عادت القضية الفلسطينية إلى الأضواء مجددًا بعد أزمة حي الشيخ جراح. هذه الأزمة التي تعكس للعالم أجمع مدى القمع والظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني كل يوم على يد مجموعة من المرتزقة المستوطنين الذين أطلقهم الاحتلال وغض الطرف عنهم، ليمارسوا أبشع أنواع الجرائم والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.

مأساة حي الشيخ جراح بشكل خاص عكست صورة الوضع داخل الأراضي المحتلة منذ زرع هذا الاحتلال في أرضنا في عام 1948 إلى اليوم. فهناك الكثير ممن اتهموا الشعب الفلسطيني ببيع أراضيه وبيوته للمحتل. وما كانت هذه الروايات إلا غيضٌ من فيضٍ من الروايات الإسرائيلية التي جرى نشرها في كل مكان بمساعدة الماكينة الإعلامية الإسرائيلية وبعض وسائل الإعلام العربية. وسائل الإعلام العربية التي عملت على تطبيع عملية التطبيع في العقل الجمعي العربي عن طريق شيطنتنا نحن الفلسطينيين وإظهار إسرائيل كالحمل الوديع.

على الطرف الآخر فقد ابتلينا بسلطة سياسية تخدم بطريق أو بآخر أجندات الاحتلال. ويجب القول وبحق إن ما تفعله السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس هو «عار». كفلسطيني، بحثت كثيرًا في معاجم اللغة عن مصطلح لتوصيف حال السلطة الفلسطينية اليوم، ولكنني لم أجد سوى كلمة «عار». يبدو أنّ أبا مازن لا يزال ينتظر الموافقة الإسرائيلية على إجراء الانتخابات في القدس الشرعية كي يعطي الضوء الأخضر للبدء بالانتخابات.

ولكن وللأسف، رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مشغول ولا يجيب على اتصالات ورسائل أبي مازن، بسبب المأزق السياسي والقضائي الذي يمرّ به هو وزوجته هذه الأيام. فنتنياهو فشل في تشكيل الحكومة والتشكيل انتقل إلى يائير لابيد، ناهيك عن قضايا الفساد التي تُضيِّق الخناق على عنق نتنياهو. فهل سيبقى محمود عباس منتظرًا للانفراجة الإسرائيلية وموافقتهم على إجراء انتخابات في القدس المحتلة؟

يبدو أن محمود عباس يُدرك جيدًا أن حظوظه في هذه الانتخابات ضئيلة للغاية وجميعنا يعرف السبب. فالرجل لا يمثل الشعب الفلسطيني والأدلة على ذلك كثيرة للغاية أهمها:

أولًا: انشغال عباس بتحصيل موافقة إسرائيل على الانتخابات في الوقت الذي تنتفض فيه القدس في كل مكان (باب العامود، شارع يافا، حي الصرارة، باب الساهرة، العيسوية، حي الشيخ الجراح، قلنديا شمال القدس، بلدة الرام، بلدة سلوان، مخيم شعفاط وحي الشياح).

ثانيًا: بينما يُمنع المقدسيون من دخول المسجد الأقصى للصلاة فيه في شهر رمضان المبارك، يسكت محمود عباس عن هذه الانتهاكات ويغض الطرف عن الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ضد المصلين العزل. ويلبس أفراد الجيش الإسرائيلي ألبسة مدنية ويهاجمون المصلين، كما يتحرك متطرفو الاحتلال ومستوطنوهم لضرب الشباب الفلسطيني المقاوم.

ثالثًا: يؤجل عباس الانتخابات بينما تتحرك إسرائيل نحو توسع المستوطنات الإسرائيلية في كل بقاع الأرض الفلسطينية المحتلة.

رابعًا: يهاجم الإسرائيليون حي الشيخ جراح ويصادرون منازل الشعب الفلسطيني والسلطة نائمة تمارس دور المطيع المهذب.

خامسًا: بينما يرفع الشعب الفلسطيني وشبابه شعار الانتفاضة مرة أخرى، تصرُّ السلطة الفلسطينية على ضرورة التنسيق الأمني، والذي يعني بصورة واضحة تزويد إسرائيل بأسماء الشباب الفلسطيني والذين يشاركون في التظاهرات والانتفاضات ضد المحتل.

ها قد جاء يوم القدس العالمي (والذي يُصادف آخر جمعة من شهر رمضان المبارك)، جاء والشباب الفلسطينيون مصرون كعادتهم على استعادة الحقوق والنضال والمقاومة، ومن هنا يبدو أن طريق ومسار الشعب الفلسطيني يختلف عن طريق ومسار السلطة وسياسييها. أخيرًا، لا بد من القول بأنه ما أقسى أن يلبي عباس رغبات إسرائيل ويرفض إجراء الانتخابات، والأصعب أن تأتي هذه الإملاءات من نتنياهو الذي أصبح مستقبله السياسي على كف عفريت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد