تلقي الليالي في أدب أمريكا اللاتينية

في قصة كتاب الرمل لبورخيس يحصل الراوي من بائع كتب أناجيل على كتاب مقدس مكتوب على غلافه عبارة «الكتابة المقدسة» (Holy Writ)، وفي أسفله «بومباي» (Bombay)، وفي صفحاته أرقام باللغة العربية. يفتح الراوي الكتاب، يتصفحه، لكن ما أن يغلقه حتى يستحيل العثور على الصفحة نفسها. «تأملها جيدًا فإنك لن تراها قط» – يقول بائع الأناجيل. يتساءل الراوي عن سر غرابة هذا الكتاب، فيخبره بائع الكتب أنه اشتراه «مقابل بعض روبيات ونسخة من الكتاب المقدس. لم يكن مالكه قارئًا، وأفترض أنه حسب كتاب الكتب هذا تميمة. كان ينتمي إلى الطبقة الشعبية الأكثر انحطاطًا.. لقد قال لي إن كتابه يسمى كتاب الرمال نظرًا لأن الكتاب والرمل، كليهما، لا مبتدأ لهما ولا نهاية». هل هذا يعني أن صفحات الكتاب هي لا نهائية؟

يطلب بائع الكتب من الراوي البحث عن الصفحة الأولى والأخيرة، يحاول، لكن دون جدوى. إنه كتاب لانهائي، لا بداية ولا نهاية له، لا صفحة أولى أو أخيرة. يقنع بائع الكتب الراوي بأن يشتري من عنده الكتاب مقابل مرتب تقاعده (كان الراوي يعمل في المكتبة الوطنية) ونسخة من الكتاب المقدس لويكليف ورثها عن أجداده. بعدها يغادر بائع الكتب ويبقى الراوي وحيدا مع الكتاب. يقرر أن يضعه في الثغرة التي تركها كتاب ويكليف المقدس، بيد أنه يقرر في النهاية إخفاءه وراء أسفار ألف ليلة وليلة. لماذا اختار الراوي إخفاء الكتاب وراء مجلدات الليالي؟ هل الأمر مجرد مصادفة؟ قطعًا لا. ترى الباحثة إيفلين فيشبون في كتابها أثر ألف ليلة وليلة على بورخيس أن إخفاء الراوي للكتاب اللانهائي وراء مجلدات ألف ليلة وليلة لم يكن مصادفة، بل إنه يجسد اقترانه بالليالي. الكتاب الأبدي واللانهائي الذي يقبل دائمًا، إضافة ليالي وحكايات وصفحات أخرى إليه.

تذكرنا هذه القصة بقصة أخرى لبورخيس، وهي حديقة الطرق المتشعبة التي يتمكن فيها جد البطل الصيني من إبداع كتاب لا نهائي، له بنية دائرية، حيث تأتي الصفحة الأخيرة مطابقة للصفحة الأولى، وهكذا العود إلى البدء إلى الأبد.

إن موضوع الكتاب الدائري عزيز على بورخيس، وهذا ما يفسر افتتانه بالليلة الثانية بعد الستمائة، التي تقوم فيها شهرزاد بإعادة سرد القصة الإطار؛ مما يوحي باللانهائية؛ لأنها ستعود إلى البداية، ثم تصل إلى تلك الليلة، ثم البداية إلى ما لا نهاية.

هذا المسار الدائري للكتاب كاد أن يتحقق في طبعة ماكسيميليانوس هابخط لولا انتباه شهريار واستفاقته من سكرته (سكرة حرصت شهرزاد على إبقائها لمدة ثلاث سنين). يفحص عبد الفتاح كيليطو هذه الفرضية في كتابه في جو من الندم الفكري، يقول: «وهنا تبرز فكرة مذهلة لو لم ينتبه شهريار، لو لم يفق من «سكرته» لاستمرت شهرزاد في السرد، لأعادت كل ما سبق لها أن حكته منذ الليلة الأولى إلى أن تصل إلى الليلة الواحدة بعد الألف، وحينئذ سوف تعيد ذكر القصة الأولى ولن يلتفت شهريار إلى ذلك، فتسرد من جديد ما سبق لها أن سردته، وعلى هذا النحو سيتكرر الكتاب إلى ما لا نهاية».

لنعد إلى قصة كتاب الرمل إذا صح أننا ابتعدنا عنها. بعدما حصل الراوي على الكتاب اللانهائي انعزل عن العالم، ولم يعد يخرج من شقته أو يلتقي بأصدقائه، أصبح أسيرًا للكتاب. لكن وبعد مدة سيستشعر نوعًا من الخطر، لقد أدرك فجأة أن الكتاب كان رهيبًا. بدأ يتسبب له بالأرق والكوابيس، بل بدأ يحس أنه «شيء بذيء يشتم الواقع ويفسده».

قريبًا من هذا ما ورد في قصة أخرى لبورخيس بعنوان الجنوب. يصاب البطل بحادث خطير وهو يصعد السلم لشدة لهفته على قراءة نسخة من ألف ليلة وليلة في ترجمة ألمانية لجوستاف فايل. لكن ويا للمفارقة عندما يخرج البطل من المصحة بعدما قضى فيها ثمانية أيام ليعالج من إصابة خطيرة في رأسه، يسافر في رحلة إلى الريف الجنوبي ويختار كتاب الليالي، يقرأه في القطار ليتغلب على إحساسه بالمرض. يتحول فجأة الكتاب الذي تسبب له في الحادث إلى رفيق ومعين وقت المرض. لعل هذا ما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد أن لليالي والأدب بصفة عامة مزية علاجية. وما دمنا في هذا الصدد فقد ذكر تزفيطان طودوروف في كتابه الأدب في خطر أن «الأدب يستطيع أن يمد لنا اليد حين نكون في أعماق الاكتئاب.. ويجعلنا أفضل فهمًا للعالم ويعيننا على أن نحيا. ليس ذلك لكونه، قبل كل شيء تقنية لعلاجات الروح؛ غير أنه، وهو كشف للعالم، يستطيع أيضًا، في نفس المسار، أن يحول كل واحد منا من الداخل»، ولكي يؤكد الكاتب على هذا الدور العلاجي الذي يلعبه الأدب يذكر سيرة جون ستيوارت وشارلوت دبلو. ولعلنا نجد نفس الفكرة عند بروست في كتابه أيام القراءة حيث يقول: «هناك مع ذلك بعض الحالات، بعض الحالات المرضية، إذا جاز القول، من الاكتئاب الروحي الذي فيه يمكن أن تصبح القراءة نوعًا من النظام الشافي وتكون مسؤولة عبر تشويق متكرر، عن إعادة إدخال عقل كسول إلى عالم الروح». إذًا الكتب تلعب عنده، دورًا مشابهًا لما يقوم به الطبيب النفسي، وإن كان الكتاب أي الأدب أكثر فعالية.

في قصة من قصص بورخيس الأخرى بعنوان تيلون، أكوبار، أوربيس تيرتيوس، نجد كتابا يثبت وجود كوكب خيالي مجهول اسمه «تيلون» ويتكون من 1001 صفحة. وكاستطراد يحيلنا هذا الرقم مباشرة على كتاب ألف ليلة وليلة، وهو عند بورخيس يدل على عدد لا حصر له من الليالي، فهو رقم يجسد لانهائية النص وخلوده. كما أن سمات الكوكب تتشابه إلى حد كبير مع الليالي.

لنعد إلى القصة، يتبين للسارد أن الكتاب هو باللغة الإنجليزية وهو المجلد الحادي عشر من موسوعة أولى تقدم تاريخًا كاملًا لهذا الكوكب المجهول: «الآن أمسكت بيدي شذرة مسهبة منتظمة من التاريخ الكامل لكوكب مجهول، بفنون عمارته واضطراباته، برعب ميثولوجياته ولغط لغاته».

يذكرنا هذا الكتاب بالموسوعة الإنجليزية في رواية مئة عام من العزلة، التي اشتراها أوريليانو الثاني لابنته ميمي. بل إنه يذكرنا وبشكل أدق برقاق ميلكيادس الذي يروي تاريخ عائلة خوسيه أركاديو بوينديا 100 عام قبل وقوعها.

في كتاب الأسطورة والأرشيف لجونزاليس إيكيڤاريا يطرح فكرة مهمة مفادها أن أوريليانو ابن ميمي قد استعان بالموسوعة الإنجليزية وألف ليلة وليلة لتشفير رقاق ميلكيادس الذي سيحدد مصيره. إن استعانة أوريليانو بهذين العملين يكشف بعدًا خاصًا متعلق بالأصول الأدبية للرقاق (يذهب بعض الباحثين إلى أن الرقاق ما هو إلا الرواية نفسها، فكلا العملين يرويان 100 عام من تاريخ الأسرة)، فكلاهما يلعبان دورًا مهمًا في كتابة ميلكيادس لأرشيف ماكوندو.

يروي غابرييل غارسيا ماركيز في كتابه نعيشها لنرويها قصة لقائه الأول مع ألف ليلة وليلة، يقول: «اليوم وأنا أراجع حياتي، أتذكر أن مفهوم القصة عندي كان أوليا، رغم كثرة ما قرأته منها منذ دهشتي الأولى أمام ألف ليلة وليلة. إلى أن تجاسرت على التفكير بأن العجائب التي ترويها شهرزاد كانت تحدث حقيقة، في الحياة اليومية، في زمانها، وأنها ما عادت تحدث لعدم مصداقيتها والجبن الواقعي عند الأجيال اللاحقة».

قريبًا من هذا ما ورد في رواية 100 عام من العزلة، فبينما أوريليانو الثاني مستغرق في قراءة كتاب يحتوي على قصص عجائبية (لا يصرح السارد باسم الكتاب، لكن وبدون شك يحيل على ألف ليلة وليلة، فهو يضم قصة علاء والصياد والعفريت..) يخاطب أورسولا إذا كان كل ذلك حقيقيًا، فتجيبه بنعم، و«بأن الغجر كانوا يأتون إلى ماكوندو، مند سنوات طويلة، حاملين معهم مصابيح سحرية وبسطًا طائرة» لكن «ما جرى هو أن العالم أخذ بالضياع شيئًا فشيئًا، ولم تعد هذه الأشياء تأتي». انقضى زمن شهرزاد، زمن ماكوندو، وحل زمن الحضارة، بأنظمتها السياسية المستبدة، واكتشافاتها العلمية المريضة.

يصف كتاب نعيشها لنرويها مرحلة انبهار بحكايات ألف ليلة وليلة. «كنت ألتهمها حرفًا حرفًا بلهفة لأن أعرف وألا أعرف في آن معًا ما الذي سيجري في الأسطر التالية كيلا أقطع سحرها، وتعلمت ألا أنسى أبدًا أن علينا أن نقرأ فقط الكتب التي تجبرنا على أن نعيد قراءتها»، هذا وقد كان الطفل ماركيز على غير علم بعنوان الكتاب: «مرت سنوات عدة قبل أن أعرف أن الكتاب هو ألف ليلة وليلة»، فقد عثر عليه أول مرة في «صندوق يعلوه الغبار في مستودع البيت، كان مفككًا غير كامل، لكنه شدني إلى حد أن خطيب سارة أطلق حين مر بي تحذيرًا صعبًا: يا للهول! هذا الصبي سيصبح كاتبا». ووفقًا لتداعي الأفكار تحضرني صورة الفتى أوريليانو الثاني وهو في غرفة ميلكيادس يقرأ كتابًا بدون عنوان أو غلاف. لكن الأهم من هذا الملاحظة المفاجئة للسارد: «عندما أنهى قراءة الكتاب، وكانت قصص كثيرة فيه غير كاملة لأن صفحاته ناقصة»، إنه تلميح مباشر لألف ليلة وليلة، «كتاب ما فتئ يغتني ويتعدل ويكتمل عبر العصور. كتاب أساسًا غير مكتمل، لا منته، لا نهائي، ولا يلغي أية إمكانية أخرى.»

تلتقي رواية 100 عام من العزلة مع بورخيس في عدة نقاط، فمشهد أوريليانو وهو في غرفة ميلكيادس يحاول تشفير معاني مخطوطته، يبعث في أذهاننا صورة ابن رشد وهو عاكف على ترجمة أو بالأحرى تشفير معاني كتاب فن الشعر لأرسطو. كما أن شخصية ميلكيادس تتشابه إلى حد كبير مع شخصية بورخيس، فكلاهما فقدا البصر مع تقدمهما في السن، وكلاهما مهووسان بالأدب والكتب والمكتبات، وكلاهما قارئان لليالي. بل إن وجودهما في هذا العالم هو مرتبط بالكتب والمخطوطات. شيء آخر استمده ماركيز من بورخيس وهو مفهوم الزمن الدائري فأورسولا لا تبرح تقول «كأن العالم يدور حول نفسه» أو في مقطع آخر وهي تخاطب العقيد أوريليانو بوينديا: «هذا الدليل الجديد على أن الزمن لا يمضي – وهي الحقيقة التي آلت إلى إيمان بها – وإنما يدور حول نفسه في حلقة مفرغة». يقوم واقع أسرة بوينديا على التكرار الأبدي مع إعادة ترتيب كل الاحتمالات وتشكيلها في سلالة بوينديا تمامًا مثل تنوع احتمالات الأفكار والأبجدية في مكتبة بابل لبورخيس.

أخذ ماركيز الكثير من الأمور من بورخيس، ولعل أهمها حبه لألف ليلة وليلة. فعالمها يحضر وبشكل لافت للانتباه في رواية 100 عام من العزلة. بشكل مباشر من خلال البساط السحري والقناديل العجيبة.. وبشكل غير مباشر من خلال الطابع العجائبي الذي يلازم القارئ على طول الرواية.

بحثنا في طبعات مختلفة لليالي عن هذه الليلة التي يتحدث عنها بورخيس، لكننا ونحن نطالع كتاب العين والإبرة لكيليطو اكتشفنا أن تلك الليلة هي من إبداع بورخيس: « سرعان ما ينقض أحد القراء السذج (وأنا واحد منهم) على طبعات الليالي المتوفرة لديه بغية تأكده مما أورده بورخيس. وبعد أن يعود خائبًا (ولا يمكن للأمر أن يكون إلا كذلك) سوف يقول إن ملاحظة بورخيس لا تتناقض، في جميع الحالات، مع مصير كتاب» عبد الفتاح كيليطو، العين والإبرة دراسة في ألف ليلة وليلة، ترجمة مصطفى النحال، نشر الفنك للترجمة العربية، الدار البيضاء، 1996. ص 20-21.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد