اٍنّ كل الأعين التي نظرت ببخس وانتقاص إلى المكاسب الرمزية التي رافقت جنازة الرئيس الراحل محمد الباجى قائد السبسي، لا يمكن أن يفهم موقفها إلا على أساس أنّ ما جرى يوم 27 يوليو (تموز) 2019 هو عندها من مألوف عوائد الديمقراطيات العريقة في احتفائها برجال الدولة، وهذا قول محكوم بتنزيل تاريخي وحضاري غير محين، إضافة إلى كونه محكومًا أيضًا ببذخ العين التونسية وامتلائها المسرف على اعتبار أنّها عين معتادة على نماذج قيس حضارية بأسقف عالية جدًّا، وتستطعم الأشياء والأحداث والمواقف بمزاجية فائقة، وكراس جودتها عسير، وشروطه مجحفة تجعل كل نزول تحت سقف التفوق الكامل ولو بدرجات قليلة أمرًا محدّدا في التقييم والتذوّق.

وهذه خصلة طيّبة لو عدّلت قليلًا حتى نقترب من شروط الواقعية كضامن موضوعي لأيّ فهم سليم، بدليل ما يسري بعد الثورة على شبكات التواصل الاجتماعي من بلغومية تطبع المزاج التونسي في فهم الأحدات تكاد تصل إلى حدّ اليأس والسوداوية المدمّرة للشعوب، هل يعود ذلك إلى قصور في الفهم وهو ما لا نذهب إليه؟ أم هي خيبة ما بعد الثورات، سيما حين تكون الهزّات على سلّم الأمل والطموح عالية جدًّا؟ أم هو البرمجة العصبية البطيئة للشعوب وتعديل أمزجتها على الرفض العابث والسقوط في الفراغ؟

جدارية الرئيس أو سمفونية الجلاز

أن تكون جزءًا من المحفل ربما يجعلك في ضوضاء النشوة وصخبها لا تنتبه إلى تاريخية اللحظة وفتنتها، لكن بإمكانك أن تترصد قيمة ما يحدث من أفواه أولئك الذين أُغرقوا فى حزن أوطانهم ولم يحتفلوا بعد، أو من أولئك الذين شبعوا احتفالًا ولم يتوقعوا يومًا أن تُصنع مثلهم بهجة محليّة وطنية بسواعد الأخيار والشرفاء.

جنازة الرئيس كانت فعلًا جدارية تونسية ربما تبدو مألوفة في ثقافات ديمقراطية سبقتنا بأشواط، ولكنها تبدو امتحانًا وطنيًا وعربيًا وإقليميا بكل المعايير، التونسيون تفوقوا على أنفسهم في هذا الحدث العظيم، ولعلّ الرئيس نفسه وهو يرقب كل الذى يحدث من عوالمه البرزخية لم يكن يتوقع كل الذي يحدث.

الجنازة فعلًا كانت أكبر من الرئيس، ولكنها لم تكن أكبر من الوطن، الدولة كانت تحتفي بنفسها، واجتازت حدث موت رئيسها إلى لحظة بثّ الرسائل العميقة: إنّ هذه الثورة لم تذهب هدرًا، وإن الدولة التي تفقد رئيسها ويؤبنه خليفته في نفس اليوم هي دولة جديرة بالتوقير، إنّ الشعب الذى يصطفّ لتحية رئيسه رغم القيظ لم يعد يدير شأنه بمنطق الأحقاد والولاء الحزبي.

كثيرون أولئك الذى وقفوا لتوديع الرئيس وهم من أعتى معارضيه، ولكنهم في لحظة التوديع كانوا إزاء صرامة واجب الانتماء والانضباط الغريزي للقيم، الرئيس الراحل وهو يوارى بالثرى في مقبرة الجلاز وسط ذلك المشهد المفعم بالألوان والأعلام والأحزان والأجناس إنّما كان أيضًا يتفوق على نفسه في لحظة الوداع الأخير، ويصنع كرنفالًا من المواقف والصراخات والشعارات والميولات اجتمعت كلها في الجلاز وحوله في مشهد أكبر من الجنازة ومن الموت ومن الرئيس حتّى، إنه مشهد الوطن.

هل نحتاج إلى رئيس؟

التجربة التونسية ونظام الحكم وما رافق صلاحيات الرئيس من جدل كبير ربما يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل نحتاج فعلًا إلى رئيس؟ أو لنقل هل نحتاج إلى رئيس بنفس المواصفات الحالية المنصوص عليها في الدستور؟ تبدو الإجابة صعبة من زوايا الفقه الدستوري و دتفاصيل أنظمة الحكم، لكنها تبدو سهلة إذا ما نظرنا إلى تجربة الرئيس الراحل نفسها: كان نموذجًا تونسيًا صرفًا في حبه وكرهه وحٍلمه وسخطه وصوابه وخطئه.. اختزن الشخصية التونسية العنيدة المتشبثة دومًا بالحياة، وغالب سنّه بطموحه العظيم، اجتهد في حب الوطن فكافأه الناسّ على قدر هذ الحب، فهل نحتاج فقط إلى رئيس يحب الوطن؟ تاريخنا العربي حافل بالزعامات التي أحبّها الناس، لكنّ شعوبها ما زالت إلى اليوم تدفع ثمن هذا الحبّ اللعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد