في إطار الثورة القانونية العالمية في إيجاد حلول بديلة لمحاربة الجريمة والتي لا تقوم بالمسؤولية الجزائية للشخص عن ارتكابه الجريمة إلا إذا كان أهلًا للمساءلة الجزائية، وذلك بأن يكون مدركًا مختارًا، فكان لابد من إيجاد طرق جديدة وبديلة للعقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة نظرًا لعدم نجاعتها في إصلاح المجرمين، والتي أصبحت لا تتلاحم مع سياسة إعادة ادماج المحكومين اجتماعيًا واقتصاديًا، وتساهم في إبعادهم عن ظروف حياتهم المهنية والاجتماعية وتزيد في خلق ظروف العود للجريمة، والتي تساهم أيضًا في نقل التلوث الإجرامي في أغلب الأحيان.

يجب أن يكون من الثابت أن الهدف من السياسة العقابية هو ردع المجرم، وهي ردة فعل المجتمع المناسبة على الجرم الذي اقترفه بهدف ردعه عن العودة لهذه الجريمة وغيرها من الجرائم، وهو ما اصطلح على تسميته بالردع الخاص، وردع غيره عن القيام بهذا الجرم وتحذيره بذات المأوى والمصير إذا لم يعتبر المحكوم عليه وهو ما يطلق عليه الردع العام.

ولما كان ذلك هو الحد الأقصى المطلوب من السياسة العقابية وليس تعذيب المجرم، سواء بإرهاقه جسديًا أو معنويًا، فإنه لم يكن من المستغرب أن تسعى المجتمعات البشرية في تطورها إلى تطوير هذه السياسة العقابية باعتبارها علمًا من العلوم الإنسانية التي تتطور وترتقي بتطور البشرية، لذلك نجد أن المجتمعات البشرية المتحضرة قد اتجهت في سبيل هذا التطور إلى تطوير السياسة العقابية، وبالتالي البحث عن وسائل أخرى بديلة عن العقوبات التقليدية.

ومع تطور الفقه والعلوم القانونية أصبح الحديث ملحًا عن مدى النفع الذي يعود على المجتمع والمجرم من تفعيل نظام العقوبة البديلة ؛ لأن تطبيقها السليم يؤدي إلى إيجاد نظام عقابي جديد يرتكز على فكرة المشاركة الحرة للمحكوم عليه في وضع الأسس التي يرتكز عليها بناء مصيره الاجتماعي بعد تنفيذ العقوبة الملقاة على كاهله، إذ إن من شأن إدخال هذا النوع الجديد من العقوبة أن يخلص المنظومة القانونية من مساوئ العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة، ويحفظ لعدد لا بأس به من المحكوم عليهم استقرارهم في محيطهم الاجتماعي والأسري، أي بعبارة أخرى هو يؤدي إلى الحفاظ على النسيج المجتمعي الذي يعتبر المحكوم عليه وأفراد أسرته جزء منه.

وللاتجاه إلى العقوبات البديلة أسباب دفعت الدول إلى الاهتمام به منها:

1 – تجنب الآثار السلبية لدخول السجن: فقد أجمعت الدول على هذا السبب وأصبح اللجوء إلى نظام البدائل يعكس اقتناع سياساتها الجزائية بوجود آثار سلبية، كما يعكس ضرورة تطبيق عقوبات بديلة لإصلاح المنحرفين والمحكوم عليهم.

2 – المساعدة على تلبية احتياجات المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية قصيرة المدة والأسرة والمجتمع: وفي هذا إشارة إلى نظرية تفريد العقوبة أي ضرورة مراعاة ظروف الجاني الشخصية والأسرية من جهة وحماية المجتمع من جهة أخرى.

3- تجنب إبعاد المحكوم عليه عن المجتمع: يعكس الاتفاق حول هذا السبب اقتناع الدول بالنقد الموجه للسجن والمتمثل في التناقض بين ضرورة إصلاح المحكوم عليه لإدماجه في المجتمع، وما يؤدي إليه حبسه من فصله عن هذا المجتمع من جهة أخرى.

4 – استخدام البدائل لا يؤدي إلى زيادة في الجريمة: تؤكد معظم البحوث والدراسات التي أجريت في أمريكا وأروبا والتي قطعت أشواطًا لا بأس بها في هذا المجال أن استخدام البدائل لم يؤد إلى أية زيادة في معدل الجريمة، إلا أن حداثة استخدام البدائل في بعض الدول قد لا يسمح لها بالوصول إلى مثل هذه النتائج الآن، وخاصة أنه لم تتم دراسات معمقة في هذا الموضوع.

5 – التخفيض من عدد النزلاء بالسجون: يتضمن هذا السبب فائدتين الأولى عدم اللجوء إلى السجن إلا عند الضرورة القصوى والاستعاضة عنه بالبدائل، والثانية أن التخفيض من عدد النزلاء يمكن من توفير برامج إصلاحية لإفادتهم.

6 – الأسباب الاقتصادية: استخدام البدائل سيسهم في حل المشكل الاقتصادي الذي يعاني منه كثير من الدول، حيث سيمكن من التخفيف من الأعباء المالية المترتبة على زيادة أعداد النزلاء بالسجون وبناء السجون وصيانتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد