بعد الغزو العسكري الغربي للعراق وأفغانستان بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تبين للغزاة أن سياسة الاجتياح المباشر للدول باستعمال الجيوش النظامية أصبح مكلفًا جدًّا، وقد قدر الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغلتز التكلفة الحقيقية لحرب العراق بأكثر من 3 تريليونات دولار في حين قدرت الجهات الرسمية الأمريكية تكلفة الحرب في أفغانستان بأكثر من تريليوني دولار خلال 20 عامًا، هذا فضلًا عن الخسائر العسكرية والمدنية من قتلى وجرحى ومعطوبين ومن أصيبوا بعاهات جسدية ونفسية جسيمة، لهذا السبب قرر صناع القرار في الغرب تغيير أساليب الحرب بطرق أكثر كيدًا وأكثر خفاءً وأقل تكلفة فتحولوا إلى ما أصبح يسمى حاليًّا بـ«حروب الظل».

تشبه حروب الظل في إستراتيجيتها «الحرب الباردة» بين المعسكرين السوفياتي والأمريكي سابقًا، لكن تختلف عنها في الأدوات والأساليب والنطاق، فحروب الظل تشترك مع الحرب الباردة في اعتمادها على التخابر والجوسسة والاندساس والاغتيالات، وشراء النخب والابتزاز بالملفات ورشوة القادة، وتهييج الشعوب، لكن تزيد عنها بشيء مهم هذه المرة وهو الأخطر أن هذه الحروب أصبحت معولمة وسائلة ولا مركز لها، لأن المشرف الحقيقي عليها هو رأس المال المعولم الذي ابتلع الدول بما فيها الولايات المتحدة في حد ذاتها، مستغلًا الثورة الرقمية والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والنزعة الاستهلاكية لدى الشعوب كأداة لحروب ساحاتها الجديدة ليست «نورمدي» ولا «العلمين» بل ساحتها هي «العقل»، عقل من؟ عقل كل من هو على وجه الأرض.

هناك أسباب كثيرة أدت إلى التحول إلى هذا النوع من الحرب، منها ما ذكرنا ويضاف إليه أن القوى الناشئة التي تنافس أمريكا -حيث معقل «العولمالية»- على زعامة العالم هي قوى تملك أسلحة فتاكة على رأسها أسلحة الدمار الشامل، فاحتدام النزاع قد يؤدي إلى مصادمات لا تحمد عقباها بين القوى العظمى، من أجل هذا يتحول النزاع العالمي اليوم إلى مثل هذا النوع من الحروب. إذا علمنا هذا نستطيع أن نفسر ونفهم لماذا تسرب وثائق ويكيليكس، ونفهم أيضًا حروب اللايف، حيث تسرب الوثائق والفضائح إلى عملاء مدنيين يتولون المعارضة لنظام حكم معين من الخارج ثم عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي يقصفون ذلك النظام أو الأشخاص النافذين فيه بنشر معلومات استخباراتية وفضائح بعضها صحيح وبعضها ملفق بهدف إضعاف هذا النظام وجعله يتنازل عن مواقف أو ثروات بلده لصالح إمبراطورية العولمة العابرة للحدود والقارات والدول.

يعتبر مثال الشاب الروسي «أليكسي نافالني» خير مثال عن معارضة اللايف في روسيا هذه الأيام، حيث تمكن هذا الشاب من عرض ملفات فساد ومعلومات دقيقة عن النظام السياسي الروسي وعن الرئيس بوتين في حد ذاته وقد وصل عدد المشاهدات لقناة هذا الشاب في بعض الأحيان إلى 73 مليون مشاهدة، واستطاع في وقت وجيز أن يحرك الشارع الروسي ضد بوتين، بما يذكرنا بالأسلوب الذي استعملته الولايات المتحدة الأمريكية ضد نظام دوغول في فرنسا في مظاهرات الطلبة في ماي 1968 وهي الاحتجاجات التي أسقطت دوغول وجعلته يفر خارج فرنسا ليخاطب شعبه مقرًا بأن فرنسا أصبحت بلدًا محتلًا من طرف الأنجلوساكسون بداية من هذه اللحظة، وقد حفظ التاريخ مقولته الشهيرة بهذا الخصوص:

«هذا ما سيحدث: الصعوبات المالية والنقدية التي ستكون كبيرة ستدفع من يخلفني إلى الاستسلام للأمريكيين. بالطبع، سوف نضع «السجاد الأحمر تحت أقدامهم» لكنهم سوف يخضعون لإرادة الأنجلو ساكسون، متخذين من الصعوبات المالية ذريعة لهذا الخضوع، ما يعني أن كل الاستقلال الفرنسي سيختفي» شارل دوغول، 24 أبريل (أفريل) 1969 .

وقد مهد النظام العالمي الجديد لسقوط فرنسا بتشجيعه أفكار اليسار الوجودي العدمي الذي كان يتزعمه جون بول سارتر في ذلك الوقت، فالوجودية التي كانت غريبة تمامًا عن الروح الديكارتية الفرنسية أصبحت هي المعبرة عن ثقافة فرنسا في الستينيات مع أن الموطن الأصلي للرومنسية الوجودية في التاريخ الأوروبي هو ألمانيا وليس فرنسا، وعن طريق هذه الأفكار تحولت فرنسا من دولة مصدرة للأفكار إلى دولة تابعة لإمبراطورية الربا المعولم، وكانت «حروب الظل الثقافية» إضافة إلى الحرب العالمية هي أدوات الموت الرحيم لجمهورية دوغول.

إن أي معارضة يحركها الخارج لا تهدف بالطبع إلى تحرير الشعوب أو خدمة الشفافية والنزاهة أو توفير الإعلام البديل، بل الهدف الأول والأخير هو ما شرحته عبارة دوغول في المقطع السابق، هو ابتزاز الحكومات باستغلال الصعوبات المالية والاقتصادية من طرف دولة عميقة معولمة تتحكم في المال والأذواق معًا، وفوق هذا لا تخضع للمساءلة ولا تتحمل أي مسؤولية عما تحدثه من دمار، لأنها تدير كل شيء من خلف الستار باستعمال قوة المال الذي لم تعد تتحكم فيه الحكومات ولا الدول، وبالتحفيز على الثقافة الاستهلاكية الخالية من القيود.

في المقابل يعرف صناع الحروب الخفية آلام الشعوب وآمالهم معرفة تامة، لأنهم ساهموا في صنع تلك الآلام وهم أيضًا من يلوحون من بعيد بالأخلاق الجديدة وهي أخلاق العولمة الاستهلاكية القائمة على المضاربات والمقامرات وأحلام المتعة والربح السريع، وهم يستهدفون الشباب بالدرجة الأولى، حيث يدغدغون فيهم أحلام الحرية لكن ليست حريتهم بتعريفهم الذي يختارونه لأنفسهم، بل الحرية بتعريف إمبراطورية العولمة السائلة النسبوية الربوية.

وبالرجوع إلى التاريخ نجد أنه قد حدث ما يشبه حروب الظل بين الأمم سابقًا خصوصًا في الفترات التي وقع فيها احتكاك وتصادم بين قوى عظمى أدى إلى تزايد تكاليف الحروب، فيقع التعويل على الاندساس والجوسسة والاغتيالات وبث الأفكار العدمية، وقد حدث هذا أثناء الحروب الصليبية بين المسلمين وأوروبا حيث ظهرت فرق الحشاشين والباطنية لتقوم بهذا الدور، فقتل الكثير من القادة والسلاطين والأمراء المسلمين غيلة، وبعضهم قتل في المساجد وهم يصلون من طرف متطوعين من الباطنية أو مرتزقة كانوا في الغالب تحت تأثير الحشيش والمخدرات أثناء قيامهم بتلك الأعمال، أي أنهم كانوا مسلوبي العقول بأدوات ذلك العصر، وقد دخلت كلمة «حشاش» من الحشيش إلى اللغات الأوربية من خلال أفعال الجماعات الباطنية التي مارست الاغتيال السياسي وقتها، فكلمة (Assassin) هي إدماج مباشر من اللغة العربية لكلمة حشاش التي أصبحت تعني قاتلًا محترفًا ينتمي إلى جهة خفية ويمارس القتل لأسباب سياسية أو دينية.

إن معظم البلدان في العالم اليوم بما فيها البلدان الغربية، لم تعد بعيدة عن هذا النوع من الحروب، لأن التحولات السريعة في عالم ما بعد الحداثة هي تحولات مشبعة بالنسبية الأخلاقية التي تحارب المطلقات الحضارية المركزية كلها، وليس فقط المطلقات الإسلامية أو الشرقية بل حتى مطلقات الحداثة والتنوير التي بنى عليها الغرب حضارته قبل بضعة قرون أصبحت اليوم على المحك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد