سؤلان وشُبهتان وجوابان:

1- الاعتدال والتسامح مطلب غربي يريدون إسلامًا بغير أنياب وأنتم تساعدونهم على ذلك

الجواب:

من خلال حواراتي وخبرتي بالإسلاميين كوني ابن هذه البيئة كما والعاملين بالحقل السياسي وجدت أن كثيرًا منهم يحملون طريقة تفكير مريضة هزيلة، هذه الطريقة أسميها (فوبيا الغير) قوامها بالنظر للمخالفين دينيًا وسياسيًا والخوف والحذر منهم، إن هذه النظرة تجعل العقل المسلم مثقلًا بنظريات كثيرة للمؤامرة من جهة، ومن جهة أخرى تخلق حالة من الانزواء والانطواء على الذات غير الموجودة أساسًا بسبب تعدد المذاهب والطوائف حتى ضمن التيار الواحد، وبالتالي عدم التحرر من حالة القطيع، نحن ضمن قطيع معاد لقطعان أخرى، ولسنا بشرًا نحمل عقولًا وميراثًا متنورًا منفتحًا على كل الفلسفات والثقافات والأديان والفنون المختلفة نستفيد منها مايوافقنا وننظر لها نظر المستفيد لا الخائف وبل نشارك فيها بالتفاعل الحضاري للإنسان.

الحل بدل هذه الطريقة هي بطريقة تفكير مغايرة، طريقة أسميتها (الذاتية) هذه النظرية قائمة على محورين: الأول تعريف الذات أو الهوية، دينية ووطنية وإنسانية و… (لها حديث آخر) والثاني: إهمال ما يريده الغير، تركه، رميه، ونهتم لما نحتاجه نحن، هل نحتاج لنشر ثقافة التعددية؟ ثقافة التسامح؟ ثقافة العمل الجماعي الذي فشلنا به، العمل المؤسساتي الذي بسبب فقده لم نسطع تأسيس كيان سوري معارض موحد ولو شكليا لا إسلاميا ولا علمانيا ولا قظى القرد «مثل سوري يعني أي شيء»… نحتاج حقًا أن نُسائل أنفسنا ما الذي نفتقده وما الذي يلزمنا وما هي أمراضنا؟ وكيف نعالجها؟

هذه الطريقة تعطينا القوة أولا بالبحث عن أمراضنا وسلبياتنا لا لنجلد ذاتنا بل لنبحث عن أدوية وعلاج، وثانيًا تعطينا الجرأة والقوة بطرح العلاج دون الخوف من سلطة الكهنوت الخازن لجهنم والذي أصبح يُدخل من شاء جهنم ومن خالفه ولو بأبسط القضايا، حتى ولو أخطأنا بالطرح فلا بأس، العقل البشري قادر على التعلم من أخطائه عندها سنرى كم هو سهل أن نعترف بخطأ قمنا به، أن نعترف أن سلفنا وفقهاءنا وكبارنا قد يخطؤون دون التقليل من قيمتهم ومكانتهم، وكم هو طبيعي أن نقول أنهم أخطؤوا ورحمهم الله وجزاهم الله خيرا، بكل قلب مطمئن أنهم اجتهدوا ونجتهد للخير. فنحن بشر، والبشر خطّاء كما بالحديث، بالتشديد على حرف الطاء، دلالة على كثرة الفعل، واسم الفعل هنا من (فعّال)، الإنسان قادر فعلًا على التعلم من تجاربه إن حرر قدراته من عوالق التكبيل والجهل والتخلف والخوف.

بينما الطريقة الأولى بالتفكير (فوبيا الغير) تخلق حالة من قداسة نفسية موهومة، وبالتالي كل محاولة لطرح أمراضنا فضلًا عن طرح علاجها ستقابل بالزندقة والتكفير والاتهام بالعمالة للغرب والشرق.

2- كيف تريدون أن يتشارك المؤمنون مع الملحدين والمثليين بحكم بلد مسلم كسورية والله يقول (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا)؟

الجواب:

حسنا، بمهنتي التي أستنزل رزق الله بها يسهل التفريق بين اللون الفاتح والغامق، تستطيع أن تقول أن اللون الأسود غامق، والأبيض فاتح، ولكن عند مزج الألوان ببعضها قد يصعب التمييز إلا على متعمق وعالم ومختص، ونحن قوم نُحب التبسيط والبساطة غير المعقدة، بيد أن الحياة اليوم لا يصلح معها غير التخصص والعمق والتعقيد، من لا يُشغل عقله بالتحليل والتركيب بمهنته سيبقى مجرد عامل تحميل بسيط يتقاضى أجرًا يسد الرمق ولن يتطور، هذا بالمهن فكيف بدين وبلد؟!

اليوم لا نحتاج في سوريا للحديث عن ضرورة التعددية السياسية بذكر الإيمان والإلحاد، ذلك تبسيط طفولي، نحتاج للحديث عن تعددية ضمن الإسلام نفسه، ضمن مذاهبه الدينية قبل السياسية، قلت بغير مجلس بأنه لو قُيض لصراع سياسي ما بين دولتين سُنيتين كتركيا والسعودية أن ينتقل للصراع الديني واستجلاب الخلاف العقدي بين الحنابلة والأشاعرة كما تم استجلاب الخلاف بين السنة والإمامية مع إيران، لرأينا كرهًا وحقدًا ولربما مساجد خاصة بكل طائفة، ولشاهدنا القنوات والتكفير بأكثر مابين السنة والشيعة، بل لربما شاهدنا من يعتبر الشيعة أقرب إليه من المُجسمة الذين يقولون أن الله جلس على عرشه حقيقة! لو تم فتح هذه القضايا دون ثقافة التعددية وقبول الاختلاف وعده ثروة لهالنا الأمر.

اذهب للجانب السياسي تر عجبًا، السلفيون تيارات، والإخوان والتحريريون والصوفيون كما المداخلة الراضون بحكم المتغلب والديمقراطيون والليبراليون والظاهريون. إذا نحن أمام حالة تشظ ضخمة؛ من الجهل الادعاء أنها بسيطة، إن لم نعترف باحتياجنا إلى ثقافة فك الاشتباك بينها فنحن أمام حالة من الانهيار شديدة، انهيار من المستحيل معه بناء قرية فضلًا عن بلد، نحن نشاهد بالشمال السوري اليوم، كلهم معارضون، من السلفيين إلى الليبراليين، كل واحد بقريته وحاكورته وضيعته ديك على مزبلته، فشل ثلاثي الأبعاد بجعل هذه المنطقة الصغيرة بديلا عن حكم مركزي ديكتاتوري، ورغم كل الإيجابيات التي ستفكر بها بتلك المنطقة عزيزي القارئ الذي أحييك أنك وصلت إلى هذا السطر وقد طال المقال، إلا أن ذلك لا يجعلنا نتناسى ونتغافل عن عمق المرض الذي إن استمر فإنه لن يبني بلدًا ولا بعد مليار سنة اللهم إلا إن احتلتنا دولة وفرضت علينا النفاق السياسي. إذا نحن أمام واقع ليس بسيطًا، لسنا أمام إيمان وكفر ولا فسطاطين ولا لون فاتح وغامق، بل أمام صورة معقدة من الألوان والتيارات المتباينة المتصارعة التي إن لم تفهم لغة البناء بالتعاون والتعددية فلن تكون ولن نكون.

وأما الآية فانظر لسؤال يسيع الحضرمي لعلي بن أبي طالب عنها وقوله (تلك بيوم القيامة) ترتاح صدقني، مشكلتنا لم تكن أبدًا مع النص الديني، بل مع مقاربة فهمه فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد