يواجه الجنس البشري الذي استخلفه الله في أرضه، وسخر له كل شيء، ثلاثة محاور رئيسة تترصد خطاه، وتعمل عملها للنيل منه، المتشائمين بسعيهم الحثيث، الذي لا يهدأ ولا يتوقف، في الطعن في كل ما هو إيجابي والإفتراء عليه. والعدميين الذين فارقوا ديار الحياة الواقعية، إما لحقدهم الدفين، أو لتراكم ظروف الحياة، القاسية في بعض الأحيان، فانبهروا بزيف الأخبار الإعلامية المسمومة، وتلوثوا بصخب الحياة الصناعية، وتلوثوا بالمدنية الآلية، ففسدت أفكارهم واهتزت عقولهم، واهترأت أخلاقهم، فتنكروا لأصلهم ولبشريتهم، وأصبح شغلهم الشاغل اليوم هو الكيل للإنسان بمكيالين، وتحميله ما لا طاقة له، في انهيار الصرح الإنساني عامة، والأخلاقي خاصة.

لأن الذات بناء معرفي، يتكون عامة من أفكار الإنسان، عن مختلف نواحي شخصيته، فمفهومه عن جسده يمثل الذات البدنية، ومفهومه عن بنائه العقلي، يمثل مفهوم الذات المعرفية أو العقلية، ومفهومه عن سلوكه الاجتماعي مثال حيٌّ عن الذات الاجتماعية. ولهذا فإن علماء النفس الإنساني، يركزون في عملهم، على بناء الذات، عن طريق الخبرات التي تنمو من خلال تفاعل الإنسان مع محيطه الاجتماعي، ويطلقون على العملية الإدراكية في شخصية الإنسان (الذات المدركة)، والتي من خلالها تتراكم مجموعة كبيرة جدًّا مِن تلك الخبرات القيّمة والوازنة، فيتم مِن خلالها بناء الذات، وكذلك يكُون الفرد منها وبها مفهومًا عن ذاته. ولما كانت الذات هي شعور الفرد بكيانه المستمر، وهي في الأساس كما يدركها، وهي كذلك الهوية الخاصة به، وبشخصيته، ولهذا فإن فهم الذات يكون عبارة عن تقييم الفرد لنفسه، أو بتعبير آخر هو مجموعة من الإدركات والمشاعر العميقة لدى كل فرد عن نفسه.

أما المحور الثالث فيتمثل في القراءات المقلوبة والمغلوطة للإنجازات العلمية الراهنة، التي تطلع علينا كل يوم بجديد، خصوصًا في الطب، والإحياء، والوراثة، وعلم النفس والاجتماع، وكذلك علم الفلك والفضاء، وغير ذلك مِن المجلات العلمية التي تُسيل الكثير مِن المِداد، وتثير العديد مِن التساؤلات، والهلع وعلامات الاستفهام داخل الأوساط الاجتماعية المحتقنة.

لاسيما وأنه لا يوجد في الوقت الراهن، تفسيرًا واضحًا وحاضرًا، كافيًّا وشافيًّا عند الكثير من المنتسبين للأوساط العلمية التي هي في اتصال مباشر مع الناس. مما يخلف في العقول الحَيْرة، وفي النفوس الرِّيبَة، وقد يؤثر أحيانًا بالسَّلب أو الإيجاب، على الثقة في احتواء الأزمات المرتبطة بالعنصر البشري.

وإذا كان المتشائمون عبر الزمن، قد نشِطوا منذ وقت بعيد في دراسة عقلية الإنسان، ومتابعة مسيرات حياته الطويلة، عبر آلاف السنين، إذ لا يتركون جانبًا من جوانبه، إلَّا قتلوه بحثًا واستقصاءً وتحليلًا، تحركهم جلهم أحقاد سوداء، وثارات قديمة، وأعمال عريضة وحقيرة، في تطويقه ومحاصرته، حتى يتيسَّر لهم القضاء على الجانب المشرق والمنتج فيه. فإذا كان هذا هو سلوك المتشائمين.

فإن دور المتفائلين المُتَّزنين المتوازنين، المحبين للحياة والإنسان، والمدافعين عن الإيجابية والإنتاجية، وكذلك الاستمرارية والتقدم والازدهار. إزاء هذا كله، لم يكن بالحجم المأمول، أو بالقيمة الموازية، رغم اختلاف الآراء في قيمة هذا الدَّور، لا ينكر أحدٌ أن الكثير من المبدعين قد تصدوا لهؤلاء المتشائمين، ونبذوا أفكارهم وآراءهم في كتب ضخمة، ومقالات عديدة، مدافعين عن الإنسان ونبوغه، بالحجة الدامغة، والرأي السديد، والبرهان الصادق.

لكن لكل مرحلة ظروفها، ولكل آونة متطلباتها، المتشائمون الجدد، غير متشائمي الأمس البعيد، أو القريب، وإن توحدت نواياهم. إذ ليس من المعقول أن نواجه متشائمي اليوم، بنفس الأساليب والطرق التي واجهنا بها متشائمي الأمس. لأن أعداء الحياة والآمن الروحي، والأمان النفسي، ينفقون أموالهم على جميع المجالات، وينفثون سمومهم في كل الإتجاهات، سموم غير عادية، وغير معروفة ولا مألوفة، وغير تقليدية، مستمدين قوتهم من المتغيرات الاجتماعية والوبائية الجديدة، المهددة للتواجد البشري، وما أحدثته هذه المتغيرات من متناقضات جسيمة، وشرخ عميق في العلاقات والسلوك، وهذا ما يتطلب التصدي له، برؤية علمية وموضوعية، يمكن لها قطع الطريق، على كل هذه النوايا الخبيثة.

رؤية جديدة تعرض القيم الإنسانية الراقية، بروح حية ومتجددة، تكبح جماح هؤلاء المتشائمين، وتحد من أهدافهم المعلنة والخفيَّة؛ إذ لا جدوى الآن من المدرسة التقليدية في عرض قيمة الجانب النفسي في الإنسان والتعريف به، والتي تعتمد أكثر ما تعتمد على الحماس المنقطع، الخطابات المفرغة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، دون ارتكاز على موضوعية ما.

الموقف الآن يتطلب مدرسة جديدة، ومراكز شبابية مؤهلة، وفاعلة، في مواقع التواصل الاجتماعي، ولها مصداقية، ولها دراية وعلى اطلاع دائم بالمستجدات على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية، وعلى تواصل دائم بأهل الاختصاص، وعلى استعداد دائم للتعلم والتعليم، ولها سيماتها الخاصة، ورؤية جديدة، تقوم بعرض القضايا الراهنة عرضًا هادئًا، بعلمية متمكنة، وموضوعية محددة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد