أول عملية اغتيال مخابراتية، بداية الاشتباك مع عهد عثمان

أول عملية اغتيال مخابراتية.. بداية الاشتباك مع عهد عثمان

عملية تصفية مخابراتية في المقام الأول لرئيس الدولة الأكبر على الإطلاق، الاختراق الأمني في دولة الفاروق يأتي من الحد الشمالي لإمبراطوريته، هل ثمة اختراق أمني في دولة الفاروق التي يسيطر عليها بسلطته المركزية، ويضع نظامًا رقابيًّا صارمًا على جميع الولاة؟ حتى إنه عزل سعد بن أبي وقاص فاتح القاديسية بالأمس، وعزل داهية العرب المغيرة بن شعبة، لمجرد الادعاء حول ذمته المالية، هل يمكن لكل تلك الخطوط أن تُخترق؟ الفاروق كان ذا عقليّة فذّة، ونزاهة ثابتة صلبة، وعدالة صارمة، هو المؤسس للإمبراطورية الإسلامية، مؤكدًا ومنفّذًا للوحي النبوي، مساعدًا ومشاورًا لأبي بكر خلال فترة خلافته القصيرة، وواضعًا ومؤسسًا للأنظمة واللوائح التي تنظم إدارة القانون عبر حدود وأنحاء الفتوحات الإسلامية الممتدة بسرعة، وقد كانت «سياسة» اليد الصارمة التي تعامل بها مع قادة جيوشه الأكثر شعبية في خضم جيوشهم وفي أبعد مشاهد انتصاراتهم، أعطت «هذه السياسة» دليلًا بارزًا على قدرته الاستثنائية على الحكم، مع كل هذا استطاع الفرس اختراق الدولة للوصول إلى رأس الإمبراطور واغتيال الفاروق بين رجاله وفي مقر حكمه، هل ثمة حالة من التراخي الأمني داخل الدولة؟ حيث الاعتماد على قوة الفاروق التي كانت تسد الفراغ دائمًا؟ أم أن قدرة الفرس وذكاءهم كان أقدر على الوصول إلى الهدف؟

كان الفاروق قد حرّم على المشركين الذين بلغوا الحلم أن يدخلوا المدينة المنورة لما انطوت عليه قلوبهم من ضغائن وأحقاد ضد الإسلام، ولكن المغيرة بن شعبة، عامله على الكوفة، كتب إليه يطلب منه الإذن بدخول غلام له اسمه فيروز، ويُكنى بأبي لؤلؤة، لينتفع به المسلمون؛ لأنه كان يتقن عدة صناعات، كيف وصل أمر هذا الحداد الصانع إلى المغيرة بن شعبة، وكيف تسلل إليه لإقناع المغيره بقدراته؟ هل دفعت دولة الفرس المهزومة بأحد عباقرتها وجواسيسها لإنهاء الأمر، الرواية عند عبد الرحمن بن أبي بكر، وهو رجل صالح ثقة، شهد أنه رأى الهرمزان وفيروز وجفينة النصراني، أما الهرمزان فكان من ملوك المجوس الفرس على منطقة الأحواز، وتحدثنا عنه في المقال السابق، وقد أسره المسلمون وعفا عمر عنه بعد نكثه العهد مرارًا، وكان الحقد يملأ قلبه لأنه فقد ملكه، وعندما شعر بالخطر أظهر الإسلام، ولكن الناس كانوا يشكون في إسلامه.

وأما جفينة النصراني فهو من مسيحيي الحيرة، أرسله سعد بن أبي وقاص إلى المدينة ليعلم أبناءها القراءة والكتابة، قد رآهم عبد الله بن أبي بكر ليلة الحادث يتشاورون، فلما فوجئوا به اضطربوا وسقط منهم خنجر ذو نصلين، وشهد عبد الرحمن بن أبي بكر أنه الخنجر نفسه الذي طعن به عمر. وقال بعض المؤرخين إن اليهود كان لهم دور في المؤامرة، واستدلوا على ذلك بأن كعب الأحبار، وكان يهوديًّا من أهل اليمن أسلم في عهد عمر، وأفاض على الناس من أخبار الإسرائيليات، وترجع كثير من إسرائيليات التفسير لروايته، فلما جاء كعب هذا لعمر قبل مقتله بثلاثة أيام، فقال له: «يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام»، فقال عمر: «وما يدريك؟»، قال: «أجد في كتاب الله، عز وجل، التوراة»، قال عمر: «الله! إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟»، قال: «اللهم لا، ولكني أجد صفتك وحليتك، وأنه قد فني أجلك».(وهذه الرواية إن صحت تجعل الكثير يشكون في كون كعب هذا ضلعًا في المؤامرة، لكن هذه الرواية على الأغلب لم تصح).

ولكن المشهد يوؤل إلى أن الأشخاص الذين ضلعوا في الجريمة كانوا قد تسللوا من داخل الدولة، وليس من الحدود، أضف أن التقاء الثلاثة أو الأربعة في التوقيت ذاته يعبر بما لا يدع مجالًا للشك أن ثمة تخطيطًا خارجيًّا لاغتيال الفاروق قد تم خارج حدود الدولة.

لا أستطيع أن أصف المشهد الأخير للفاروق، أجده عبئًا في نفسي؛ فلم أعد أقوى على وصف الأحزان لما تمر به أمتنا، الفاروق يضع نظامًا عبقريًّا للدولة، والجيش، والولايات والبريد، في نسق إداري لم تعرفه البشرية، بينما يعيش أحفاده الآن في مؤخرة العالم؛ لضعف عقولهم عن فهم النظم والأطر الإدارية، حتى الحركة الإسلامية نفسها تخلفت كثيرًا في الاشتباك مع علوم الإدارة، وتوظيف الطاقات والكوادر التي أجاد الفاروق إدارتها باقتدار، أريد أن ألتقط من المشهد تلك اللحظة التي قرر فيها عمر – رضي الله عنه- أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي النبي محمد وهو عنهم راضٍ، وهم: عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ورفض تسمية أحدهم بنفسه قائلًا: «واللَّه، ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلّا شدّتك وغلظتك، مع أنّك رجلُ حربٍ، وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلّا أنّك فرعون هذه الاُمّة، وما يمنعني منك يا زبير إلّا أنّك مؤمن الرضى، كافر الغضب، وما يمنعني من طلحة إلّا نَخْوته وكِبْره، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته، وما يمنعني منك يا عثمان إلّا عصبيّتك وحبّك قومَك وأهلَك، وما يمنعني منك يا عليّ إلّا حرصك عليها، وإنّك أحرى القوم، إن وُلِّيتها، أن تقيم على الحقّ المبين، والصراط المستقيم».

بعيدًا عن مراسم الشورى، وإدارة العملية ذاتها التي استطاع عبد الله بن عوف – رضي الله عنه- إدارتها بعبقرية دون أن يدع مجالًا أو حظًّا للنفس أن تخترق العملية الأصعب والأدق في التاريخ، لكن ما وصفه الفاروق عن الرجال الستة كان دقيقًا وحاسمًا، لا يعبر فقط عن فهم عمر إمكانيات الرجال وقدراتهم، بل يعبر عن معرفة كاملة بطبيعة نفوسهم البشرية، فقد كان أعلم الناس بالرجلين اللذين وصلا إلى الخط الأخير، عثمان وعلي، رضي الله عنهما، لا يخفى على أحد حرص علي – كرم الله وجهه- على الخلافة منذ عهد أبي بكر، لكن مقولته عن عثمان في عصبيته لبني أمية كان يجدها عمر حائلًا أمام استطاعته أن يجزم  بأن عثمان هو المرشح الأول؛ فكل صفه وضعها عمر لهؤلاء الرجال كانت تمنعه من التوصية المباشرة لهم بالخلافة.

هل غادرت تلك الكلمات أذني ذي النورين فلم يلتقط الوصية؟ هل لم ينتبه أن نفوس الناس تتبدل، وأن من تحت إمارته ليس هم من كانوا تحت إمارة صاحبيه بالأمس؟ هل لم تسعفه بديهته فيدفع العرب بالوليد بن عقبة، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر بن كريز دفعة واحدة في الولايات، وأمام القبائل العربية والأمصار التي دخلت الإسلام حديثًا، دون الاعتماد على كبار الصحابة الموجودين في المدينة في تولي مقاليد البلاد؟ لماذا البداية دون الارتفاع لمستوى النهاية التي انتهى بها عهد  الفاروق؟ لماذا ابتعد الخليفة عن مواجهة جيل الشباب الطامح للحكم من أبناء الصحابة، وفوق كل هذا تتوقف راية الجهاد، ويتوقف تدافع المجتمع أمام حالة الرخاء، لم يقتصر الأمر على ذلك، بل يضع أمير المؤمين عثمان في دار الخلافة وعلى خاتم الحكم رجلًا موتورًا يدعى مروان بن الحكم. أي طيبة قلب لدى الخليفة تجعله ينفصل عن إدارة الدولة؟ وأين دور رجال الدولة حوله من حالة الانقلاب والتمرد في أخلاق المجتمع بعد الفتوح على الصحابة، وتجاوز حرمتهم؟ كيف حدث الانفلات الأمني في الأمصار وتسلل الرعاع إلى الصدارة؟ هل كانت ثورة؟ أم كانت حالة انفراط العقد الذي عقد نَظْمَه الفاروق؟ هذا حديث مقالنا القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد