الكثير من علامات الاستفهام تقف خلف الصراع الأمريكي الإيراني في المنطقة، فرغم أن القوة لم تكن متكافئة لا سياسيًّا ولا اقتصاديًّا أو عسكريًّا، فإن هنالك خطبًا ما أدى إلى تأخير الانتصار الأمريكي على بسط النفوذ في المنطقة، لا سيما العربية، فما السر، ومن المستفيد؟

بداية، يمكن أن نشبه الصراع الأمريكي الإيراني، بالصراع الخجول الإعلامي، والذي يراد منه إشغال العالم لصالح بسط النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، بجانب استغلال النفوذ الإيراني بشكل محدد، وهنا يمكن أن نقول إن النفوذ الإيراني في المنطقة، أداة بيد واشنطن لترسيخ وجودها.

السياسة الأمريكية وتأثرها بالعداء لإيران

لا بد أن الوضع السياسي داخل أمريكا يحدد سياسة واشنطن الخارجية، خاصة في مسار المواجهة الأمريكية الإيرانية، فكلما مرت السياسة في أمريكا بمرحلة جديدة، نرى وجود تغير بارز في الصراع الأمريكي الإيراني، وهذا ما نلاحظه اليوم تزامنًا مع قرب الانتخابات الامريكية واشتداد المنافسة على الرئاسة؛ إذ يرى مراقبون أن التحرك الأمريكي الأخير من التهديد بتنفيذ ضربات ضد مصالح إيرانية في العراق، وإغلاق السفارة الأمريكية في بغداد؛ أنه ضمن التسويق الانتخابي لكسب المزيد من التأييد الجماهيري لصالح إدارة ترمب.

ورغم كل التقلبات التي شهدتها أمريكا سياسيًّا على مر العقود السابقة، فإن أيًّا من العداء الأمريكي الجد ضد طهران لم يأتِ بعد، وهو ما أثبته الدعم الأمريكي لإيران في حرب الثمانينيات بين إيران والعراق، فضلًا عن تقديم العراق على طبق من ذهب لوكلاء طهران، وكذلك لإيران ذاتها عام 2003، وما تلاه من مواقف مشبوهة، خاصة في الشأن السوري، عندما سكتت أمريكا عن دخول الفصائل المسلحة الإيرانية التي تقاتل في سوريا لدعم بشار الأسد.

طهران وتكرار سيناريو إسقاط نظام «صدام»

الكثير من التساؤلات طرحها مدونون ومراقبون، حول مدى قدرة واشنطن على تكرار سيناريو إسقاط نظام صدام؛ في إيران، وهو ما شكك فيه الكثير، وكما هو ظاهر إعلاميًّا، أن العداء الأمريكي لإيران مشابه للعداء الأمريكي لنظام صدام سابقًا، وهذا ينافي الواقع تمامًا.

هناك العديد من الاختلافات بين الخلاف الأمريكي مع نظام صدام، وبين الخلاف الأمريكي مع طهران اليوم؛ فأما صدام فقد كان مصدر تهديد للقوة الأمريكية المتمثلة بتنامي الكيان الصهيوني في المنطقة، والسياسية العربية التي كان ينتهجها صدام على حساب النفوذ الأمريكي في المنطقة، وهو ما أجبر البيت الأبيض على إسقاط هذا النظام مهما كلفه الأمر.

أما النظام الإيراني فهناك الكثير من التناقضات والاختلافات، فرغم أن طهران تتبجح بعدائها للكيان الصهيوني ولأمريكا ونفوذها في المنطقة، فإنها تعمل خلف الستار عكس هذا تمامًا، وهو ما أثبتته السنين؛ حيث إنها لم تطلق صاروخًا واحدًا على الكيان الصهيوني، ولم ينفذ وكلاؤها في العراق أو سوريا، أي ضربات حقيقية ومؤثرة ضد الوجود الأمريكي، الأمر الذي يؤكد وجود مصلحة أو منفعة مشتركة بين واشنطن وطهران، بصورة غير مباشرة.

طهران أداة بيد واشنطن

إن ترسيخ أي نفوذ أجنبي في المنطقة يعتمد على معدل الفوضى السياسية والأمنية والاقتصادية فيها، وهذا ما عملت عليه بالفعل أمريكا، ووجدت أن أفضل طريقة لخلق الفوضى في المنطقة المراد ترسيخ النفوذ الأمريكي فيها؛ هو عبر فتح الأبواب على مصراعيها أمام النفوذ أو التوسع الإيراني لخلق الفوضى، بشكل محدود، وهو ما يعد مصلحة أمريكية، بجانب مصلحة إيرانية، والتي كانت طهران تتعطش لأي فرصة يمكن أن ترسخ فيها النفوذ في المنطقة العربية.

ولهذا فنحن نقول إن الصراع الأمريكي الإيراني يمكن أن نسميه صراعًا إعلاميًّا، ولا يمكن التصعيد إلى مستوى إنهاء الخصم، لكون أن الصراع فيه منفعة لكلا المتصارعين، ولهذا فستبقى أمريكا تغازل إيران عداوة، وتستمر طهران في خطاباتها التي صدعت بها رؤوسنا حول العداء ضد أمريكا والكيان الصهيوني، فلن يتوقف النفوذ الإيراني في المنطقة، طالما هنالك رغبة أمريكية بترسيخ النفوذ في المنطقة العربية عبر سلاح محاربة النفوذ الإيراني وحماية المصالح العربية من الإرهاب وإيران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد