِ إِذَا إسْتَنْظَرْتِ خَيْرًا مِنَ الوَرَى
                    وَمُسْتَقْطِرُ السَّلْوَى مِنَ الصَّابِ يَتْعَبُ

ثم ماذا حصل؟

في شحطة قلم، أعلنت وزارة التربية التركية مع منظمة اليونيسيف خطة لدمج تعليم السوريين في تركيا مع أقرانهم الأتراك في المدارس التركية، وإن كانت النوايا الحسنة لا تغفر لصاحبها إن خلفت مصائب وطوامّ. فإننا نلقي باللوم على من خطط ونفذ وسعى للدمج دون أي اعتبار لآلاف المعلمين الذين قطع الطريق أمامهم لأي فرصة لممارسة مهنة التعليم في المراكز السورية المؤقتة، والتي أُغلقت تدريجيًّا ما بين عامي 2017 و2019.

بقي ضمن خطة الدمج 12 ألف معلم سوري فقط، من أصل أكثر من 30 ألف معلم على أقل التقديرات ممن حضروا الدورات التربوية في عام 2017، ومن أصل أضعاف هذا العدد من المعلمين الذين لم يحضروا الدورات، وممن قدموا إلى تركيا بعد فوات فرصة الحصول على وظيفة بسبب اكتفاء خطة الدمج بالعدد المذكور.

حتى من تعينوا لم يسلموا من الفصل

حتى من اعتُقد أنهم نجوا من لعنة «شقاء الحياة» فاجأهم قرار في بداية سبتمبر (أيلول) 2021 بقرار الاستغناء عنهم، مع احتمالية الاكتفاء بعدد قليل جدًّا من المعلمين، ولا ضمانات لضمان استمرار عقود العمل معهم، لا سيما أنَّ اليونيسيف توقع «عقود تطوع» فقط وفيها التزامات من طرف واحد «المعلم» دون أي ذكر لالتزامات الطرف الثاني، بالإضافة إلى أنَّ الراتب الذي يمنح للمعلم السوري تسميه المنظمة «مساعدة اجتماعية»، أي إنها غير معنية بدفع أي تعويض بعد فصل المعلمين من فرصة العمل الوحيدة.

ظروف عمل المعلمين مع اليونيسيف

راتب قليل لا يتجاوز 250 دولار أمريكي في أحسن أحوال سعر الصرف لليرة التركية أمام الدولار خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى عدم وجود أي ضمان وظيفي، ولا موعد ثابت لتسليم «المساعدة الاجتماعية» وعمل بدون تأمين صحي، وفي العامين السابقين اقتصر التعامل مع المعلمين السوريين في المدارس التركية على أنهم موظفون من الدرجة التاسعة والتسعين، قد يتقاضى بائع الكعك أمام المدرسة مردودًا شهريًّا أعلى من المعلم السوري!

ما الخيارات أمام المعلم السوري؟

الشباب من المعلمين سيركبون عربة «إلياس فرحات» ليشرقوا خلف المعامل، ويغربوا خلف ورشات الخياطة، لعلهم يجدون ما يسدُّ الرمق، ويكفي لسداد التزامات الحياة في تركيا، أمام كبار السن وهم الأغلبية، فقد تركوا للريح تهزهم وهم الجبال الذين أفنوا حياتهم وقوفًا أمام سبورات المدارس لإعداد الأجيال، فهم مخيرون بين العودة إلى سورية حيث لا أمن ولا مستقبل، أو ركوب موجة الهجرة إلى أوروبا بعد بيع ما تبقى لهم من ذكريات في سوريا، كبيت قديم، أو قطعة أرض تركوها لليوم الأسود، ولعلَّه قد جاء هذا اليوم.

قضية من عشرات القضايا التي تواجه السوريين أينما حطوا رحالهم، ولا يتسع المقام لذكرها جميعًا إنما خصصت كتابتي عن هذا الموضوع بالذات وفاءً لشيبة معلميّ ممن انحنت ظهورهم بعد أن اعتدنا رؤيتهم شامخين منتصبين كالجبال الراسيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد