مهنة متوارثة عبر الأجيال:

كانت مكة قبل رسول الله ﷺ مركزاً تجارياً مرموقاً على مستوى العالم العربي..

ومحطة لإرسال واستقبال القوافل التجارية..

ويغلب على قاطنيها إجمالاً الاهتمام بالتجارة إلى درجة الشغف!

وكانوا يتوارثونها أباً عن جد..

فالجد الثاني للرسول ﷺ (هاشم بن عبد مناف)، كان تاجراً، له مكانته، وبصماته..

وهو أول من سنَّ رحلتي الشتاء والصيف، وجبى الضرائب الاجتماعية من أرباح الرحلتين، ووزَّعها على العائلات القرشية الفقيرة، وأبرم معاهدات تجارية مع الرومان، وعقد تحالفات مع الفرس والأحباش، وجلب الخير لبلده، وعمَّ الرخاء، وزالت الفوارق المادية، حتى أصبح فقير القبيلة كغنيّها، ولم يكن -بفضل هذه السياسة الجبائية العادلة- في العائلات العربية أكثر مالاً، ولا أعزّ جناباً وجاهاً من قريش!

ومات هاشم ودُفِنَ في (غزة) من أراضي فلسطين أثناء رحلة (تجارية)!

وكان ابنه عبد المطلب الجد الأول لرسول الله ﷺ يشتغل أيضاً بالتجارة، وقطيعه من الإبل الذي استولت عليه قوات الحبشة خلال مداهمة عسكرية، -بلغ عدده كما في سيرة ابن اسحاق (200) بعير- يدلّ على أنه كان واسع الثراء!

واشتغل كثير من أبناء عبد المطلب بالتجارة، وبرزوا فيها؛ من أشهرهم: أبو طالب، وأبو لهب، والعباس..

كما احترفها أيضاً من أبنائه (عبد الله) والد رسول الله ﷺ، ويذكر الواقدي أنه مات وعمره (25) سنة، على إثر مرض ألمَّ به أثناء عودته من رحلة (تجارية) للشام وغزة!

ميراث عبد الله من أبيه:

يبدو أنَّ (عبد الله) مات ولا يزال في أوائل عهده بالتجارة، حيث لم يخلّف من بعده تركة طائلة، فلم يترك إلا بيتاً صغيراً تسكنه زوجه آمنة، وهو ملحق بمنزل كبير يملكه ببيوتاته جميعها والده عبد المطلب، ويذكر الفاكهي، والواقدي، وابن تيمية، وغيرهم، أنَّ هذا المنزل الواسع قسمه عبد المطلب قبل موته بين أولاده بما فيهم عبد الله، ثم انتقل وصار للنبي ﷺ حق أبيه بالميراث.

وفيه نظر! والذي حقَّقَه الطحاوي في “مشكل الآثار” أنَّ رسول الله ﷺ لم يَرِث شيئاً من مال جده عبد المطلب؛ لأنَّ ولده (عبد الله) مات قبل أبيه! فكيف يرثه؟!

وممّا يقوي كلام الطحاوي أنَّ عبد المطلب من عظماء مكة وأثريائها، ولو كان لابنه الأصغر (عبد الله) الذي توفي قبله، من نصيب في تركته وسائر ممتلكاته، لآلت إلى وريثه الوحيد محمد ﷺ! ولنقل ذلك الرواة، وتداولته المدونات، إلا أنَّ مؤرخي السيرة عموماً لا يذكرون (الدار التي وُلِدَ فيها ﷺ) ضمن ميراثه من أبيه، ويحصرون التركة في: (5) خمسة من الإبل، وبعض الغنم، وجارية تدعى (بركة) وهي أم أيمن.

ويُظْهِرُ حجم (التركة) الوضع المالي لعبد الله والد الرسول ﷺ؛ فهو من ضمن الطبقة المتوسطة في المجتمع، ولا يعاني من مشاكل في تدبر أمور معيشته، فهو وإنْ لم يكن محسوباً في قائمة الأثرياء، لكنه ليس معدوداً في لائحة الفقراء، وفي هذا يقول محمد هيكل في كتابه “حياة محمد”: «ربما لا تكون هذه الثروة مظهر ثراء وسِعَة؛ لكنها كذلك لم تكن تدلّ على فقر ومتربة».

بناء الشخصية، والتغيير الإيجابي:

وأما محمد بن عبد الله ﷺ؛ فقد نشأ يتيماً محروماً من أبويه، وترعرع في جوف الصحراء، وعاش الحياة البدوية في أخشن صورها!

وتعلَّم من معايشتها الصبر، والبساطة، والجلد، وعبقرية الاستكشاف..

فلم يلتحق بمدرسة أو معلّم يؤثّر في أفكاره، أو يحمله على التبعية للتقاليد والموروثات القديمة، والجمود على قالب واحد..

بل عاش حياة طليقة، يقود الأغنام ويرعاها ببراءة طفولية، وكان لهذا الدور من حياته أثره العظيم في صقل شخصيته، واستقلاله، واعتماده على ذاته، بخلاف الأطفال الذي ينشأون في حضانة آبائهم وأمهاتهم، يميلون إلى تقليدهم باعتبار أنهم في نظرهم المثل الأعلى في الحياة!

وكان عمّه وكفيله أبو طالب يحترف التجارة؛ يرأس القافلة أو القوافل التجارية بنفسه، فيحمّلها بالمنتجات المحلية من الجلود، والشعير، ليبيعها في الشام واليمن، ثم يقفل عائداً إلى مكة بالثياب، والزيوت، والعطور، والبضائع الجيدة المستوردة من البلاد الأجنبية..

ولما رأى رسول الله ﷺ عمَّه ذات مرة يتأهب للرحيل، وكان عمره (12) سنة، تعلَّق به! فاصطحبه أبو طالب معه في رحلته، ليرفِّه عن نفسه، ويأخذ قسطاً من المعرفة التجارية، وكانت المهمة المسندة إليه خلال الرحلة نظراً لصغر سنّه، هي حراسة الأمتعة والجمال في حال ذهب رجال القافلة جميعاً في زيارة، أو قضاء حاجة ما!

ثم امتهن ﷺ رعاية الأغنام في مكة، وقد فصَّلت الكلام في مقال سابق عن مهنته تلك، وعوائدها الشحيحة، بما لا مزيد عليه هنا.

ورغم أنَّ أبا طالب كان زعيم عشيرته، إلا أنَّ أحواله الاقتصادية كانت متدهورة، فقد انقطعت تجاراته، ونفدت نقوده، ولحقته محنة اقتصادية شديدة، وأسباب هذا الضيق المالي غير معلومة، عزاها البعض إلى كثرة العيال، وزيادة النفقات، وتراجع الكفاءة لتقدّمه في السن..

وأرى أنَّ المزاج الاقتصادي للأفراد والدول –دوماً- متقلب، لا يستقرّ على حال، وهذا ما يصطلح عليه في الوقت المعاصر بـ (الدورة الاقتصادية)، فتارة ينشط إلى حدّ الجموح، وتارة يتقاعس إلى حدّ الركود!

وكانت السيدة خديجة في ذلك الوقت، امرأة ثرية، من عائلة مرموقة، ومات عنها زوجان تركا لها ثروة!

فكيف تمَّت المقابلة بينها وبين الرسول ﷺ؟ ومَنْ الذي رشَّحه أو سعى في توظيفه لديها؟ وما الصفات التي أقنعتها بتعيينه تاجراً في أموالها؟ وما طبيعة العقد بينهما؛ مضاربة أو إجارة؟ وهل تقاضى منها الأجر المعتاد أم حصل على امتيازات تفضيلية؟ وما الاعتبارات المنظورة في تحديده؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد