يعد المجال الحضري بمكوناته الترابية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية حاضنًا ومؤثرًا ومتأثرًا بتفاعل هذه المجالات فيما بينها وحسب حيواتها وترابطها يتحدد المشهد العمراني الخاص بكل مدينة.

ويبقى المحدد لهذا المشهد ما تزخر به كل مدينة من ثروات طبيعية وبشرية وما توفره الدولة من إمكانيات لتحقيق مقومات وتوجهات مخططات التنمية.

وترتبط مسألة التهيئة الترابية ارتباطا وثيقًا بالمسألة الاجتماعية وظواهرها الناجمة بقطبها الإيجابي بما فيه من تحقيق لكرامة الإنسان وإنسانيته وقطبها السلبي بما فيه من سحق لفرص الحياة والكرامة.

ولعل ما يطرح هذا الموضوع على طاولة البحث هو ما شهدته ولا تزال تشهده البلاد التونسية من حركية اجتماعية متمثلة في حركات الهجرة الداخلية والتي تساهم بشكل مستمر في تشكيل خصائص جديدة للمدن التونسية، فقد عرفت المناطق الداخلية في السنوات الأخيرة صافي هجرة سلبي وهو ما يعني أن هذه المناطق أصبحت تلفظ أهلها مما ينجم عنه من نقص في الموارد البشرية واختلال في التوزان الديمغرافي، هذه الحالة الراهنة لا تعد سوى أن تكون نتيجة لسياقات تاريخية وسياسية متداخلة تنتج لدى تفاعلها وضعًا اجتماعيًا واقتصاديًا هشًا وغير متوازن.

ولو عدنا بعجلة التاريخ لفترة الاحتلال الفرنسي الذي ارتكزت سياسته العمرانية على إنشاء المدن في الشمال وتعزيز البنية التحتية فيها من طرقات وسكك حديدية وموانئ لتسهيل عملية التبادل التجاري وضمان ربط هذه المناطق بالسوق الأوروبية، في حين انحصر التدخل في المناطق الداخلية بالأساس على استغلال الثروات المنجمية.

ونتيجة مباشرة لهذه السياسات بدأت حركات النزوح الأولى باتجاه المناطق الأوفر حظًا وخصوصًا تونس العاصمة وبدأت مرحلة تشكيل تجمعات سكنية جديدة على تخوم هذه المدن والتي باتت تعرف بـ«الأحياء القصديرية»، واستمر التوسع العشوائي لهذه التجمعات حسب ما تقتضيه متطلبات الفئة المهاجرة لتتركز أغلبها على مسافة قريبة من المصانع والمقاطع الحجرية.

ومع الاستقلال كان لا بد من تجديد وعصرنة المشهد العمراني لتونس الحداثة، فكانت أولى الخطوات تطهير المدن المستقطِبة من التجمعات العشوائية ليتم طرد قاطنيها وإعادتهم من حيث أتوا، وتوقفت مسؤولية الدولية عند هذا الإجراء دون العمل على إصلاح وعلاج الأسباب العميقة التي دفعت مواطنيها إلى ترك مدنهم.

أما الخطوة الثانية فقد تمحورت حول النهوض بالاقتصاد والاستثمار من خلال تحرير السوق مساهمًا في تقنين انفتاح الاقتصاد الوطني وربطه بالاقتصاد الخارجي وهذا أدى بدوره إلى احتكار المناطق المهيئة من عهد الاستعمار لجل الاستثمارات مع إحداث مشروعين يتيمين في المناطق الداخلية، ألا وهما معمل السكر بجندوبة ومعمل الحلفاء بالقصرين، وبهذا الاستغلال غير المتوازن للمجال الترابي اتسعت الهوة بين المناطق الداخلية والساحلية.

أما الحاضر فلا يختلف عن ما ذكر نظرًا لاستمرارية نفس السياسات العمرانية والاقتصادية  لتكشف الاحصائيات الحديثة تفاوتا  في التوزيع السكاني بين الجهات: 24% من سكان البلاد يقطنون بالعاصمة تونس و67% من السكان يتواجدون على الشريط السّاحلي للبلاد، إضافة إلى تمركز 87% من مجموع المؤسسات الصناعية وأكثر من 90% من النشاط السياحي في مناطق الشريط الساحلي نظرًا لرفض رجال الأعمال الاستثمار في المناطق الداخلية لغياب البنية التحتية الملائمة والتي تعجز الدولة عن القيام بها.

وأمام عجز الدولة عن تجاوز التراكمات وتصحيح توازنات (المالية العمومية) إضافة لارتباطها بالترسانة القانونية القديمة في مجال التهيئة الترابية التي لا تتلاءم والحركة المتسارعة لتطور الواقع المجتمعي، يحمل المجتمع بصورة تلقائية مهمة تطويع المدن وأقلمتها بما يتلاءم وحاجياته.

وتعد الهجرة الداخلية تجسيدًا لحالة رفض الواقع في محاولة للبحث عن فرص للحياة في مناطق استحوذت على الاستثمار والتنمية، ولكن هذه الاجتهادات لا تخلو من تداعيات على المشهد الحضري والاقتصادي والمجتمعي.

على مستوى المشهد الحضري

مع تفاقم عدد الوافدين وانحصار برامج السكن على أصحاب الدخل المتوسط  تمسك فئة هامة بزمام أمورها لتتخذ من الأراضي الفلاحية وأراضي أملاك الدولة سكنًا يقيها من برد الشتاء وحر الصيف، لتكون النتيجة توسعًا عشوائيًا للمناطق العمرانية وتعديًا صارخًا على ممتلكات الدولة.

وما يميز هذه التجمعات هو افتقارها لأبسط مقومات الحياة، فهي لا تحظى في أغلبها بخدمات الربط بشبكات الصرف الصحي أو شبكة المياه الصالحة للشرب دون الحديث عن شبكة الطرقات  والتنوير العمومي، وتتدخل السلطة المعنية فيما بعد تحت عنوان تهذيب الأحياء السكنية كمحاولة لترقيع الوضع وتخفيف ما يمكن أن ينتجه من مخلفات.

ولو وسعنا دائرة النظر لنضع هذه الأحياء ضمن المشهد الحضري العام لأمكننا وبسهولة استنتاج التباين الصارخ بين المناطق المندرجة ضمن مخططات التهيئة الترابية والمناطق الملحقة بها والتي هي نتاج صناعة مجتمعية عشوائية لتعزز هذه الحالة ظاهرة «التفرقة وعدم المساواة الاجتماعية» التي أمل الوافدون أن يضعوا لها حدًا إثر هجرتهم ولكنها أبت إلا أن تلاحقهم وتضعهم في إطار جديد أكثر حيفًا.

على مستوى المشهد الاقتصادي

إذا كان البحث عن عمل هو الدافع الأساسي للهجرة فإنه يظل مفقودًا في كثير من الأحيان نظرا لتفاقم أزمة البطالة، فأكثر من 30 % من حاملي الشهادات العليا يوجدون خارج الحياة المهنية، ومن هذا المنطلق يكون اللجوء إلى العمل بالسوق الموازي بمثابة الحقنة المهدئة، ولكن هذا النوع من الاقتصاد والذي يمثل 40% من الاقتصاد التونسي يؤدي إلى خسائر مالية جسيمة لميزانية الدولة ويضغط على الاقتصاد المنظم بمنافسة غير متكافئة. وبهذا تجد الدولة نفسها في حلقة مفرغة، فعدم استثمارها في المناطق الداخلية أدى إلى تفاقم التهريب والاقتصاد الموازي مما أدى بدوره إلى ضعف ميزانيتها ومنه إلى مضاعفة عجزها في مجال التنمية الجهوية.

على مستوى المشهد المجتمعي

لعلنا في هذا المستوى نعود إلى المستويين السابقين للتوليف بينهما ونحت بعض ملامح المجتمع الذي اضطره توسع الهوة المجالية والاجتماعية بينه وبين سكان الشريط الساحلي والعاصمة إلى ترك جذوره والانخراط في تجربة حياتية جديدة.

هذا الاختلال الذي كان محورًا أساسيًا من محاور اندلاع الثورة التونسية لم يشهد خطوات عملية لتقليص حدته لتتنامى على إثره مشاعر السخط على دولة لم تنصف أهلها، وبما أن العلاقة التي تحكم الظواهر هي علاقة سببية فإن انعكاسات الوضع تتجلى في:

  • فقدان الهوية

فما إن تطأ الأقدام مجال العيش الجديد يشرع الفرد في محاولة إيجاد المشترك بينه وبين الآخرين على مستوى المظهر والسلوك وطريقة العيش، فإن لم يجده فهو لا يدخر جهدا في خلقه لمسايرة السائد ويتخلى عن ما تزخر به منطقته من موروث ثقافي فتذوب هويته الفردية في هوية المجتمع حتى لا يستشعر «دونيته»، وفي حالات أخرى فهو ينتج هويته الخاصة تعبيرا على تمرده من خلال خلق لغة وسلوكات مشتركة تمنحه «التمايز» في المجتمع.

  • ضعف مفهوم المواطنة

ويتولد من افتقاد الفرد الإحساس بأنه محط عناية هذا الوطن فهو لا يحظى بأدنى حقوقه في العيش الكريم كما أن معاناته لا تتعدى سوى أن تكون موضوعًا للمزايدات والبرامج الانتخابية لتسحب الثقة بذلك من القائمين على الشأن العام، فالمواطنة هي مسألة تفاعلية بين وطن ومواطنيه حتى ولو كان هذا الوطن شحيح الموارد ولكنه يحترم حقوق قاطنيه ويجعلهم محور عملية التنمية وجوهرها.

  • الانخراط في الإرهاب

ونتيجة لما سبق تزداد عملية البحث عن كنه الفرد وأهمية وجوده، ومع غياب التأطير النفسي والديني يجد الباحث في الجماعات الإرهابية المنظمة ملجأً يضفي على حياته معنى، ولا تعد هذه الظاهرة مسألة فردية إذ أن 4000 تونسي سافروا إلى سوريا و1500 آخرون إلى ليبيا «للجهاد»، كما تم منع حوالي 10 آلاف شاب من الالتحاق بتنظيمي داعش والنصرة، وتشرع الأجهزة الأمنية بالتالي في محاربة من أنجبهم ظلم بلادهم في إطار مشروع مكافحة الإرهاب.

وبهذا فإن عملية تجسيد أهداف الثورة يتطلب من الدولة إيجاد بنية ترابية متوازنة تحترم خاصيات كل منطقة وتثمن مواردها مع العمل بمبدأ المساواة والتضامن الترابي بين مختلف الجهات لتكون هذه الخطوات داعمة لمبدأ المواطنة الفاعلة ومبدأ التشاركية في مختلف المجالات.

وبعد لا يعد هذا المقال سوى ملامسة للواقع في محاولة لفتح باب البحث في علاقة مجال التهيئة والتخطيط الحضري بما يمكن أن يخلفه من ظواهر اجتماعية تؤثر مباشرة على سلامة بناء الوطن ودمقرطة المجال الترابي، فالترابط بين مختلف المجالات وتأثيرها المتلازم يدعونا إلى ضرورة تنزيل التهيئة الترابية منزلتها كمنطلق لإعادة رسم ملامح المدن وتخفيفًا لوطأة التاريخ وانعكاساته التي مع استمرارها في شكلها غير المتوازن يستمر نشوء ظواهر اجتماعية سلبية لا حصر لها، فحركة المجتمع لا تخضع لأطر قانونية جامدة إنما هي نتاج حركية مجتمعية تأبى التوقف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد