من الواضح أن جميع الأطراف الفلسطينية قد نفذت قدراتها الفكرية للخروج من المأزق الحالي، بل باتت أفكارهم التقليدية معوَل هدم لما تبقى من ركام للقضية الفلسطينية، وباتت أدواتهم النضالية لا تفي بالغرض وسط انهيار النظام السياسي الفلسطيني برمته، بالإضافة للانقسامات والخلافات والمعاناة المركبة على الشعب الفلسطيني.

وبالإضافة لذلك فإن هذه الأطراف ترفض الاعتراف بعجزها أو فشلها في إدارة القضية الفلسطينية وتوفير الحياة الكريمة للفلسطينيين، فكل طرف ما زال متمترسًا عند فكرته الأم التي نشأ عليها أو تبناها مستقبلاً، فهناك من يطرح فكرة السلام حتى آخر نفس وآخر يطرح فكرة البندقية لا سواها، وآخر يطرح فكرة البندقية لكن مصحوبة بالمرونة الكاملة تماشيًا مع متطلبات تحقيق طموحاتها الحزبية.

ولو نظرنا للماضي القريب سنجد أن الثورة الفلسطينية المعاصرة قد مرت بكل هذه المراحل منفردة إلى حدٍ ما، ولم تحدث اختراقة حقيقية على صعيد القضية الفلسطينية، والآن وقد تعددت الرؤى ولكن في مكونات منفردة ومنفصلة بل ومتناحرة بات تحقيق إنجاز ولو بسيط ضربًا من الخيال.

ولو تساءلنا حول رؤية كل طرف على صعيد إدارة الحالة الفلسطينية داخليًا «اجتماعيا» من حيث توفير الحياة الكريمة لأبناء شعبنا، سنجد أن التنصل من المسؤولية أو خلطها بالقضية الوطنية أساس استراتيجية تعاملهم مع الحياة المعيشية، ولربما يكون ذلك منطقيًا بالنسبة للمتلقي، لأن التحديات المفروضة أغلبها يقف خلفها الاحتلال الإسرائيلي، ولكن في ذات الوقت إن حجم الفساد الموجود داخل هذه المكونات هو أساس فشلها، وأن الخلط كان لتحقيق غايات فردية وليست أداة مواجهة فعلية ضد الاحتلال، ودليل ذلك حجم الفجوة المعيشية بين قيادة هذه المكونات وبين عامة الشعب.

وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤلات كبيرة وهي، هل كان الخلط بين الحياة المعيشية والحياة النضالية أساس الفشل على الصعيدين؟ أو أن فكرة الازدواجية تفوق قدرات القيادة الحالية؟، أم أن القيادة الحالية ذاتها فاسدة وغير مؤتمنة على حياة الشعب وقضيته الوطنية؟.

تكلفة الإجابات في الوقت الراهن عالية ولا نستطيع تقديمها، فلنتجاوز ذلك، ولنعتبر أن فشل فكرة الازدواجية هي النتيجة الثابتة مهما كانت الإجابات، ولنبحر في الحلول بنظرة موضوعية نابعة من علم الإدارة بعيدًا عن العاطفة والانغلاق داخل الصناديق الفكرية الحالية أو الأفكار التقليدية، ومن حقنا وواجبنا أن نبحث في حلول لإنقاذ مستقبل قضيتنا وشعبنا ومستقبلنا المرهون فيهم.

وقبل الخوض في رؤيتنا، لنقدم الحلول المطروحة من قبل جميع الأطراف المسؤولة والمعارضة محليًا وإقليميًا ودوليًا، فالأطراف الفلسطينية تعتقد أن المصالحة الوطنية والاتفاق على برنامج نضالي موحد هو المخرج الوحيد للمأزق الحالي، وهذا صحيح ولكن لن يحل الأزمة بالشكل الحقيقي المطلوب استراتيجيا، فهذا الحل مرحلي والدليل أن الخلاف كان قائمًا داخل الحزب الواحد وأن المصالحة ستكون أمام تحدي الجغرافيا التي لو تعمقنا فيها سنجد أنفسنا أمام «اتفاق طائفي لبناني» جديد، إذًا هي محاصصة وليست مصالحة، واكتمالاً لرؤيتهم فانهم يطرحون إعادة بناء منظمة التحرير وفق أسس المحاصصة بناءً على الحجم والانتخابات السابقة وذلك أيضًا لتلبية مصالح حزبية وليست وطنية.

أما الأطراف الإقليمية والدولية ترى أن الحل الوحيد هو تغيير القيادة الحالية سواء بالعملية الديمقراطية أو تدخل مالي وميداني كحصار أو ما شابه، وهذا الحل جزء من مؤامرة ودس العسل بالسم، لأن تغيير القيادة أو الانتخابات وفق المعطيات الحالية لن ينتج جديدًا على صعيد القضية أو الحياة المعيشية.

لأن الأزمة الحالية وتبعياتها كانت نابعة من فكرة تغيير وانتخابات سابقة «انتخابات 2006»، وما انتجته من واقع جديد علينا وهو «تداول السلطة»، بالإضافة إلى فشلنا في ازدواجية المهام بين عملية التحرير وإدارة الحكم داخل الحزب الواحد سواء تجربة حركة فتح أو تجربة حركة حماس.

لنضع ما سبق على الهامش، ولنقول أننا أصبحنا أكثر نضجًا في النقطتين السابقتين، تداول السلطة وازدواجية المهام، السؤال : ماذا ستضيف الانتخابات تغييرًا على الساحة الفلسطينية، هل لدينا أجسام شبابية أو كفاءات منظمة قادرة على المنافسة والدخول لمعترك العملية السياسية أو الاجتماعية على صعيد التشريعي مثلاً.

مرة أخرى سأعتبر أن لدينا شخصيات وأجسام منظمة جديدة، هل الشعب الفلسطيني قادر على تغيير المعادلة التقليدية في الانتخاب خارج دوائر الأحزاب؟ هل يمتلك الوعي الكافي لذلك؟ وهل مارسنا التنظير الحقيقي لنفرض معادلة مثل هذه؟ إذن انتخابات دون معالجات حقيقية لمسببات الأزمة لن تغير سوداوية الواقع.

وهناك بعض الكتاب والمحللين من طرح أفكار جديدة فلسطينيًا وهي فيدرالية على الصعيد الداخلي وتبني حل الدولة الواحدة على صعيد القضية، وهذه الأفكار رغم منطقية سطحيتها إلا أنها تشكل خطرًا في إذابة الهوية الوطنية وجعل الانقسام أمرًا واقعًا بل وفرضه على الأجيال اللاحقة دون إتاحة فرصة لهم للمحاولة.

إذًا الفردية كارثية والمصالحة محاصصة، والانتخابات تكرار ومؤامر.. فما الحل؟!

إلى هنا نستطيع القول أن الجميع قدم رؤيته وبعضهم مارسها على أرض الواقع والنتائج واضحة جلية منذ سنين، وأن المكون الوحيد الذي لم يطرح رؤيته أو نظر لها هو «الشباب الفلسطيني»، وأنا هنا لست مخولًا للحديث باسمهم جميعًا ولكن من حقي وواجب عليّ أن أبحث في خفايا الأفكار وكواليس الأحداث لعلي أكون أداة في تغيير هذا الواقع ونهضة جديدة للعقول والأرض.

وما دامت الرؤية لا تتجاوز الحدود الوطنية بل تحافظ عليها وتثبتها وترتكز على أسس وجودها، وما دامت الرؤية فكرة، والأفكار بذور تنثر في أرض العقول، وللعقول حرية سقيها أو قلعها فلا يضر إن ننثرها علها تنبت شجرًا طيبًا يثمر علينا وعلى قضيتنا الفلسطينية.

ومن هذا المنطلق فإن «رؤيتنا» للخروج من المأزق الحالي ترتكز على النقاط الستة التالية:

أولًا: نظام الحكم

تعديل النظام الدستوري لدينا ليتحول الحكم لبرلماني وليس رئاسيًّا أو مختلطًا لو كان مختلطًا.

ثانيًا: الفصل

الفصل الدستوري بين المجلس التشريعي ومنظمة التحرير، وهذا الفصل يكون وفق قواعد وطنية وقانونية، على أن تكون مهمة التشريعي هي توفير الحياة الكريمة للفلسطينيين، ومهمة المنظمة قيادة الحالة الوطنية للتحرير.

ثالثًا: السلطة القضائية

تشكيل محكمة دستورية عليا مهمتها الفصل بين المنظمة والتشريعي والرقابة على سلوك المجريات الداخلية.

رابعًا: السلطة التنفيذية

تشكيل مؤسسة شرطية خاضعة للمجلس التشريعي لإدارة الحياة اليومية، وتأسيس جيش التحرير الفلسطيني تحت قيادة منظمة التحرير.

خامسًا: إعادة تموضع

انسحاب كافة الفصائل من المشهد الفلسطيني الداخلي وعودتها لمضمونها التي نشأت لأجله، العملية التحريرية تحت غطاء منظمة التحرير بعد ترتيبها ديمقراطيًا أو بالطريقة التي يتفقون عليها، والاتفاق على برنامج نضالي موحد.

سادسًا: أحزاب جديدة

تشكيل أحزاب اجتماعية شبابية وكفاءات لسد الفراغ السابق وخوض العملية الديمقراطية التشريعية.

لا شك أن هذه الرؤية ليست مكتملة بالشكل الناضج للتنفيذ، وتحتاج لبرامج وآليات وتعمق ومناقشة وتعديل وخوض بالتفاصيل، ولكن لو فكرنا بشكل منفصل عن الواقع سنجد أنها الحل المثالي الوحيد المختلف الذي يعالج أسس الأزمة وليس قشورها.

ولا شك أن تحقيق ذلك يتطلب جهدًا فكريا خياليا سواء على صعيد إقناع الأطراف أو تنفيذه الذي سيكون أمام تحديات ضخمة داخليًا أساسها فرض القانون على حملة السلاح الوطني وضمان عدم تدخلهم، ولكن رغم خيالية الفكرة إلا أنها ممكنة لو بدأنا بالتنظير لها وإقناع الأجيال القادمة.

بالنهاية هذه بذرتنا نلقيها في أرض العقول حتى ولو كانت أرضًا صفراء بورًا، وحتى لو كان البعض يرى هذه بذرة ميتة قبل أن تزرع، فظاعة واقعنا تتطلب حلولًا تتجاوز المكان والزمان وتتمحور حول المستقبل القريب والبعيد.

يتبع في مقال لاحق..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد