تشكل المدرسة المغربية في عمقها الامتداد الطبيعي لكلِّ ما هو شعبي وعام، والملاذ الآمن لأغلب خريجي الجامعات المغربية، والمعقل الوحيد لكلِّ أبناء المغاربة ما عاد استثناءات قليلة. وترمز لكل معاني الرقي والتَّرقِّي للوطن، لأنَّ أسّيها التربية والعلم هما الكفيلان لرفع وطننا إلى مصاف الدول المتقدمة.

في المقابل ورغم وضوح هذه الحقيقة التاريخية، نرى أنّ الحكومات المتعاقبة تعمل على خلافها، وتأبى إلا أن تكرّس السياسات الفوقية نفسها، متناسيةً التضحيات الجسام للشعب المغربي في سبيلها، ومتناسيةً أن تلك التضحيات الماضية مستمرةٌ في عمق الشعب حاضرًا ومستقبلًا، وتعمل على تنزيل سياسات تعليمية تشكل تهديدًا على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، ولعلَّ ما يوضح هذا التهديد بشكل صارخ، هو انسجام الحكومة مع السياسات المملاة من الخارج، وتغييب كلّ ما يمت للداخل بصلة، حيث تمّ فرض مخطط التعاقد بطريقة أقل ما يمكن القول عنها: مستفزة لوجدان الشعب المغربي ومؤسساته، ولا نجد أيَّ مؤسسة مدنية أو حقوقية أو نقابية تنادي أو تقترح هذا النموذج التربوي أو السياسة التعاقدية في مستوى التعليم (اللّهم الأحزاب الحكومية والإدارية)؛ بمعنى أن الشعب المغربي لم يقترح أبدًا نموذجًا تعاقديًا في التعليم.

وخلاصة القول إن هذا المخطط تم تمريره بضغط من الخارج، وبمباركة من الداخل، وبتشريع وإسنادٍ من وثائق وقوانين ومواثيق هي بمثابة (مسامير جحا) التي ظلت جاثمة على القطاع منذ التقويم الهيكلي (ثمانينات القرن الماضي).

ولعلّ ذكر بعض ملابسات تنزيل مخطط التعاقد، كفيلٌ بتسليط الضوء على (صورة الفرض) وتوضيحها، وسنقتصر على السياقات الأخيرة في تنزيل مخطط التعاقد، ونعرضها في نقاط دون تفصيل:

فصل التكوين عن التوظيف، وتقزيم المنحة (2016 – 2015).

توقيع القرار المشترك بين وزارة التربية الوطنية ووزارة المالية والاقتصاد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 في فترة حكومة مؤقتة ناقصة الصلاحية، بحكم ارتباط دورها بتصريف الأعمال وتسييرها في بعض الأوقات (مرحلة انتقالية أو انتخابات أو عدم تأسيس حكومة جديدة أو تأخرها…) ولا يحق لها البت في الأمور المهمة والمصيرية.

صدور المقرار المشترك باللغة الفرنسية.

بعد توقيع المقرر المشترك استمر (البلوكاج) الحكومي لمدة ستة شهور تقريبا من أكتوبر 2016 إلى مارس (آذار) 2017.

خروج رئيس الدولة في جولات رسمية إلى الدول الأفريقية لاستعادة مقعد في الاتحاد الأفريقي.

إعلان مباريات التعليم بموجب عقود مع الأكاديميات.

مقاطعة شبابيك الترشيح في أغلب الأكاديميات.

إعطاء الصلاحيات للمديريات والبشويات والبلديات والقيادات لقَبول ملفات الترشيح إجهاضًا للمقاطعة.

فتح باب الترشيح لجميع الحاصلين على الإجازة، دون أخذ السن في الاعتبار مقارنة مع السنوات السابقة (ما قبل 2016).

مرافقة كل هذا، بخطابات سياسية وإعلامية ودعائية من قبيل: سدّ الخصاص، محاربة الاكتظاظ، حل مشكل البطالة، خيار إستراتيجي، توظيف مؤقت لهذه السنة، تحقيق الجودة والمردودية، للمتعاقد الحقوق نفسها، تنويع آليات التوظيف، الجهوية المتقدمة، الجهوية الموسعة.

ناهيك عن السياسات التي طُبقت على المغاربة منذ الستينات، والتي كانت كلّها تصب في خوصصة كل القطاعات؛ خاصة القطاعات غير المنتجة بفهم الدولة الرأسمالية، وهذا في نظرنا نتيجة طبيعية تسقط فيها الدول التابعة الغارقة في الديون والتوقيعات غير الشرعيين.

يتضح ممّا سبق أنّ مخطط التعاقد هو سليل السياسات الطبقية في هذا القطاع الإسمنتي (عامل تماسك المجتمع) بفهم ألتوسير، حيث تنحو الدولة صراحة إلى خلق مدارس تعاقدية، وقولنا مدارس بالجمع مقصود، حيث الغاية من هذا المخطط هو إضفاء الاستقلالية التامة على المؤسسات العمومية (أي رفع الدولة يدها نهائيًا عن تمويلها، أو إعانتها، أو تقديم هبات لها، وماشابه ذلك)، ومن الطبيعي جدا أن يبدأ الأمر، بتركيز الاستقلالية في الأكاديميات، لكن سرعان ما سيمتد ذلك إلى المديريات، ثم إلى المؤسسات الكبرى من داخل المديريات، وأخيرًا إلى تعميم التجربة على جُلِّ المؤسسات التعليمية، وحينئذ لا بأس إن تحدثَ مديرو تلك المؤسسات على أنظمة أساسية داخلية تؤطر عملهم التربوي. وسيتعرف المجتمع المغربي على أدوار جديدة لمديري المدارس مخالفة لأدوارها التقليدية؛ من قبيل توظيف المدرسين، وعزلهم، وتحديد السبل الممكنة لجلب التمويل، والأموال، وصرفها، انسجامًا وطبيعة الاحتياجات، ونوعية الطلاب، والتلاميذ؛ بمعنى أن نظام التعاقد سيخول لهم سلطات مثل سلطات الشركات والمقاولات الخاصة، وهذه الأشياء التي قلناها ليست بالغريبة عنا أو البعيدة، فقد شَهِدَ الكل لحظة دخول الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد في إضراب ممتد سنة 2019، لجوء بعض المديرين إلى تشغيل بعض حاملي الشهادات، بعقود شهرية، وبأثمان زهيدة جدًا، ومن الأمثلة الدالة على ذلك: إعلان إدارة مؤسسة بمديرية الناظور في ديسمبر (كانون الأول) 2020 عن فتح باب الترشيحات لتدريس مادة الاجتماعيات لفترة مؤقتة (لملء خصاص أستاذة في رخصة ولادة)، وهذا الإعلان ليس شاذا وإنما أجرأة لبنود قانون الإطار 17.51 وخير دليل على هذا، القرار الأخير الصادر عن الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الرباط سلا القنيطرة الموقع بتاريخ 28 مارس 2021، حيث تم تفويض الإمضاء في مجال تدبير الموارد البشرية إلى مديرات ومديري مؤسسات التربية والتعليم العمومي.. كلّ في حدود اختصاصه الترابي، والخطير في هذا القرار ارتباط مسألتي الترقية والانقطاع عن العمل(بفهمهم) برحمة المديرين. إضافة إلى الاستناد في هذا القرار الشامل لكل العاملين بقطاع التعليم (نظاميين ومتعاقدين) بمرجع النظام الأساسي الخاص بأطر الأكاديميات إحالة إلى المرامي المستقبلية في دمج كلِّ الشغيلة تحت وصاية الأكاديميات، وكلّ هذا مرتبط كما قلنا بالقانون الإطار 17.51، وخاصة المادتين 40 و41 من الباب السابع: التي يتم بموجبهما تفويض السلطات، وترشيد الموارد، والدعوة الصريحة إلى الاستقلالية الفعلية في إطار تعاقدي. إضافة إلى الباب الثامن المتعلق بمجانية التعليم، وتنويع مصادر تمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي يفتح صراحة الباب على مصراعيه للجماعات الترابية، والمؤسسات والمقاولات العمومية، والقطاع الخاص.

ومن المؤشرات الدالة على هذا النحو التعاقدي للدولة، أو بالأحرى تكريس بنية اجتماعية واقتصادية قائمة على التشغيل بالتعاقد، باعتبار أنّ هذا النمط من التشغيل ضامن للمرونة من جهة المستغِلِين، وللهشاشة من جهة المستغَلين، وباعتبار أنّه سيمتد إلى القطاعات الأخرى عاجلًا أو آجلًا، وذلك طبعًا لن يتأتى للدولة مرة واحدة، وإنما عبر جرعات، أو كما تسميه في رؤاها الإستراتيجية؛ بالتنزيلات التدريجية، أو الأوراش ذات الأولوية، وهذا ما نراه عمليًا على مستوى تفييء الأساتذة إلى عدة فئات، والتخفيف من الأطر الإدارية والتوجيهية والتفتيشية، بإسناد مهامهم إلى الأساتذة.

وقد أصبحنا اليوم نعيش تحولات خطيرة، خاصة في ظل توظيفات الدولة الجذرية لكل ما يخدم سياساتها، ولعلَّ توظيف التكنولوجيا بدأ في البروز، حيث سيتم بفضل إدماج التكنولوجيا، ومحاولة شرعنة التعليم عن بعد، الاحتفاظ بالقليل من هؤلاء (الأطر النظامية) في أفق التخلي النهائي عنهم وتعويضهم بأطر متعاقدة (أستاذ متعاقد، حارس عام متعاقد، مدير متعاقد، موجّه متعاقد، مفتش متعاقد، مدير إقليمي متعاقد، مدير أكاديمي متعاقد…) وسيتمحور دور هؤلاء الأطر في جلب أكبر عدد ممكن من الأرباح، باستغلالها العمال المأجورين أو اليد العاملة الرخيصة (هم المتعاقدون أنفسهم). إضافة إلى مؤشر آخر تظل وزارة التعليم تتغنى به وهو المردودية، بمعنى مردودية المدرسة ككلّ، وليس فقط الأستاذ، وبالتالي فالأستاذ صاحب أقل مردودية (حسب زعمهم) مصيره الطرد، والمدرسة ذات المستوى الضعيف؛ أي التي لا يتفوق تلاميذتها ولا يتحصلون على النتائج العالية المرجوة، يكون مآلها الإغلاق النهائي، أو بتعبير أوضح إعلان إفلاسها على الفور.

وقبل الختام أود الإشارة إلى نقطتين أساسيتين: الأولى، أن هذه المدارس أو سلسلة مدارس (اقتداءً بسلسلة مطاعم) ستعمل تحت سقف رب شركة أو مؤسسة أو مقاولة معينة، وستكون محكومة بهم وبما يعتريهم من أهواء (تحت رحمتهم)، إضافة إلى احتكامها إلى العلاقات الاقتصادية، وطبيعة المنتوجات التي تتميز بها المنطقة أو المجال الجغرافي لتلك المدارس، وكذلك دخولها في منافسات شرسة مع المدارس القريبة منها مجاليًا، والمختلفة معها منهجًا ومضمونًا وإدارة، والمشتركة معها في هدف الاستقطاب واحتكار سوق التعليم، وبيع خدمات التعليم. والثانية، هي تحصيل حاصل للأولى، حيث إنّ بيع الخدمة (الحل الوحيد لاستقلال المؤسسات العمومية) يقابلها بشكل طبيعي شراء الخدمة؛ بمعنى أنَّه لا مناص للأسر مستقبلًا من أداء رسوم التسجيل، والتي ستكون متفاوتة على حسب العرض والطلب، والمجال والمضامين والغايات، وحالة الأسواق المالية، والوضع الاقتصادي عامة بالبلاد، مع الأخذ بالحسبان ارتباطاته بالاقتصاد الدولي.

وانطلاقًا من الواقع الذي أتقاسمه مع الشعب المغربي، أقول له إنَّ هذا الواقع هو مجرد انعكاس ونتيجة لذات الطبيعة السياسية باعتبارها المحدد لكلّ ما ينزل من مخططات تخدم مصالح الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج على حساب الطبقة المفقرة التي لن تستطيع الاستمرار في هذا العالم، إلا ببيع قوة عملها، وتنظيم صفوفها، وتمتين وحدتها، وتصليب وعيها للتصدي لهذه المخططات التي إن تمّ تمريرها، سواء في ظل الظروف العادية، أو المتسمة بالأزمة، لن تزيدهم إلا فقرًا وبؤسًا واستغلالًا، وتعامل الدولة مع قطاع التعليم بالتعاقد دون باقي القطاعات، لا يعني أبدًا أن تلك القطاعات ستسلم منه، بل وقتها آتٍ لا محالة، إن لم نعمل على خلق فعل نضالي وحدوي وموحد لمقاومة هذه المخططات.

وخير من نختم به ما دبّجه المفكر محمد عابد الجابري في مقاله (الحل الوحيد الممكن) «لقد ازدادت مشاكلنا تعقيدًا، وفي المقابل ازداد وعينا عمقًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد