إن الأمم الوثنية التي عَبدت في سابق العصور آلهة من صُنع أيديها، هي نفسَها التي تُعَبِدُ الطريق اليوم لمرضى النُفوس والمجانين كي يُمارسوا استبدادهم ضدها، بعد أن تُساعدهم من أجل أن يتقلدوا أسْمى المناصب، فيجُرُاو بُلدانهم نحو الأنفاق المُظلمة المؤدية إلى المجهول لمصلحة فئة من المنتفعين داخليًا وخارجيًا.

فلولا جحافل الجماهير الجائعة التي قدست ماكسميليان روبسبير (Maximilien Robespierre) زعيم اليعاقبة، ورأت فيه الرجل المُخلص ما كان لهذا المحامي ورجل القانون البسيط المناهض للدكتاتورية والمتحمس للثورة وقيمها المتمثلة في (الحرية، المساواة، الأخوة) أن يتحول إلى مستبدٍ وطاغيةٍ يقتلُ ويبطش بكل دموية وعنف من عارضه من رٍفاقه في الكفاح، كلُ ذلك بحُجة «حماية الثورة»، ويُمارس الدكتاتورية «وحكم الفرد المطلق» تحت ذريعة «منع عودة حكمِ الفرد المطلق»، فكان حقًا نكسة أصابت الثورة الفرنسية، وفُرصة استغلها الحرسُ القديم من أعداء الثورة التواقين إلى عصر النبلاء والقساوسة. فكيف تحول روبرسبير من ثائرٍ في وجه الاستبداد إلى مستبد يمارس أبشع أنواع الإرهاب ضد مُخالفيه رغم تشبع هذا الأخير بفكر جان جاك روسو أحد أساطين عصر التنوير وصاحب كتاب «العقد الاجتماعي» أو «مبادئ القانون السياسي».

وعلى خُطا روبرسبير يسيرُ قيس سْعيد، وأكيد أن هذا الأخير لم يصل إلى درجة القمع المباشر والعُنف الصريح ضد المعارضة بسبب وجود قوى تمنعُ من حدوث ذلك، لكن ثمة أوجه شبه بين الرجلين، فكل واحد منهما يسعى لتكريس سلطة الفرد الواحد التي ناهضتها الثورة، رغم ادعائهما أنهما يُمثلان الثورة ويُجسدان قيمها، كما أن كلا الرجلين محسوبان على رجال القانون ومن الدعاة إلى الدولة المدنية وتكريس قيم العدالة والمساواة وغيرها من الشعارات، وهناك وجه شبه آخر يتمثل في كون الجماهير هي من مكنت روبسير وقيس سعيد من الحُكم باسمها، ثم ساهمت في سُطوع نجمهما.

فلولا الشعب التونسي لم يكن قيس سعيد سيُصبح شيئًا مذكورًا، فقبل ترشحه لانتخابات تونس الرئاسية في سنة 2019 هل كان أحدٌ منا يسمع عنه حينها أي شيء؟ لا أنكر أنه كان معروفا لدى أفراد عائلته، فعلى الأقل زوجته كانت تعرفه، وربما أيضا بعضُ جيرانه ومحيطه في العمل كانوا يعرفونه – رُبما – لكنني أجزمُ أنه لم يكن معروفًا لدى الغالبية العظمى من شعب تونس قبل استحقاقات 2019 الانتحابية لذلك يحق لنا أن نشكك في عوامل تنامي شهرته ونتساءل عن كيفية تحوله وفي ظرف قياسي من رجل مغمور إلى سياسي مشهور.

ظهر الرجل فجأة في صورة رجل قانون، بماضيه النظيف وشخصيته التي هي أقرب ما يكون إلى المواطن التونسي البسيط الباحث عن الكرامة في «عصر بلا كرامة». لقد رأى فيه الشعب التونسي الرجلَ البسيط والصريح والعفوي، المحبَ لدينه ولغته ووطنه، وهي صفاتٌ تعشقها الجماهير التي تتهافتُ على المظاهر كتهافت الفراش على الشهاب. لكنْ هل تساءلت هذه الجماهير عن سر ظهور هذا المغمور «صُدفةً» على مسرح الأحداث دون أي مقدمات! إنني لا أؤمن بالمصادفة التي لا وجود لها في قاموس الدولة المعاصرة، كلُ شيء مدروس ومُخطط له حتى يثبت العكسُ، فهناك دائما أجهزة استخباراتية وظيفتها صناعة قادة جدد ثم تلميعهم وإظهارهم بمظهر يتناغمُ وأهواءَ الجماهير، يخرجون للعلن تزامنا مع استحقاقات مهمة، فتشرَبُ الجماهير المقلبْ، تلك الجماهير الساذجة المتعطشة إلى سماع من يُغازلها ويكذبُ عليها، بينما تصم آذانها عن سماع من يخبرها بالحقيقة المُرة.

وحقا يُثيرُ ظهور قيس سعيد المفاجئ كثيرًا من الشكوك، فمن حقنا أن نقول إن وارء القضية إن وأخواتها من أدوات النصب والاحتيال (نصبُ ثورة الياسمين والاحتيال على شعب تونس العظيم)، فقيس سعيد بعد أن جاء من العدم ما لبث أن حظي بدعم جماهيري غير مسبوق، فتنامت شعبيته بسرعة البرق، وتطوع ملايين التونسيين لدعم ترشحه والترويج لحملته الانتخابية عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي شتى القاعات والمياديين والساحات العمومية، حدث ذلك في ظل إحجام شخصيات كانت في زمن قريب أشهر من نار على علم، سواء كانوا من الشَخصيات التي برزت عقب الثورة التونسية أو من رجال المعبد القديم الذين استعادوا الكثير من قوتهم. إن تنامي شخصية «قيس سعيد» وإحجام الكثيرين عن الترشح يجعلنا نتساءل: هل كان كل ذلك مصادفة أيضًا؟ في عصر تقلصت فيه إمكانية حدوث الصُدف» في ظل عصر هيمنة «الدولة المُعاصرة التي وصفها توماس هوبز بالوحش أو التنين الذي يبتلعُ كل التنظيمات والقِوى المُنافسة.

لقد وجد قيس سعيد نفسه أمام نبيل القروي، وهو خصم لا يملك أي فرصة للفوز، فسُمعته كانت في الحضيض، وتُهمُ الفساد تُحيقُ به من كل جانب، فكيف سيصمدُ هذا المترشح الفاسد أمام شعبية طوفانية لهذا الحصان الطروادي الوديع! لذلك لم تُخالف نتائج الانتخابات التكهنات، فسُرعان ما اكتسح «قيس سعيد» خصمه وجلس على كرسي قصر قرطاج، ولكن ماذا بعد جلوس هذا الزَعيم العربي غير العزف على وتر سابقيه والرغبة في البقاء إلى الأبد؟

إن قيس سعيد سُرعان ما تنكر لوعوده التي قطعها لشعب تونس، والتي يأتي على رأسها؛ المحافظة على مكاسب ثورة الياسمين وإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة سلطة الفرد الواحد والنهوض بالاقتصاد وتحريك عجلة التنمية إلى غير ذلك من الشعارات الرنانة التي حفظناها عن حكامنا العرب عن ظهر قلب دون أن نرى منها أي تجسيد على أرض الواقع. وكانت خرجاته البهلوانية تُبشرُ التونسيين بمستقبل مضطرب كاضطراب رئيسهم المصاب بأعراض مرض التوحد، فظل نُطقهُ الغريب للعربية الشبيه بأسلوب الرُسوم المتحركة، ومراسلاته إلى المسؤولين على غرار رسالته إلى رئيس الحكومة الأسبق هشام المشيشي مثارَ سُخرية من طرف كثير من العُقلاء، وسط محاولات تبرير من جماعة «عاش الملك» أو الجماعة التي تؤمن دائمًا «بالحِكمة الخفية من وراء كل تصرف أو قرار سخيف» والتي لا تعلمُ أن الحاكم هو مجرد بشر، قد يتصرفُ كالمجنون أو ربما كان مجنونا حقًا، ألم يحكم العالم مجانين من أمثال بول ديشانيل الذي حكم فرنسا سنة 1920 لمدة 261 يوم كاملةً قبل أن يكتشف الفرنسيون أنه مُصابٌ بمتلازمة «ألبينور»، وما أمرُ كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية ودونالد ترمب رئيس الولايات المتحدة الأسبق عنكما ببعيد، فكيف لا يوجد في عالمنا العربي من أمثال هؤلاء المجانين في قصورنا الرئاسية.

إن يوم 25 يوليو (تموز) 2021 جاء ليقطع الشك باليقين ويؤكد للتونسيين أنهم «ارتطموا بجدار صد منيع»، وأنهم قد خاب مسعاهم، وتبددت أحلامهم وانتكست ثورتهم التي اعتبرت آخر ما تبقى من الآمال التي تعلق بها أنصار «الربيع العربي».

ودائمًا تبقى الجماهير التي كانت قديمًا تعتقد في الدراويش والمجذوبين والفقراء الذين اتخذوا من التصوف والزهد وسيلة لنيل أعلى المراتب وبلوغ أسمىى الغايات والمناصب، هي نفسها التي وقفت خلف «قيس سعيد» ومجدته حتى مكنته من التحكم في مصير البلاد والعباد، ثم استيقظت من سكرة الأحلام المُضللة لتكتشف أن الرجل الذي رأت فيه «الدرويش» كان مجرد وصولي طامح يسعى للتسلط على «الدراويش» الذين يؤمنون بالمهدي المُخلص ويتشبثون بأي جديد يلمع، وها هو «روبسبير تونس» يكشفُ عن رغبته في الاستبداد بالأمر، ويسعى للعودة بتونس إلى دستور 1959، ويهدفُ إلى تكريس «حكم الفرد المطلق، من خلال تمديد الأحكام الاستثنائية، والتلاعب بالمواد الدستورية وفق تأويلات فاسدة تتفق ورغباته الوتي باتت واضحة، وحقًا تجسدت فيه مقولة علاء الأسواني: (في داخل كل مقموع يكمن طاغية صغير يتحين الفرصة كي يمارس ولو لمرة واحدة الاستبداد الذي مورس عليه). وقريبًا جدًا سيكتشف شعبُ تونس والعالم العربي أن قيس سعيد هو مجرد طُعم مُخابراتي تم توظيفه لغاية في نفس يعقوب، فهل سنحفظ الدرس، وهل سيعي الحاكم العربي يومًا أنه «ممنوع حكم الفرد في المجموع، وأن الاستبداد هو بؤرة الفساد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد