لماذا كلما زاد اتساعًا زدت اقترابًا من الحنين؟

يؤلمك الفراق، لدرجة أنك إذا قرأت رواية أو شاهدت عملًا سينمائيًّا أو تلفزيًّا، هربت من النهاية هروب الفريسة من الوحش، ترى النهاية دائمًا في صورة قاتل مأجور، يقتل دون رحمة أو شفقة، وتعيش الفراق كالموت الأصغر، وكلما زاد اتساعًا زدت اقترابًا من الحنين، سواء كان المُفَارِق حيًّا، أو غادر عالمنا إلى عالمه الأبدي، كل من رحل وقّع في أعماق روحك، هي ذكرى للجراح، غادروا المكان والزمان، لكنهم تركوا نفخة من أرواحهم بداخلك، قطفوا من حدائق عمرك لحظات فرح، وورودا كنت تؤمن أنها عصية على الذبول، رحلوا وتركوا لك على حافة الانتظار قبرا ودمعا، أو كومة من الجراح والذكريات، الفراق هذه الكينونية التي تأسر الإنسان وتأبى أن تألف الغياب، وهي المحطة الوحيدة التي يحملها قطار العمر إلى مرافئ النهاية، هل سألت نفسك يومًا، كيف تتقاسم الطريق مع هذا الشبح، مع شمس يوم لن يعود؟

الفراق، إذا فشلت في التعامل معه، سيكون أعظم من مجرد نهاية تسللت إلى دروب أحد التفاصيل في قصتك، تفتح الدفتر الذي تسجن فيه يومك، لتكتب سلاما إلى كل من رحلوا، وهم جزء لا يتجزأ من الحكاية، بعضهم سقط كأصنام نصبت نفسها في البداية، كآلهة أبدية للحب وللأمنيات، كنت تعرف أن الكثير من الألفاظ التي تسكن المعاجم، كذبة كبرى، لكن لماذا أتعبك الفراق، يا صاحبي؟، لأنك لست أقوى من القدر، ولا يمكن أيضا أن ترفع الستار الذي يغطي نوايا الناس ونفوسهم، لستَ ساذجا، يكفيك فخرا، أنك إنسان، لأنك صورة من وجع، تحبس بين زواياها الذكريات، كل شيء بعد الفراق يبدو أمامك شاحبا، وحتى الأشياء التي يعتبرونها جمادا، تتحرك أمامك لترسم وجوههم في كل لحظة، وتحرك داخلك جراحا لم يجد لها النسيان سبيلا.

قد يكون الفراق مدرسة في التعامل مع الأحزان والخيبات، فالقدرة على التحكم في هذه المشاعر وآثارها النفسية والحسية، باختلاف درجاتها من إنسان إلى آخر، تلقي بظلالها على شخصيتك، وهي تجربة ستبدد ضبابية القادم، وتصنع من مرارتها لقاحا للصدمات، فكل مَفقود سيعطيك مناعة ضد هذا الخوف الذي ترفض لقاءه، وتنكر وجوده، لأنه يثير فطرة الألم والضعف بداخلك، لترمم روحك تحتاج إلى صوت عقلك، وللوقوف أمام صرح الحقيقة المهجور، ولتواصل طريقك بعد الفراق، يجب أن تحسن تحليل هذه المشاعر، وأسبابها، وأن ترى من فارقك دون سبب، في صورة عصفور ضال حط في مدينتك، وأطرب شوارعها المقفرة، تربع على عرش قلبها، وأقنعها أن الحزن الذي يسكن تفاصيل وجهها العتيق، ليل لن يطول، رحل وترك مدينتك تدفن خطيئة حمقها في أوراق دفاترها العذراء، فهو لا يستحق حتى المرور كومضة على الذاكرة.

تبني لأشخاص مملكة بداخلك، تتطاول أسوارها وتتسع حدودها مع مرور الزمن، وتنسى دائما أن الفراق من سنن الحياة، التي يفصل فيها القدر، أو غريزة الخداع داخل البشر، من المشروع أن يخلق الموت فراغا، فالفراق الأبدي لقريب أو خليل كسر يصعب جبره، لكن من الغريب أن يترك من ينسحب من حياتك بإرادته الكاملة جرحا غائرا في روحك، وأن يتحول ذلك إلى فوبيا الفراق، تحاول عبثا أن تبرر ذلك، وأن تحاور أوهامك المقدسة، وأن تمنح لضيف عابر أو خائن، شرف الخلود، رتب قائمة جروحك، ولا تسمح لغصة الحب، أو لمن غادر طوعا، أن يكسر هامة كرامتك، ولا تخف، فالندوب التي تلتهب كجمرة بين جوانحك، لن تزيدك إلا قوة، لتعبر مصيدة الفراق، ولا تسأل عن الحكمة من القفز على ثقل حجر تحمله على كتفيك، واسرق من الغياب درسه، فقلبك يجيد الحياة، والزمن يتقن الرغبة في مواصلة المسير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد