لكل إنسان أيام.. تأخذه.. تلهيه.. تنسيه.. حتى يغرق هو فيها غافلًا كم يمضى من الزمن. لكن.. عندما تكون صوفيًا فإن القلب لا يمكن أن يسهو عن اليوم. اليوم الذي يمضي يعني كم بقي على الميعاد. متى ينادى على الفرحة والشوق ولقاء حبيب الأحباب. وإمام النور. ويد الهدهدة على النفوس. متى ينتشي الإنسان حتى لا يبقى له إلا الدموع. فكيف.. عندما تكون فلاحًا صوفيًا!

رواية «أيام الإنسان السبعة» هي أيام صوفية الفلاحين. عبد العزيز، والحاج كريم، والإخوان، والطريقة.. فالحضرة: حيث الإخوان يجتمعون لإقامة الذكر. والخبيز: حيث النسوان يعددن السلال لأحباب الحبيب في طنطا. والسفر: حيث الكل متجمل للقاء. والخدمة: حيث يدخلون طنطا. والليلة الكبيرة: حيث الكل في العرس. والوداع: حيث الكل قافل إلى شقائه. سبعة أيام.. عندما قرأتها لأول مرة، لم أفهم شيئًا. فالأحداث لا تتابع! بل الكاتب ينقلك بين هذه الأحداث، الأيام التي هي أفعالهم المتعلقة بالصوفية على مدار كل عام، ولكن في زمن مختلف. كانت غريبة أمامي، حتى علمت كيف صاغها.

إعادة الصياغة الحبكة

الحاج كريم رئيس الصوفية الفلاحين، جعل له الكاتب ابنه عبد العزيز الشخصية الرئيسة. فنلاحظ أولًا أن عبد العزيز دخل المدرسة ويتعلم. ومع الانتقال من يوم إلى يوم يكبر وأفكاره تتغير، أما الحاج كريم، والإخوان فيظلون كما هم، على التصوف. فوجدت أن الكاتب اتخذ هذه القاعدة وبدأ يصوغ أيامهم عليها. فسأبين كيف نجدها في كل يوم، وما هي أبعادها التي قوّم عليها اليوم، ولأي سبب.

أولًا: تقديم الشخصيات: نبدأ في يوم الحضرة والخبيز، فنجد المستوى العمري الذي فيه عبد العزيز هو كما يسميه الكاتب: الولد. وأيضًا يقول: يجلس بجوار أبيه كقطة صغيرة. ويقول: إنه في المدرسة وله كتبه. والمستوى العلاقي كما يقول عن علاقته بالإخوان: كل وجه من هذه الوجوه مطبوع في خيال الولد عبد العزيز.. ولكلٍ مزاج عرفه وألفه وتعلق به وأحبه. وهذا يعني أنه يحب أفعالهم وأفكارهم. فيقول: جسده مشبع بالشوق إلى حضرة المساء. ويقول بأن دلائل الخير وبردة البوصيري هما همه الكبير. وكيف تتحولان إلى سحر في حضرة المساء! ولهذا من بداية اليوم يذكر مشاعره الحبيبة وذكرياته تجاههم وتجاه أفعالهم. فيقول: طول عمر الولد عبد العزيز وهو يحب صلاة المغرب. ويقول في ذكرى له عن الرجل الذي يأتي بالحصير لهم: «إن عبد العزيز يحزن لأن الرجل جاء ولم يشارك أباه الطعام. ويفرح وهو يحضّر للحضرة وبوجود الإخوان وبكل ما يربطهم به».. حتى نهاية الفصل يقول: «يتمنى أن تظل سهرة المساء هذه إلى الأبد». وهذا ليقدم الشخصيات من عبد العزيز.

ينقسم التقديم لجماعي وشخصي وعبد العزيز

الجماعي: يتجزأ إلى أفعال وأفكار. فالأفعال كاجتماعهم لقراءة بردة البوصيري يوم الاثنين، وكتنظيف أنفسهم يوم السفر. منها ما يستعين فيها الكاتب بعبد العزيز: كتصويره للصور التي تجعله يشتاق لحضرة المساء: صور كفاحهم طوال النهار. وكذكريات منه: كذكرى الوباء التي عذبتهم جميعًا. ومنها ما يصورها بعد أن يبتدئ بعبد العزيز، عندما قال «إن وجوه الإخوان مطبوعة في ذهن عبد العزيز»، أخذ يتكلم عما يفعلونه في الحضرة.

والأفكار كذلك. كقوله عنهم: «إنهم يرون المساء راحة لأنه لو ظل النهار لانقلب الناس شياطين».

والشخصي هو ما يخصهم ذواتهم. وكذلك أيضًا يقدمها كما الجماعي.

أما عبد العزيز فتقديمه هو يتم بتدخيله خلال النص بالذكريات والمشاعر. فمثلًا المثال الذي ذكرته عن شوقه لحضرة المساء، هو تعريف له كما هو تعريف لهم.

ثم بعد تقديم الشخصيات يتغير المستوى العمري، أي يتغير المستوى العلاقي؛ مما ينتج المرحلة الثانية من مراحل الحبكة. وهي الصراع. صراع بين الذي يتغير والذين لا يتغيرون. فما هو مستوى الصراع في كل يوم؟ وما هي أبعاده؟ وكيف صاغ الفصل ليناسب الصراع؟ لنرَ.

ثانيًا: الصراع: نفتح يوم السفر، فنجد مستوى الصراع كما يقول: «معاول المعرفة الرهيبة تدمر تصوراته واحدًا إثر واحد.. خلقت في داخله جسارة ومرارة، أصبح يدمن وخزها الأليم. وهذا المستوى يعني وجود صراع داخلي بين ما يراه وما يعرفه. حنين إلى الماضي، ولكن المعرفة الجديدة تقول له لا صلبة جامدة». فيقول: إنه لم يعد يعرف الاتساق مع نفسه. ويعني أيضًا أنه لم يعد يحضر شيئًا من أفعالهم. فيقول إنه نسي الشعر الذي كانوا يقولونه في الحضرة. ولهذا فمن بداية الفصل يبدأ به وحيدًا يتذكر ذكريات حنينية. فيقول: تترى صور من طفولته عن الحاج كريم وهو يغتسل للسفر. ويقول: يود لو يريح رأسه على صدر أبيه. ويتركه الكاتب يتابع الأحداث الجارية. يسرد عنه الذكريات. إلى أن يصل إلى قمة انفعاله من هذا الصراع في ختام اليوم وهو عائد وحيدًا بعد أن لم يذهب معهم، فيقول عن الجميع: أنا أحبهم.. أحبهم.

ثالثًا: تعقّد الصراع: في يوم الخدمة، نجد أن الصراع في نفسه يميل نحو الجديد. فيقول: في المدرسة يباهي أمام أبناء البنادر بأنه فلاح، لكن شيئا في داخله ناقم ساخط.. لو كانوا غير ذلك.. وهذا المستوى من الصراع يعني أنه لم يعد يحب أفعالهم ولا أفكارهم، ويعني أيضًا تحول الصراع إلى صراع خارجي مع الذي لا يتغير، فيقول الكاتب عن شعوره عند رؤيتهم: إنهم ينتشرون بين أبناء طنطا كالشوائب في الغلال. ويقول: كلما التقت عين عبد العزيز وأبيه تبعد المسافة. إنه يحبهم. يحبهم جميعًا، لكن.. ماذا يفعل، لو كان يستطيع لأبدلهم ثيابًا غير ثيابهم. وأيضًا بداية صراع مع أبيه فيقول: «يتأمل الحاج كريم ابنه في سكينة عاتبة. ولهذا فمن بداية اليوم أدخله الكاتب طنطا من شوارعها النظيفة حتى بهتت تلك الشوارع، وبدأ يَظهر الفلاحون. يقارن بين هذه الحياة، وتلك.. حتى انتهى الفصل وهو لم يذهب معهم إلى السينما، بل تركهم وذهب إلى طنطا حيث: أضواء النيون، والبنات، والمقاهي، ودكاكين الحلوى».

رابعًا: تعقيد الصراع: في الليلة الكبيرة نجد الصراع ينتصر للجديد. فيقول عنهم: «أمم من غير عقل.. من غير تفكير.. أمم بتدوس زي البهايم.. هذا المستوى يعني أنه صار يكره القديم. يكره عدم وجود كل شيء كما الجديد الذي يريد. يعني أنه لم يعد يرى له من معنى. فيتساءل عن معنى ما يفعلون؟ وهم يفعلونه لأجل هذا المعنى؟ وأيضًا ينقض المعاني فيقول عن شيخ الطريقة: سليل رسول الله، يتفل في الأفواه ويمسح جباههم، أية مهزلة! وأيضًا يعطي معاني جديدة. ولهذا فمن أول الفصل وهو مقروف من كل شيء. من لبسهم. من كلامهم. من طريقة كلامهم. فيهرب منهم. يهرب إلى طنطا الحبيبة. ولكنه يجدهم في كل مكان. حتى تعيده نفسه إليهم غاضبًا متعصبًا فيشتبك مع أبيه فيشتمه أبوه».

النهاية: في يوم الوداع، نجد الصراع يصل إلى العجز. فهو لم يستطع تغييرهم كما يريد. فيفتتح الكاتب الفصل: «أصبح الشرود جزء من طبيعته. ولكن نجد تغيرات على الإخوان تجعل الصراع ينتقل إلى صراع مع الحياة. فالحاج كريم يتعب. ومحمد كامل لم يعد محمد كامل. ومنهم الذي كبر. ومنهم من اشتد مرضه. حتى أن شارع السكة الجديدة في طنطا هدموه! فنصل اليوم الأخير يوم الطريق. وقد اشتد التعقيد لدرجة الفناء. الحاج كريم تخبّل، ولم يعد له من مال حتى ليعالج نفسه. فانحط الحمل على ظهر عبد العزيز. والإخوان تفرقوا. الحياة دهستهم حتى غرقوا جميعا فيها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد