صراع الأيديولوجية

تتسارع الأحداث نحو التغيير في الدولة السعودية حيث إنها مؤسسة على جناحين أحدهما سياسي محمد بن سعود والآخر ديني محمد بن عبد الوهاب، واليوم تطير السعودية نحو نزع الجناح الديني علي يد حفيد محمد بن عبد الوهاب تركي آل شيخ؛ ليسقط معها أسطورة التشدد الديني الذي فرضته الضرروة للسيطرة على الشعوب وتطويعها في إرساء قواعد الدولة وحمايتها من الانقلابات السياسية.

يعود تاريخ بداية العلاقة بين آل سعود وآل الشيخ إلى القرن الثامن عشر عندما عزز محمد بن سعود حكمه في عام 1745 بالتحالف مع آل الشيخ عبر الإمام محمد بن عبد الوهاب، الذي كان يدعو إلى العودة إلى إسلام خالٍ من أي إضافات أو بدع. كانت هناك فرصة للطرفين في عقد اتفاق مشترك فيما بينهما نظرا إلى عدم تعارض المصالح، بل إن «ابن عبد الوهاب لم يجد مناصرًا أفضل من ابن سعود بعد أن تأكد هذا الأخير أنّ انتصار دعوة ابن عبد الوهاب هو انتصار له بالذات».

بداية التوافق بين الطرفين

لم يتردد ابن عبد الوهاب في الموافقة على قبول التحالف مع بن سعود وتقاسما معًا السلطة الدينية والسياسية في البلاد، ووفقًا لما يؤكده مؤرخون في كتبهم حول نشأة السعودية وتاريخ آل سعود، فإن هذا التحالف الذي جرى بين الإمام محمد بن عبد الوهاب، والأمير محمد بن سعود، دعم انتشار حركة تجديدية يطلق عليها «الوهابية». تم تثبت أركان المملكة عبر هذا التحالف الذي جرى بين الإمام محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود وأصبحت المملكة واقعًا لدولة كبيرة، جناحين للسلطة الناشئة.

وبناء على المعطيات الجديدة لهذا التوافق بين الطرفين، فإن محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود وجدا نفسيهما على رأس هذا الشعب، فاقتسما بينهما السلطة العليا، فكانت للأوّل السلطة الدينية وللثاني السلطة الدنيوية، بعد أن تعاهدا على المحافظة على هذا التمييز لدى ذرية العائلتين.

تعاقب الملوك الأبناء على حكم المملكلة حتى وصل القطار إلى الملك السابع من أبناء مؤسس الدولة السعودية وهو الملك سلمان. تم تغييب الملك سلمان لمرضه، وقفز ابنه ولي العهد محمد بن سلمان بانقلاب ناعم داخل البيت الملكي متجاوزًا كل أعراف انتقال الحكم لينتزعه جبرًا، وتكون ولاية العهد السعودي إليه ليكون أول جيل الأحفاد، وصولًا إلى حكم المملكلة فعليًا وبروز شخصيات كثيرة عبر تاريخ المملكة مثيرة للجدل، وعلى مدى فترات الحكم المتعاقبة على المملكة أدى إلى بروز شخصيات مثيرة للجدل عبر تاريخ الدولة الناشئة، وكان أبرز شخصية من آل الشيخ مثيرة للجدل إلى جانب تركي آل الشيخ، هو مفتي السعودية عبد العزيز آل الشيخ الذي أصدر عددًا من الفتاوى والتصريحات التي اعتبرت مؤيدة لخطوات ولي العهد السعودي، إضافة إلى تغاضيه عن قضايا إسلامية، كان أبرزها قضية «صفقة القرن»، وافتتاح الملاهي ودور السينما واقامة حفلات غنائية لأول مرة بالمملكة أدت إلى حدوث لغط وجدل كبير في الأوساط العربية المتدينة. وأطاحت برمزية الدولة السعودية الدينية في العالم وجعلتها على المحك.

كان من ظروف نشأة وتنامي الفكر الوهابي انتشار البدع والشركيات في المجتمع السعودي الناشئ والابتعاد عن التمسك بالقيم والمبادئ والأخلاق أضف إلى ذلك المشكلات الاجتماعية والخروج على الأعراف القبلية وكساد التجارة والاقتصاد، كل تلك المشكلات المتنوعة تم اختزالها في مشكلة واحدة، وهي انتشار البدعة والابتعاد عن السُنة، والحل النهائي المثالي المطروح هنا هو العودة إلى السُنة، وما كان عليه المسلمون الأوائل، عن طريق العمل على تطهير أرض الحجاز من مظاهر البدع والشرك، أو كل ما يخالف نمط التديّن السلفي كحل لجميع مشكلات بلاد الحجاز. أيدولوجية سنية.

بينما كان إلغاء الخلافة الإسلامية والاستعمار الأوروبي والتغريب وسقوط الدولة العثمانية والتحالف بين النخب العلمانية المصرية والمستعمرين هو ما جعل الإمام حسن البنا يسعى لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين وميلاد «الأيديولوجية الإسلامية» في منحى مختلف تمامًا عن الوهابية، منحى أكثر حركية ومواجهة للمستعمر الغربي، وأنظمة الحكم الشمولي في المنطقة العربية.

اشتد تيار الإلحاد والإباحية والتحلل الأخلاقي والفكري في أعقاب الحرب العالمية الأولى في مواجهة ما يسمى بالرجعية وشاع في مصر فتح بيوت للدعارة وترخيصها وحمايتها من الدولة المصريه وكانت موجة التحلل في النفوس، وفي الآراء والأفكار لا يثبت أمامها شيء، وكأنه تسونامي يطيح بكل القيم والمبادئ والأخلاق.
اجتمعت ظروف سقوط الخلافة العثمانية وتوجد النخب العلمانية المصرية لتكون مسوغًا لتوغل الانحرافات وإضعاف الدين ونشر الأخلاق الغربية، لفت انتباه الإمام حسن البنا كل المتغيرات والابتعاد عن صحيح الدين وقيم الأخلاق وتصاعد الإباحية واستقواؤها في مقابل تراجع وانحسار معسكر القيم والمبادئ والأخلاق والالتزام؛ لذا وجب على الإمام حسن البنا أن يأخذ بزمام المبادرة ومواجهة تلك الانهيارات المجتمعية والأخلاقية والدينية.

مرت جماعة الإخوان المسلمين بفترة انتقالية بعد اغتيال مؤسسها استلزم معها إعادة هيكلة وتأسيس ثاني للجماعة في خمسينات القرن الماضي تمثل ذلك التأسيس في تأصيل أيدولوجية الجماعة المؤسسة على الحركية السياسية أكثر من التنظير والابتعاد عن الخلافات الفقهية والفلسلفية التي لا تؤثر في إحداث تغيير الواقع بصورة عملية وواقعية، وخصوصًا بعد أن سيطرت الليبرالية على حكم البلاد العربية تحت جبروت النظام الشمولي الذي كان يحاول إخضاع العلماء وتطويعهم لتثبيت أركان الحكم الشمولي، ظهر صاحب الظلال سيد قطب في المقابل بمفهوم أيديولوجي جديد هو مفهوم الحاكمية، وذلك لنزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن هيّمنة الأنظمة الحاكمة.

تصاعد الخلاف بين الوهابية والإخوان

على الرغم من أن السبب أو التحدي الأساسي الذي أدى لنشوء الأيديولوجية الإسلامية بنوعيّها السلفي الوهابي والإخواني، هو إحساس عام مشترك بأزمة تهدد الإسلام، إلا أن السياقات التاريخية التي نشأت فيها كل أيديولوجية على حدة شكلت اختلافات وفروقًا مثلت للطرفين مع مرور الوقت بُؤر هويّة وتمايز أدى لتزايد الحواجز التي تعيق أي إمكانية للتعاون أو التنسيق بين الطرفين في ملفات قد تمثل مصالحًا مشتركة.
ذلك أن تنامي سياسات العداء التي شملت أغلب تاريخ العلاقة بين الطرفين، خاصة من الجانب السعودي بعد نهاية فترة الستينات وصولًا إلى الربيع العربي وما بعده، تشير إلى وجود سبب أعمق في توليد حالة العداء والعنف الرمزي في علاقة الطرفين. حرص الدولة السعودية على الحكم وعدم إعطاء فرصة لميلاد تيار مقاوم للحكم الملكي كان نقطة فاصلة ومحورية في عدم التقاء الفكر الوهابي مع الإخوان المسلمين.

إجمالًا يمكن القول إن العامل الأول الذي يفسر الاختلافات في الأفكار الدينية والسياسية بين الوهابية وبين أيديولوجية الإخوان المسلمين هو السياق التاريخي والتحديات المؤسِّسة لكل منهما، فالنمط الأول للأيديولوجية الإسلامية الإصلاحية كان سلفيًا – سنيًا، حيث واجهت نظمًا ما قبل أيديولوجية، مثل التدين الشعبي والتقاليد المحلية؛ بينما على النقيض كان الإخوان المسلمين كتنظيم وكأيديولوجية في مواجهة قوى استعمارية وحركات أيديولوجية علمانية حديثة، مشكلين بذلك نمط تدين سُني يهتم أكثر بالجانب السياسي والاجتماعي والقيمي بعيدًا عن الخلافات الفقهية والفلسفية التي لا تعمل على تغيير مجتمعي حقيقي.

فالانقسام الأيديولوجي والسياسي بين النظام السعودي وجماعة الإخوان المسلمين مُمتد في تاريخهما، على الرغم من التعاون، بل التحالف بين الطرفين في فترة الخمسينات والستينات، ضد عدوهما المشترك مُمثلًا في النُظم العسكرية «الناصرية والبعثية».

وقد رأى الملك عبد العزيز ال سعود في فكر الإخوان المسلمين خطرًا على وجود سلطته في المملكة لذلك رفض الملك السعودي عبد العزيز آل سعود – مؤسس الدولة السعودية الثالثة – طلب حسن البنا بتأسيس فرع لجماعة الإخوان المسلمين في السعودية؛ مما يدل على ارتيابه من نمط الخطاب والأيديولوجية الإسلامية التي يتبناها الإخوان المسلمون.

ولاحقًا في أوائل التسعينات وبعد فترة التعاون والتنسيق، أدى انتشار حركة الصحوة الإسلامية في السعودية، التي تعد حركة قريبة أيديولوجية من الإخوان المسلمين، إلى وضوح الفروق الدقيقة بين الجانبين، وما تمثله من أخطار على المشروعية السياسية للنظام السعودي وبنيانه الخطابي الوهابي.
لذلك كانت هناك حملة اعتقالات واسعة طالت كثيرًا من علماء الصحوة الإسلامية الذين لا ينتمون إلى جناح البلاط الملكي الوهابي.

خلال تلك الفترة بدأت تظهر خطورة الاختلافات البينية بشكل أوضح بين تصورات جماعة الإخوان والخطاب الوهابي، حيث تطورت الأيديولوجية الإخوانية على يد منظري الإخوان في الثمانينات والتسعينات وعلى رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي، والشيح محمد الغزالي، وراشد الغنوشي، لتصبح أكثر تقبلًا لقيم الحداثة السياسية كالمواطنة والديمقراطية وتداول السُلطة.
مثلت تلك التطورات الإسلامية الإخوانية ضغطًا أيديولوجيا متزايدًا على الخطاب السلفي السلطاني الوهابي، والمشروعية السياسية السعودية التي ترفض الدولة الحديثة التي تعتمد نظام انتقال سلمي للسلطة عبر التعددية والانتخابات والتشاركية السياسية في الحكم، في الوقت الذى اكتسبت التطورات الفكرية للإخوان المسلمين جاذبية واسعة في الأوساط العربية المتدينة، لاشتباكها السياسي النقدي مع النُظم الاستبدادية، الإخوان المسلمين والربيع العربي.

بعد اندلاع الربيع العربي، حيث كان للدور المحوري الذى لعبة الإخوان المسلمين خصمًا ليس في الدور السعودي في المنطقة فقط، ولكن خصمًا من الأيديولوجية الوهابية وخطابها المؤسس لشرعية النظام السعودي، وهو ما يفسر السياسات العدائية التي انتهجها النظام السعودي تجاه صعود الإخوان المسلمين واعتبارهم خطرًا وجوديًا على المملكة والدعم السخي للانقلاب العسكري في مصر، ودعم ميليشيات الحوثي والنظام القديم في اليمن، وكانت تلك الإجراءات هي العمل على الحد من انتشار الإسلام السياسي وتصاعده وضرب قواعده من جذورها.

الوهابية طبق شهي لكل من يبحث عن المدارس الفكرية الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في العالم الإسلامي!
دعمت المملكة العربية السعودية الفكر الوهابي وعملت على انتشاره في العالم الإسلامي ليكون حائط صد في مواجهة تصاعد فكر الإخوان المسلمين في المنطقة العربية، وغالبًا ما ينتهي أي حوار عن الوهابية إلى نفس الخلاصة، وهي أن هذه المدرسة ولدت ونشأت وترعرت في سياق سياسي خالص دخلت فيه حسابات واعتبارات كثيرة!

ماذا فعل تركي آل شيخ من تغيير أحدث زلزالًا داخل المملكة العربية السعودية؟
وإذا كان هناك ثورة سياسية من ابن سلمان للتخلص من موروث سياسي لم يعد صالحًا للمرحلة الآنية. وجب الانقلاب أيضًا على الموروثات الدينية التي تسببت في حرج شديد لولي العهد الذي يعمل على إعادة هيكلة المملكة بطريقة يرضى عنها داعموه.

جاء الحفيد الوهابي أيضًا ليهدم بيديه ذلك الإرث الديني عبر تغيير دراماتيكي سريع في القيم والمبادئ والأخلاق، لكنه دخل في صراعات كبيرة.
لماذا دخل تركي آل شيخ في صراع مع الرموز مثل أبو تريكة، وجماهير النادي الأهلي والزمالك، ومجلس إدارة نادي الزمالك والأهلي؟ ولماذا تم سحب ملفات الرياضة السعودية وإدخالها على خط الفن والترفية؟ وللحديث بقية إن شاء الله. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد