حياة الفرد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ليست موجودة وليست ذات قيمة، يُولد الإنسان ويكبر ويمر بجميع مراحل عمره من الطفولة حتى الكهولة، وإلى أن يُوضع في قبره دون أن يكون له إرادة أو خيار أو ربع قرار في أي شيء يتعلق به وبتفاصيل حياته.

‏إن مقياس سيادة أي مجتمع إنساني واستقلاليته، ومدى تحرُّره وتنوُّره وجماله وثقافته يكون بما لأفراد ذلك المجتمع من حرية وخصوصية واستقلالية، فلا هم خاضعون لخيارات أحد ما سواء الوالدين أو رجال الدين أو رجال السياسة حتى.

يجهل الكثيرون هذه الحقيقة، حقيقة أن بداية استقلال وتحرُّر الأوطان والدول يكون عندما تتحرَّر وتستقلُّ أفراد تلك الأوطان والدول. عندما يكون الفرد فيها حاصلًا على جميع حقوقه الإنسانية والبديهية التي جاءت في وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والصادرة بعام 1948. عندما تتحقق تلك الحقوق للفرد العربي والمسلم وتتكرَّس في ذهنيهما وتكون محل احترام وتقدير لديهما سيكون حينها الباب مفتوحًا للتحرُّر والاستقلال على مستوى دولهم وأوطانهم ومجتمعاتهم.

‏أن يكونوا أحرارًا مستقلين يعني ألَّا وجود لأي نوع من أنواع الإكراه من قِبل طرف آخر مهما كان ذلك الطرف، ومهما كانت قوته وحجم سلطته. نعاني نحن العرب والمسلمون كثيرًا من جرَّاء التسلُّط والإكراه ليس من الغريب، بل من أنفسنا وأهلينا.

إن أكثر مصائبنا ومشكلاتنا أساسها الإكراه والتسلُّط، نعاني منذ الطفولة وحتى الكهولة، لا يعي الإنسان ولا يدرك أن له حياة خاصة، وأن له حق في الحرية والاستقلالية إلا بعد فوات الأوان وانقضاء الأعمار. إن حياة الفرد في عالمنا العربي والإسلامي منعدمة تمامًا، وهذه هي أم المصائب والكوارث لدينا.

‏تخيَّل من يعيش كل عمره مُحاطًا بقيود الدين والعادات والتقاليد، فلا يرى ولا يجرِّب ولا يستكشف شيئًا في هذه الحياة إلا ما يُحدده ويُعيَّن له طرف آخر يفرض عليه كل تفاصيل ومجريات حياته.

تخيَّل أن تظل عمرك كله مخدوعًا بخرافات وأكاذيب تارة باسم الدين، وتارة باسم التقاليد تحرمك من الاستمتاع بالحياة وملذَّاتها وكل ما فيها من حسن وجمال، ولا تُدرك أنك كنت مخدوعًا إلا في لحظاتك الأخيرة من هذه الحياة.

أتحدث دائمًا عن التسلُّط وآثاره التي لا تُمحى، أتحدث عنه لأنه السبب الرئيس لما وصلنا إليه من انحطاط وتخلُّف وانحلال على جميع المستويات والأصعدة.

‏لقد عانيت أنا كثيرًا من آفة التسلُّط ومن آثارها النفسية والذهنية التي رافقتني منذ الطفولة وحتى يومنا هذا.

ينبغي لنا إذا ما أردنا حقًّا أن نتخلَّص من ذهنية وظاهرة وآفة التسلُّط التي تفتك بنا، أن ننتبه ونتأمل في هذه الآية والتعمُّق فيها والتمعُّن بها جيدًا: يقول المولى سبحانه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ صدق الله العظيم. إن في هذه الآية رسالة واضحة وصريحة تقول بأن الدين والذي هو أكثر الأمور خصوصية وقدسية لا وجود للإكراه والتسلُّط فيه، فيكف بغيره من شؤون الحياة الأخرى! حتمًا لن يكون بها أيُّ إكراه أو تسلُّط.

‏علينا أن ندرِّب أنفسنا على استيعاب معنى الحرية، وأن نحترمها ونكرِّسها لدى أجيالنا القادمة والحالية. علينا أن ندرك أهمية مبادئ حقوق الإنسان وجوهريتها أساسًا لانطلاقنا ونهضتنا وتحرُّرنا على المستوى الفردي والوطني.

علينا  أن نفهم هذا الدرس البسيط، وهو أن لكل شخص حياته الخاصة وهو حر فيها وفي قراراته وخياراته، وهو من يتحمَّل تبعات ما يختاره، فلا نتدخل ولا نفرض شيئًا على غيرنا على الإطلاق.

علينا أن نحترم أنفسنا لنحترم غيرنا، فالذي ينظر إلى نفسه بعين الاحترام والتقدير ويعي بأحقِّيته في الحياة والحرية والاستقلالية والكرامة الإنسانية، لن تجده يحتقر أو يقلِّل من حرية وكرامة وخصوصية غيره من الناس، بل سيحترمها ويدافع عنها كذلك، وسيناضل ويحارب من أجلها حماية وترسيخًا لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد