كل مصيبة توقن أنها من عند الله يهدي الله قلبك بنازلتها «ما أَصابَ مِن مُصيبَةٍ إِلّا بِإِذنِ اللَّهِ وَمَن يُؤمِن بِاللَّهِ يَهدِ قَلبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ» (التغابن: 11).

ما أعظم الوحي في تبيان ووصف كل شيء، وما أجله في مخاطبة خوالج النفس وأحاديثها وأسئلتها، وما تعانيه من تخبط، وما يطرأ عليها من أزمات، وما أجلّه في وصف الحياة وتوصيف الإنسان، توصيف ما يخالط نفسه من أحداث، توصيف أنانيته، توصيف جهله، توصيف ضعفه، توصيف عجلته، توصيف ظلمه.

إن الناس كثيرًا ما تأخذهم الدنيا بالغرور، كثيرًا ما يظنون أنهم قادرون على الارض، قادرون على السيطرة، يخادعون أنفسهم بوهم الاستحواذ، يخادعون أنفسهم بمظاهرة القوة والبطش، لكنهم غافلون عن أبسط أسرارهم، جاهلون لكل شيء «إِنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنيا كَماءٍ أَنزَلناهُ مِنَ السَّماءِ فَاختَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرضِ مِمّا يَأكُلُ النّاسُ وَالأَنعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الأَرضُ زُخرُفَها وَازَّيَّنَت وَظَنَّ أَهلُها أَنَّهُم قادِرونَ عَلَيها أَتاها أَمرُنا لَيلًا أَو نَهارًا فَجَعَلناها حَصيدًا كَأَن لَم تَغنَ بِالأَمسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ» (يونس: 24).

يمضي الكون بالتدبير الإلهي، في حين يظن المغفلون في مشارق الأرض ومغاربها أنّ ثمّة هيمنة بشرية تسيّر الحياة، إن الناس فاقدون للسيطرة على كلّ شيء، هكذا يتبين حالهم كلّ لحظة، ذاك ما يبوح به الوحي للناس لعلهم يفقهون «أَم خُلِقوا مِن غَيرِ شَيءٍ أَم هُمُ الخالِقونَ ۝ أَم خَلَقُوا السَّماواتِ وَالأَرضَ بَل لا يوقِنونَ ۝ أَم عِندَهُم خَزائِنُ رَبِّكَ أَم هُمُ المُصَيطِرونَ ۝ أَم لَهُم سُلَّمٌ يَستَمِعونَ فيهِ فَليَأتِ مُستَمِعُهُم بِسُلطانٍ مُبينٍ ۝ أَم لَهُ البَناتُ وَلَكُمُ البَنونَ ۝ أَم تَسأَلُهُم أَجرًا فَهُم مِن مَغرَمٍ مُثقَلونَ ۝ أَم عِندَهُمُ الغَيبُ فَهُم يَكتُبونَ ۝ أَم يُريدونَ كَيدًا فَالَّذينَ كَفَروا هُمُ المَكيدونَ ۝ أَم لَهُم إِلهٌ غَيرُ اللَّهِ سُبحانَ اللَّهِ عَمّا يُشرِكونَ ۝ وَإِن يَرَوا كِسفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقولوا سَحابٌ مَركومٌ ۝ فَذَرهُم حَتّى يُلاقوا يَومَهُمُ الَّذي فيهِ يُصعَقونَ ۝ يَومَ لا يُغني عَنهُم كَيدُهُم شَيئًا وَلا هُم يُنصَرونَ ۝ وَإِنَّ لِلَّذينَ ظَلَموا عَذابًا دونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمونَ ۝ وَاصبِر لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنا وَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ حينَ تَقومُ ۝ وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحهُ وَإِدبارَ النُّجومِ» (الطور: 35- 49).

كان هذا العالم غافلًا فاستيقظ فجأة ليعرف قدره الهزيل، ليعرف وزنه الزهيد، ليعرف بضاعته المزجاة، لقد فقد كلّ شيء قيمته وانشغل كلّ الناس بإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

تلك سُنن الله في خلقه تمضي بتدبيره، وعسى أن يكره الناسُ شيئًا وهو خير لهم، وعسى أن يحبوا شيئًا وهو شرٌ لهم، فهم أهل الجهل، وهم أهل الظلم، وهم أهل الضلال والكفر بنعم الخالق الظاهرةِ والباطنة.

شكرًا لله على كورونا التي لفتت الناس من سباتهم ليروا ضعفهم يمثُل لهم بعد سنوات طويلة مدّ الله فيها لهم مدًّا، وأترفوا وفسدوا وقتلوا وشرّدوا، وأهلكوا الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.

شكرًا لله على كورونا الذي بيَّن أن قيمة الناس بصلتهم بالله لا بانقطاعهم عن عالمه، وأن الناس كلما بلغوا من القوة ازدادوا ضعفًا، وكلما بغلوا من العلم ازدادوا جهلًا، وكلما بلغوا من المال ازدادوا فقرًا.

شكرًا لله على كورونا الذي رغم أنه أوقف كثيرًا من تجمعات الصلاة الظاهرية لكنه استطاع أن يصحح مفهوم الصِلة بالله فتوجهت كل القلوب إليه، نعم حتى تلك القلوب الشريرة التي قتلت الناس شرقًا وغربًا في طغيانٍ سافر «وَلِلَّهِ يَسجُدُ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ طَوعًا وَكَرهًا وَظِلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ ۩» (الرعد: 15).

شكرًا لله على كورونا التي بينت هشاشة الجيوش شرقًا وغربًا وهي تتبجح قبل أيام فقط بصواريخها النووية، وقنابلها الذرية، وطائراتها الحربية، وقواعدها العسكرية، ثم إن كل ذلك السلاح الذي أعد أغلبه لدحر الضعفاء شرقًا وغربًا ظل حائرًا.

شكرًا لله على كورونا الذي أثبت جهل الإنسان بالتدبير الإلهي، وغفلته عن عوالم الآخرة، وطغيانه وهو في يابسة تمثل 29% من مساحة الأرض بينما تتمثل 71% منها؜ في نسبة المياه.

شكرًا لله على كورونا الذي بيّن أن الإنسان لا يمكنه أن يتحسب لأي شيء، فمن حركة دائبة بالاقتصاد والتجارة دخل الناسُ مساكنهم كالنمل عند مُلك سليمان.

شكرًا لله على كورونا الذي لا يُرى بالعين المجردة لكنه استطاع أن يخرس أفواه الذي صدعوا رؤوسنا بعنجهيتهم الفارغة في شتى وسائل الإعلام، يتفاخرون بالسلاح يشهرونه ليل نهار في وجوه المستضعفين «وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ» (المدثر 31).

شكرًا لله على كورونا الذي أعاد ترتيب كلّ شيء كأنه سهم رباني يزيد به إيمان المؤمنين، وتمر عليه آذان الكافرين معرضة «وَكَأَيِّن مِن آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ يَمُرّونَ عَلَيها وَهُم عَنها مُعرِضونَ» (يوسف: 105).

شكرًا لله على كورونا الذي أعاد تعريف الإنسان وأرجع البصر للناس ليستبينوا ضعفهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الفيروسات «يُريدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُم وَخُلِقَ الإِنسانُ ضَعيفًا» (النساء: 28).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد