بدأت المقاطعة وبين مشكك ومشجع ومحايد ومع سريان الحملة وانتشارها بين الشعوب العربية وغيرها، سارعت فرنسا للطلب بإيقاف حملة المقاطعة، والمقاطعة إن تمت على الواقع وبمشاركة ضخمة فهي فعّالة وقادرة على تغيير مسار الأحداث، والمُختص في التسويق Marketing يعلم يقينًا أهمية العميل أو المستهلك أو الزبون في الزمن الحاضر، فالفكر التسويقي للشركات قد مر بعدة مراحل عبر التاريخ وهذه المراحل، يمكن تلخيصها في ثلاث مراحل رئيسة:(1)

-التسويق الإنتاجي: أي إنتاج السلع بأكبر كم ممكن، وهذا يعني زيادة العرض مقارنة بالطلب.

-التسويق بالبيع: أي الاعتماد على البائعين ووسائل الإعلام، وجاءت نتيجة زيادة العرض على الطلب.

-المفهوم التسويقي الحديث: وهو المفهوم الذي تحولت فيه الشركات للاهتمام بحاجات ورغبات العميل والمستهلكين، وعنوانه: إنتاج ما يمكن بيعه.

التسويق بمفهومه الحديث والتسويق الإلكتروني وعبر وسائل التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا جعل العالم الاقتصادي يتطرق لمفاهيم جديدة وسياسات مختلفة عما مضى، فإنتاج ما يمكن بيعه يتضمن دراسة الأسواق والمنافسين وحساب الحصة السوقية، وهناك من المختصين من يقوم بدراسة مستويات الأمان والمخاطرة في الأسواق العالمية وتفضيل الأسواق على بعضها البعض ومعرفة حاجات ورغبات العملاء والمستهلكين، والعميل في المفهوم التسويقي الجديد هو أساس عمل الشركة.

أهمية العميل: جميع المفاهيم السابقة وما وصل إليه الإقتصاد العالمي جعل العميل هو أساس نجاح أي عمل تجاري أو بعبارة بوب وايلاند: لقد تغيرت النظرية. المنتجات تأتي وتروح، إن وحدة القيمة اليوم هي علاقة العميل(2).
والإجماع بين علماء هذا الفن اليوم أن المحافظة على العميل الحالي أفضل من الجهد المبذول للحصول على عميل جديد، فحسب دراسة لتراب TRAP إن تكلفة الحصول على عميل جديد تساوي خمس أضعاف تكلفة الحفاظ على العميل الحالي(3).
فالمقاطعة تجعل الشركات الفرنسية تخسر عملائها على مستوى العالم، في حين تطرقت الإحصاءات والدراسات مؤخرًا لحجم التبادل التجاري بين فرنسا والدول العربية والإسلامية – يمكن الوصول إليها بسهولة – في إشارة إلى الحجم الضخم من الصادرت من مختلف أنواع السلع والمنتجات، فعدد الزبائن وحجم الأسواق العربية والإسلامية يشكل تهديدًا لأضخم الشركات، وقد دأبت الشركات إلى دراسة حاجات ورغبات المستلكين للحفاظ عليهم وعدم خسران أسواقها.

حاجات ورغبات: ولأن العميل أصبح وهو محور عمل الشركات، ظهر الإهتمام بحاجات ورغبات الزبائن والمستهلكين، وأفضل من قام بدراسة الحاجات والرغبات وتقسيمها وجعلها في هرم، عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو، في ورقة بحثية أسماها «نظرية الدافع البشري» عام 1943 وأشتهر تقسيمه باسم «هرم ماسلو(maslw) للحاجات»، وهي مرتبة على حسب الأهمية:(4)

1-الحاجات الفسيولوجية.
2-حاجات الأمان.
3-حاجات اجتماعية.
4-حاجات تقدير الذات.
5-حاجات تحقيق الذات.

حاجات تقدير الذات: وهي شعور الفرد بأن يكون محلًا للتقدير سواء من ذاته وداخله أو من قبل الآخرين والعالم، فالفرد ينطلق من هذه الحاجة إلى شراء أحد منتجاتك، كالعطور الفاخرة، أو السيارات الجيدة، أو الملابس الجميلة، ويعرض الأفراد عن منتجاتك إن كنت تشعرهم بأنهم محل تحقير وازدراء، فالتحقير لهم يجعلهم يمارسون ضدك أنواع مختلفة من التصرفات.

سلوك المستهلك: التسويق لا يقتصر فقط على تحديد الحاجات والرغبات ودراسة الأسواق، يتطرق التسويق لدوافع الشراء ودراسة سلوك المستهلكين والأفراد والجماعات وأنواعهم، فمع وجود الحاجة والرغبة يدرس الباحثون كيفية تصرف الأفراد وطريقة تلبية الحاجة أو الرغبة في اختيار منتج والصد عن منتج آخر، ومن هذه التقسيمات، لسلوك المستهلك حسب العدد:(5)

-سلوك فردي: وهو سلوك الفرد نفسه.
-سلوك جماعي: وهو سلوك يخص مجموعة من الأفراد الذين يجمع بينهم رابط معين كالمجتمع أو المنزل أو النادي… إلخ.

وما يحدث اليوم من حملة مقاطعة للمنتجات الفرنسية، يصنف تحت السلوك الجماعي والرابط هو الدين، أو بشكل أدق لما قامت عليه الحملة، رابط محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو سلوك وردة فعل طبيعية لأمة لم تزل تملك في داخلها دوافع وحاجات دينية ورغبة في الذود عن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد وصف جيلبيرت كولار اليميني المتطرف سلوك المقاطعة بقوله: المسلمين يمارسون الجهاد الاقتصادي.

إذًا المفهوم التسويقي الحديث للشركات قائم على دراسة الأسواق وإرضاء العملاء وللعميل أهمية ودور كبير في نجاح عمل الشركات والمقاطعة تعني ارتفاع نسبة المخاطرة وتعرض الشركات الفرنسية للخسائر وتقليل الأرباح، ويملك الأفراد حاجات ورغبات يسعون لتحقيقها وقد تقاطعت الإدارة الفرنسية مع حاجات تقدير الذات لدى المسلمين، ويترجم المسلمين حاجاتهم ورغبات على شكل سلوك جماعي أدى بهم لتفعيل حملة مقاطعة للشركات الفرنسية، والمعادلة هذه تجعل الاقتصاد الفرنسي على أبواب مخاطر ضخمة ليخرج ماكرون مطالبًا بوقف المقاطعة الشعبية للبضائع الفرنسية، وبإصرار تام من ماكرون على دعم الرسوم المسيئة للرسوم تحت ذريعة حرية التعبير والمبادئ الفرنسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد