شكَّلت زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط محورًا مهمًّا في دراسة العلاقات الدولية والتغيرات التي تحصل على التحالفات الإستراتيجية مع مرور الزمن، وكيف أن بعض التحالفات التي تمتد لعشرات السنوات قد تتحول إلى تنافس وتشاحن في بعض الأوقات.

لقد جاء الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المنطقة وكلُّه أمل بأن تحقق زيارته النتائج المرغوبة للولايات المتحدة. وتتخلص هذه الرغبات والمطالب بأن تقوم السعودية بزيادة إنتاج النفط لتغطية العجز الحاصل نتيجة العقوبات المفروضة على روسيا، كما كان يرغب الرئيس الأمريكي كذلك بان تقوم بعض الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بالتطبيع مع العدو الصهيوني والكيان المحتل إسرائيل، كما أن بايدن قاد جهودًا مكثفة لدفع الدول العربية في دخول تحالف مع إسرائيل ضد إيران.

عاد الرئيس الأمريكي خالي الوفاض من المنطقة، ولم تحقق زيارته أيًّا من هذه المطالب فلا السعودية أنتجن مزيدًا من النفط ولا قامت بالتطبيع مع إسرائيل (على الرغم من الفعل الشائن بفتح الأجواء مع إسرائيل) ولم تقم الدول العربية في دخول تحالفات غير مفيدة ضد إيران.

ما ميَّز هذه الزيارة بحق هو الحوارات التي جرت خلف الكواليس وتم الكشف عنها في وسائل الإعلام. إذ إن هذه الحوارات تشير إلى طبيعة العلاقة المتوترة مع واشنطن. الولايات المتحدة التي قتلت آلاف الناس في كل من فيتنام وأفغانستان وسوريا والعراق… إلخ سألت ولي العهد السعودي عن قتل الصحافي جمال خاشقجي. للمرة الأولى في العلاقات الأمريكية السعودية يأتي الجواب حاد من قبل المسؤولين في السعودية، حيث أشار محمد بن سلمان بأن هذه الحادثة هي حادثة مؤلمة وبأنهم اتخذوا مجموعة من الإجراءات لمنع تكرار هذه الحادثة.

الملفت في هذه المحادثات هو إشارة ولي العهد إلى الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في سجن أبو غريب، كما أشار إلى غياب الإجراءات المناسبة لمنع قتل الصحافيين كما حدث مع الصحافية شيرين أبو عاقلة، التي اغتالتها يد الغدر الإسرائيلية.

إن الولايات المتحدة بتاريخها الطويل في ارتكاب الجرائم ضد البشرية ومحاولة فرض قيمها على دولنا ومجتمعاتنا ونهب ثرواتنا إنما تركض خلف سراب. أشار ابن سلمان إلى أن فرض هذه القيم بالقوة سوف ينجم عنه نتائج معكوسة كما حدث في العراق وأفغانستان. ولذلك يجب أن تعلم الولايات المتحدة بأن الدول لديها قيم وعادات مختلفة عن بعضها البعض ويجب احترام هذه القيم والعادات. إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتعامل مع الدول التي تشبهها في القيم فإنها لن تقيم علاقات سوى مع دول الناتو.

إن إعادة تأطير العلاقة مع الولايات المتحدة على أساس الندية هو أمر غاية في الأهمية ولكن علينا ألا ننسى أبداً بأن القيم والإجراءات التي أشار إليها ولي العهد يجب تطبيقها في الداخل السعودي كذلك.

على سبيل المثال أشار موقع مرآة الجزيرة إلى أن هناك خمسة قُصَّر ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بحقهم في تهم تعسفية غير واضحة في السعودية. ولذلك لتكون عملية الإصلاح واقعية يجب الالتزام بالمعايير الأخلاقية والدينية حول توجيه مثل هذه التهم نحو هؤلاء القصر وينبغي كذلك أن توقف السلطات السعودية عملية الإعدام غير الإنساني لهؤلاء القصر.

ختامًا، إن عملية تأطير العلاقة مع الولايات المتحدة والتحدث عن شكل جديد من هذه العلاقة يتطلب من السعوديين عدم الانجرار وراء التطبيع مع إسرائيل أولًا، ومن ثم تسليط الضوء على الجرائم التي ترتكبها الولايات المتحدة في أي مكان واجدوا فيه، وهذا يتطلب كذلك أن تنفذ السلطات السعودية إصلاحات حقيقية في النظام القضائي والاقتصادي للمملكة، وهذا بالطبع بعيدًا عن الشعارات الرنانة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد