عاش أبناء الأمة الإسلامية يومًا ربما لم يعيشوا مثله منذ سنوات طوال؛ وذلك لمجرد أداء أول صلاة جمعة في مسجد آيا صوفيا، الذي عاد لأصله بعد انقطاع أذانه وأفول أنواره وسكون مكبراته وظلمة أرجائه وبكاء محرابه؛ بسبب تحوله لمتحف قهرًا وجبرًا، بتوقيع خطي امتلأت قطرات حبره بالحقد والغل تجاه الإسلام وأهله، فيا لسعادة الفرحين! ويا لبهجة المستبشرين! ويا للهفة الصالحين المؤمنين! ويا لبهجة القابضين على الجمر المرابطين! إنها والله إحدى علامات الإيمان وواحدة من وسائل إغاظة حزب الشيطان، ولعلها إحدى المبشرات على طريق التحرر من التبعية، وحافز لتجهيز العدة والاستعداد لتحرير مقدسات الأمة المحمدية، والتي يأتي في مقدمتها تطهير المسجد الأقصى من دنس الغاصبين وعبث المتصهينين.

أما الجديد اليوم فهو حديثي عن مسجد رابعة العدوية – وحين أتحدث عن مسجد رابعة فإنني أقصد المجزرة التي وقعت في ميدانه وأستخدم المسجد للإشارة – الذي شهد أبشع مذبحة مروعة في تاريخنا الحديث، ولأنني سئمت مثل الكثيرين من البكائيات واللطميات التي يعقدها البعض في ذكرى المذبحة من كل عام، فقد عزمت على التغريد مع سرب آخر في اتجاه مختلف؛ لعلي أقدم شيئًا جديدًا مفيدًا نافعًا لأجيال لم ترى سوى البكاء على الأطلال والرثاء عبر الفضائيات.

لذلك أطلق اليوم دعوة للجميع لهجر برقيات العزاء السنوية واللطميات شبه المذهبية، والوقوف للتأمل واستخراج العبرة والدرس من حوادث أطلَّت علينا برأسها وأخذت تحوطنا بذراعها؛ لتكفكف دموعنا بأناملها وتشفِ صدورنا بعبرة نصرها وقيمة ظفرها.

فهيا بنا نقف اليوم وقفات هادئة مع حوادث متشابهة متقاطعة، منها واقعتي تحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد على يد السلطان محمد الفاتح من ناحية وبين أجواء فتح القدس وتحرير المسجد الأقصى على يد القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي من ناحية أخرى – هذا مع الفارق الكبير والمكانة المقدسة للمسجد الأقصى، حتى لا يظن ظانٍ أنني أقيم مقارنة بينهما، وإنما أقف مستشهدًا بمواقف تجمعهما – وما مسجد رابعة العدوية منهم ببعيد، فقد سُلب روحه وفقد هويته منذ أن تسللت الدماء إلى أركانه وجوانبه وحين احتضنت طوابقه جثث الصالحين الباذلين لدينهم وامتلأت سقوفه بآهات الأطفال الرُضع والشيوخ الرُكع، وشهدت مصاحفه على أحذية داسته ودنسته وأحرقت ما تبقى به من ذكريات طيبة وروحانيات نادرة.

ولتنفيد الأحداث وإيصال العبرة والعظة أريد البدء بما حواه وسطرَّه التاريخ، ومن باب البشارة والقداسة أحبذ البدء بمسجدنا الأسير وأقصانا الحزين.

فقد استطاع صلاح الدين الأيوبي استرداد القدس من الصليبيين عام 1187م بعد معركة حطين، وعامل أهلها معاملة طيبة، وأزال الصليب عن مسجد قبة الصخرة، واهتم بعمارة المدينة وتحصينها(1).

والحقيقة التي تتجلى في هذا الحدث العظيم، أن المسلمين وقتها بالرغم من ضعفهم، وتفرقهم، وسطوة عدوهم، لم يدخل اليأس في قلوبهم، على الرغم من طول احتلال الأعداء لبيت المقدس، فلم يعترف أي أمير أو ملك مسلم بالاحتلال الصليبي لبيت المقدس، ولم يعط صك ملكية لهم بمقدسات المسلمين بدعوى طول المقام والتسليم بالأمر الواقع، بل ظل المسلمون في سعي حثيث لتحرير البيت، تارة يتقدمون وتارة يتعثرون، تارة ينتصرون وأخرى ينهزمون، ولكنهم واصلوا السير ولم ينقطعوا حتى تحقق المراد وتحررت البلاد، وهذا هو الطريق والسبيل، إذا أردنا أن نعيد الكرَّة مرة أخرى(2).

وهو الأمر ذاته الذي قام به السلطان محمد الفاتح حين دخل القسطنطينية فاتحًا – وقد تم ذلك بعد محاولات عديدة لفتحها خلال فترة الخلافة العثمانية – وعندما تحقق وعد رسول الله على يد السلطان محمد الفاتح دخلها حاملًا سيفه، متحليًا بأخلاق المسلم التي تعلمها من شيخه، ذلك الشيخ الرباني آق شمس الدين الذي غرس في الفاتح من صغره قيمة وأهمية هذا الفتح، فكان من ثمرة ذلك أن عامل السلطان الفاتح الرهبان الأرثوذكس خير معاملة تليق بنصر مجيد وفتح تليد، ولكنه في الوقت ذاته تعامل بما جرت عليه العادة وقتها وبما تمليه وتنطق به أبجديات النصر ومسلمات الفتح، فأمر بإزالة الصليب مع أعلى قبة آيا صوفيا، ليتحول هذا الصرح الشاهق والبناء الساحق إلى مسجد يُذكر فيه اسم الله آناء الليل وأطراف النهار، لتبدأ بجلاء ووضوح مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام، مرحلة انتقلت فيها التبعية من الكفر والظلم والطغيان الكنسي إلى الإيمان والعدل وحرية الاعتناق العقدي.

ولعل ما قام به الرئيس التركي أردوغان ليس أكثر من حفظ أمانة الأجداد وميراث الأحفاد، فليس من الممكن تجاهل صك ملكية مسجد آيا صوفيا الذي يحمل اسم السلطان محمد الفاتح، والذي بمقتضاه قد أصبح المسجد وقفًا لا يمكن المساس به أو استبدال حالته وهيئته، ولعل أيضًا ما قام به بعض أبناء الشعب التركي من محاولات حثيثة لإحياء هذه القضية عبر جمع توقيعات وتنظيم فعاليات وإقامة مرافعات ورفع دعاوى قضائية، يندرج أيضًا تحت باب حفظ أمانة الفاتح، حيث إنهم يدركون قيمة هذا الإرث الحضاريّ والصرح الإسلاميّ.

فالحالتان يجمعهما تشابه كبير في أحداثهما ومآلات الانتصار لكل منهما، وما تلك المشاهد المبهجة التي شاهدناها عبر الشاشات والفضائيات للمسلمين الذين عبَّروا عن فرحتهم الغامرة وبهجتهم الغائرة من شرق الأرض إلى غربها ومن أدناها إلى أقصاها بأداء صلاة الشكر وذرف الدموع الحارة الممزوجة بعاطفة الإيمان بسبب إعادة فتح مسجد آيا صوفيا، إلا علامة خير وبشرى عاجلة لقلوب تتوق شوقًا إلى الصلاة في المسجد الأقصى وباحاته المقدسة.

وفي ذات السياق لم تأتِ تصريحات خطيب أول جمعة في مسجد آيا صوفيا رئيس الشئون الدينية الدكتور علي إرباش، بعيدة عن هذا المعني، فالرجل قالها بوضوح ليعزز الأمل في نفوسٍ ربما تسلل اليأس إليها، ونبتت منذ زمن بذور التشاؤم بين جنباتها، فيؤكد بأعلى صوته ليحيي ماضيًا عتيقًا وحلمًا كبيرًا فيقول: «إن إعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا للصلاة بمثابة بارقة أمل لمساجد الأرض الحزينة والمظلومة، وفي مقدمتهم المسجد الأقصى»(3).

وتأتي هذه المشاعر المفعمة بالأمل والباعثة بالبهجة في أجواء العيد الأسبوعي للمسلمين – يوم الجمعة – بالتزامن مع قرب العيد الموسمي الرباني – عيد الأضحى – في آنٍ واحد، وما أجملها من بشريات تأتي متتابعة متزامنة؛ لتؤكد لكل من بقى في قلبه ذرات إيمان أنه مازال هاهنا شعاع نور يتلألأ في الآفاق وبارقة أمل تلوح في الأرجاء.

وما تلك الحالة المزرية الحزينة التي يعيشها مسجد رابعة بعيدة عن ذلك الأمل وتلك البشرى، فالسيسي وعصابته، وكلاء الغرب بالعمالة وصبيان اليهود بالخيانة، بالرغم مما قاموا به من محوٍ لمعالم ملمحة إيمانية سطرها الصالحون الأغيار، ووقفة مانعة كسد أمام دمار الفاسدين الأشرار، إلا أننا لو أردنا استعادة الحقيقة الجوهرية والدلالة الرمزية لمسجد رابعة العدوية لفعلنا ذلك، ولكن الأمر يحتاج منّا إلى صدق في الاتحاد، وتغافل عن الفرقة والاختلاف، وإذابة جبال الجليد التي تجذرت في معسكرنا، وحالت بين لقائنا أو حتى التقاء أهدافنا وغايتنا التي لا يختلف عليها اثنان بالورقة والقلم والمنطق والعقل، ولكنَّ شيئًا كهذا لن يحدث – حسب قناعتي وغلبة ظني – إلا على يد شباب طاهر وجيل صاعد يريد حقًا أن يُحوَّل عزاء رابعة إلى فرحة غامرة وبهجة ماتعة وأعياد متتابعة.

وها هي الأقدار تأتي طواعية لتلقي بظلالها وتدلو بدلوها وتؤكد ما نرمو إليه وننشده، فعيدنا الذي يحمل رمزية التضحية ودلالة الفداء قد فارقنا منذ أيام، ولكنَّه أتى ليحمل معاني البهجة والسرور للأمة جمعاء بعد أن علَّمنا درس إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – في البذل والعطاء، وهو ما يجب أن نفهمه ونعيه وألا نتركه يمر أمامنا مرور الكرام، فها هو أمير عصره وفريد أقرانه، الأديب مصطفى صادق الرافعي يكتب مقالًا يحمل ذات الدلالات مع قدوم العيد، فيحمل تلك المعاني الغائبة وذاك المفاهيم الضائعة في عبارات مختصرة قصيرة، سلسلة يسيرة، فيكتب تحت عنوان «المعنى السياسي في العيد»، فيقول:

ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأنَّ فيها قوة تغيير الأيام، لا إشعارها بأنَّ الأيام تتغيَّر، وليس العيد للأُمَّة إلاَّ يومًا تعرض فيه جمال نظامها الاجتماعي، فيكون يوم الشعور الواحد في نفوس الجميع، والكلمة الواحدة في ألسنة الجميع، يوم الشعور بالقُدْرة على تغيير الأيام، لا القدرة على تغيير الثياب.. كأنَّما العيد هو استراحة الأسلحة يومًا في شعبها الحربي.

وليس العيد إلا تعليم الأمة كيف تُوجِّه بقوَّتها حركة الزمن إلى معنى واحد كُلَّما شاءت، فقد وضع لها الدين هذه القاعدة؛ لتخرج عليها الأمثلة، فتجعل للوطن عيدًا ماليًّا اقتصاديًّا تبتسم فيه الدراهم بعضها إلى بعض.. وتخترع للصناعة عيدها، وتُوجد للعلم عيده، وتبتدع للفن مجاليَ زينته، وبالجملة تُنشئ لنفسها أيامًا تعمل عمل القُوَّاد العسكريين في قيادة الشعب، يقوده كلَّ يوم منها إلى معنًى من معاني النصر.

هذه المعاني السياسية – الحقيقية – القوية هي التي من أجلها فُرض العيد ميراثًا دَهْريًّا في الإسلام؛ ليستخرج أهل كلِّ زمن من معاني زمنهم، فيضيفوا إلى المثال أمثلة مما يُبدعه نشاط الأمة، ويحققه خيالها، وتقتضيه مصالحها.

وما أحسب الجمعة قد فُرضت على المسلمين عيدًا أسبوعيًّا، يُشترط فيه الخطيب والمنبر والمسجد الجامع، إلاَّ تهيئة لذلك المعنى، وإعدادًا له، ففي كلِّ سبعة أيام مسلمة يوم يجيء فيشعر الناس معنى القائد الحربي للشعب كلِّه.. ألا ليت المنابر الإسلامية لا يخطب عليها إلا رجال فيهم أرواح المدافع، لا رجال في أيديهم سيوف من خشب(4).

إن ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من نكبات وعثرات لابد أن يتغير ويحل محلها نهضات وقيامات تعيد الأمجاد، فلكل جواد كبوة ولكل فارس هفوة، وما الأمة إلا كرجل مريض تلقفته نوائب الدهر يمنة ويسرة، ولكنه لم يستسلم لذلك المرض ولم يستحسن البقاء على فراشه كثيرًا، فوثب بتدرج بعد فترة نقاهة واستشفاء، فيا لسعادة الأمة بأبنائها المتيقظين النابهين ويا لشرف هؤلاء الأبناء بقدسية منهج أمتهم وعزة رايتها، فلنعش أيامنا بأنفاس مفعمة بالأمل الصادق المتطلب لإعداد جاد متلاحق، ولنستبشر بعصر جديد تعود فيه للإسلام عزته وتقوى شوكته وتُرفع رايته؛ ليعيش أبناؤه فرحين مكبرين مهللين ولمستقبل أمتهم المشرق عاملين ساعين باذلين؛ ليكسروا من جديد سلاسل أحكمت على مقدساته ومعالم تضحياته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد