سطر العلامة محمد إقبال في قصيدة بليغة، بعنوان «مجلس شورى إبليس» ضمن ديوانه «هدية الحجاز»، تمثيلًا بديعًا للشيطان وكبار مستشاريه، وهم مجتمعون ببرلمانهم لتدارس وضع البشرية واستعراض الأنظمة السياسية الراهنة (آنذاك بالثلاثينيات من القرن الماضي)، ومناقشة المستجدات التي تهدد مساعي المنظومة الإبليسية الكونية في خراب البشرية ودمارها سواء من الناحية المادية أم الروحانية.

بعد ديباجة الزعيم إبليس في مدح نفسه والتباهي بمجهوده العظيم والدؤوب من أجل بث روح الجشع والاستغلال في نفوس الغربيين، لدرجة اعتناقهم الرأسمالية المتوحشة عقيدةً بديلة لدين الله، ونجاحه أيضًا في غرس روح الهزيمة والقنوط في نفوس الشرقيين لدرجة زعزعة إيمانهم بالله تمامًا، وبهذا يتفاخر أن الكل أصبح بالمحصلة عبيدًا له، مطيعين لأوامره وخاضعين لوساوسه، ثم تساءل في خيلاء وكبر ليسا بالغريبين عليه، من ذا الذي يقدر على تهديد عرشي وتحطيم ملكي.

فبدأ مستشاروه واحدًا تلو الآخر بسرد مخاوفه، والأخطار التي قد تعرقل سير القافلة الشيطانية العالمية، فذكر أحدهم مخاطر الديموقراطية الغربية، وذكر آخر صعود الاشتراكية الماركسية، والرأسمالية الليبرالية، والفاشية النازية، مبدين قلقهم من تنامي تلك الأيديولوجيات الصاعدة، والأثر السلبي لتناحرها فيما بينها، في تغيير الوضع الراهن وخلخلة النظم البشرية المستقرة على القيم الشيطانية من جشع واستغلال ومظالم وحروب.

ثم جاء دور الزعيم إبليس للتعقيب والتعليق. وبعد تأنيب مستشاريه لما يبدو منهم من اهتزاز لثقتهم به وتشكيكهم بقدراته الشيطانية في التحكم بكل مجريات الأمور، بدد قلق الجميع قائلًا، يا إخوة الشيطان، لا تنزعجوا من كل تلك النظريات السياسية والبدع الفكرية التي تبدو في ظاهرها متناقضة، لكن جوهرها جميعًا واحد، ألا وهو الاستبداد والسيطرة على عقول وثروات المجتمعات البشرية. ثم إن الحرب العالمية القادمة، التي كانت تلوح حينئذٍ في الأفق، لن تكون بين معسكر شيطاني ضد معسكر ملائكي، لأن كليهما تابعان لي ولأوامري، فلا داعي للقلق عمن سينتصر بالصراعات العسكرية بين تلك الأيديولوجيات، ما يشغلني أكثر هو السيطرة الثقافية بعد الحرب، فأنا أريد للعلم والتكنولوجيا أن تحل محل دين الله، وأن تسيطر المادية على القلوب والعقول.

وما لفت نظر الزعيم إبليس هو تجاهل مستشاريه للأيديولوجية الأخطر من وجهة نظره، فصرح للمجلس أن كل ما ذكروه من أيديولوجيات وقناعات لا تقلقه بالمرة، لأنها جميعًا واحدة بالهدف والمصير، وإذا كان هناك أي تهديد حقيقي للنظام الشيطاني العالمي فهو الإسلام. وتوجه لمستشاريه موضحًا ومنذرًا، أعلم بأن مسلمي اليوم مستغرقون في سبات عميق، وأنهم قد هجروا القرآن، وأصبحت عقيدتهم هم أيضًا المادية، كغيرهم من البشر. لكن الخوف كل الخوف من صحوتهم من هذا السبات، وتوجههم لشريعة محمد، التي تنادي بصوت عالٍ أن الأرض لله وليست للسلاطين والملوك، فابذلوا كل جهدكم بأن يظل هذا الدين متواريًا عن أعين الناس، اشغلوا المسلم بنفسه دائمًا، واعملوا على أن يطول ليله وسباته. فيا ويلنا لو انتبهت هذه الأمة التي يأمرها دينها بمراقبة العالم وقيادته.

هذا الحوار العميق بأروقة شياطين الجن التي تدَّعي قيادة العالم، لم يكن يريد الأديب الكبير محمد إقبال منه، إلا تصوير ما يجري وراء الكواليس في نموذج مصغر لمجلس شورى يضم نظرائهم من شياطين الإنس المتحكمين بمصير البشرية، والذين يرون الإسلام فحسب، خطرًا وحيدًا يهدد سياساتهم ومستقبلهم. هذا الدين الذي يُخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ظلم الأديان والأيديولوجيات إلى عدل الإسلام. كما يرون أن الضامن الوحيد لسيطرة الشر على العالم هو إبقاء الإسلام، هذا المارد نائمًا، وتحجيم المسلمين بإذلالهم وتمزيقهم، واحتلالهم بطريقٍ مباشر أو بالوكالة، وإفقارهم ونهب ثرواتهم، وغزوهم ثقافيًّا بكل الفتن والموبقات. وتشويه معتقداتهم النقية بإدخال كل ما يثبط عزيمتهم وهمتهم ويضعف إرادتهم للتغيير والإصلاح.

وبإسقاط مضمون هذا الحوار على واقعنا اليوم، أليست تلك المخاوف الشيطانية هي نواة وجوهر ظاهرة الإسلاموفوبيا الحالية، هذا التيار العاتي الذي يطفح من كل حدٍب وصوب، مهاجمًا الإسلام، ومتهمًا أفراده بما ليس فيهم، ومقيدًا لحرياتهم الدينية ومعتقداتهم التراثية، ألا يمكن القول بأن هذا البرلمان الإبليسي ما زال في انعقاد دائم لا يكل ولا يمل، حتى يتم حصار الإسلام، الخطر الأكبر لإمبراطورية الظلم إن هو أفاق، وكبت المسلمين، التهديد الأعظم لمملكة الشر إن هم استيقظوا.

وبهذا لا يبدو أن جديدًا قد طرأ في فرنسا، هذا البلد الذي ولدت فيه فكرة الحروب الصليبية على يد البابا الفرنسي، وهو البلد الذي أرسل لاحقًا وموَّل وشارك في جميع الحملات الصليبية تقريبًا، وهو البلد الذي قتل الملايين من المسلمين أثناء احتلاله للجزائر، وهو البلد الذي حاول تنصير الأمازيغ المغاربة بشتى الوسائل وإخراجهم من الإسلام، وهو البلد الذي كان في طليعة الدول التي تمنع الحجاب في مدارسه ومؤسساته، قبل أن يتنقب العالم كله بصورة جبرية بعد جائحة كورونا.

وهو البلد الذي ابتدع أخيرًا – وأراد بهذا أن يكون رائدًا وقدوةً لغيره من الدول الغربية- قانونًا يعرف بمكافحة النزعات الانفصالية لمسلمي فرنسا. قانون لا يقل فاشية وعنصرية عن قوانين هتلر ضد اليهود في الثلاثينيات من القرن الماضي. تلك القوانين التي سنتها ألمانيا النازية لعزل اليهود من الحياة العامة، وإلغاء حقوقهم المدنية والسياسية والقانونية. فما هو الفرق الكبير بين لافتة «اليهودي غير مرغوب فيه»، وبين لافتة «ممنوع دخول المحجبة». وماذا يختلف كثيرًا عزل اليهودي عن المواطنة الألمانية بسبب عدم نقاء عرقه الآري، وبين عزل المسلم عن المواطنة الفرنسية بسبب الشك بأن ولاءه لدينه أكثر من ولائه لقيم الجمهورية.

ولنا أيضًا أن نتساءل ما هي تلك القيم الجمهورية يا ترى، هل هي تلك القيم الجمهورية التي تسببت بارتكاب رئيس فرنسا السابق والحامي الأول لقيم الجمهورية نيكولا ساركوزي جرائم استدعت الحكم عليه منذ أيام قلائل بالسجن. أم تلك القيم الجمهورية التي تمنع الاعتراف والاعتذار والتعويض عن جرائم فرنسا ضد الإنسانية بمستعمراتها الإسلامية السابقة، أم تلك القيم الجمهورية التي تؤكد مرارًا وتكرارًا على أن السفه والإساءة لأقدس رموز الدين الإسلامي هو من صميم إيمانها بحرية الرأي والتعبير. أم تلك القيم الجمهورية التي ترفع العلمانية شعارًا يوجب فصل الدين عن السياسة، والوقوف أمام جميع الأديان موقفًا محايدًا، ولكن بالنهاية لا نجدها تحارب إلا الإسلام.

كراهية فرنسا للإسلام ومع الأسف تذكر المسلمين المتسامحين، الذين يتميزون في معظمهم بذاكرة قصيرة الأجل لكل من أساء إليهم والميل دائمًا لنسيان الماضي الأليم، بجرائم يندى لها الجبين. وتأبى فرنسا الحالية إلا أن تظل فرنسا الصليبية، فرنسا مهد الحملات البربرية ضد المسلمين، فرنسا بلد الحريات لجميع المذاهب والملل إلا الإسلام، فرنسا التي يمجدها الكثير من المسلمين كقبلة للنور والعلم والثقافة، في حين تتهم هي المسلمين بالإرهاب والتخلف والهمجية.

لكن هناك بالتأكيد جديدًا قد طرأ أخيرًا في سياق تلك الإسلاموفوبيا المقيتة. فقد تعودنا في السابق أن نرى زعماء تلك الحركات العنصرية من الكتاب، أو من رجال الدين المتعصبين، أو من رؤساء الأحزاب اليمينية المتطرفة، أما الجديد والخطير فهو بلا أدنى شك تزعم رئيس دولة عضو دائم بمجلس الأمن تلك الحملات الفاشية، وهذا أمر جديد لم نشهده كثيرًا منذ عصور لويس التاسع أو ريتشارد قلب الأسد، أشهر ملوك الحملات الصليبية بالقرون الغابرة.

أما الجديد الإيجابي فهو بالطبع إثبات فرنسا لنا كمسلمين دون أن تدري، فراسة مفكرنا العظيم الراحل محمد إقبال، عندما صرح بأن الإسلام هو بالفعل الخطر الوحيد على مملكة الشر والقيم الشيطانية العالمية، والتي جاء أخيرًا سياسي ساذج يدعى إيمانويل ماكرون، فاضحًا الجميع حين نراه يدافع عنها بثبات وإصرار، متناسيًا ربما الفرق المفترض بين تلك القيم الشيطانية والقيم الجمهورية النبيلة.

لكن الأفضل على الإطلاق والمبشر هو أن هذا العداء الشرس والكراهية الشديدة للإسلام، قد تنبئ عن استشراف حاكم فرنسا ومن وراءه مجلس شورى إبليس، ربما لقرب نهضة الإسلام من نومه واستفاقة المسلمين من سباتهم، حتى يكاد يخيل لمتابعيهم، أن على قمة برج إيفل يوشك أن يطل علينا هلال الإسلام، لذلك لعل العنوان الحقيقي المقصود لهذا القانون الفرنسي الجديد بالعقل الباطن لمن يعتبر الإسلام مهددًا لسياساتهم الشيطانية، هو «مكافحة السيطرة الإسلامية» بدلًا من العنوان الحالي «مكافحة الانعزالية الإسلامية». وهذا هو الطريف؛ أنهم هم في هذه المرة من يرونه قريبًا، ونراه نحن في معظمنا بعيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد