حروب المرتزقة: حروب بالوكالة لخدمة سياسات الدول

المرتزقة هم أفراد يجري تجنيدهم من قبل أنظمة سياسية وحكومات دول تعيش حروب أهلية ونزاعات مسلحة، وهم أجانب وليسوا طرفًا من أطراف هاته الحروب، وذلك بمقابل مادي نظير خدمات المطلوبة منهم بغض النظر عن طبيعتها ونوعية تلك الأعمال التي سيقومون بها والهدف منها. وفي الغالب تكون «أعمالًا قذرة» (اغتيالات سياسية- تجسس- إعدامات جماعية خارج نطاق القانون…) وهي ظاهرة ليست بالجديدة فقد كانت الإمبراطورية الرومانية وبلاد فارس من أوائل من استخدمت المرتزقة ودربتهم تاريخيًّا وشاع استخدامهم في الفترة بين القرن الثاني عشر حتى القرن السادس عشر الميلادي من قبل حكام الإمبراطوريات آنذاك من أجل حماية عروشهم ومواجهة أعداء دولهم ومعارضيهم في السلطة. ويتم استخدامهم حاليًا من طرف دول غربية لحماية مصالحهم الاقتصادية والنفطية سواء في أفريقيا أو آسيا. ورغم أن القانون الدولي يمنع الدول من استخدام المرتزقة في الحروب بعد أن اعتمدت الأمم المتحدة اتفاقية دولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم في الصراعات المسلحة وتدريبهم وتمويلهم في دجنبر من عام 1989. فإن هاته الظاهرة عرفت انتشارًا ملحوظًا في السنوات العشرين الأخيرة، حيث أنشئت شركات أمنية خاصة بهذا الشأن نظرًا إلى الأرباح الطائلة التي يجنيها المرتزقة وفرصة مهمة للتربح وجني الأموال. وهذا أخطر ما في الأمر حيث تعمل هاته الشركات على إطالة أمد الحروب لأكبر فترة زمنية ممكنة، لتدر عليها مليارات الدولارات، وتكدس الأموال، بينما الخاسر الأكبر من كل هاته الحروب وويلاتها هم الشعوب والمدنيون. وأصبحت الدول تفضل خوض حروبها والقيام بمهام خاصة ليس بالجيوش النظامية وحدها، بل أيضًا بالاستعانة بالمرتزقة بعد الخسائر الفادحة التي تكبدتها الدول الكبرى في الحروب العالمية الأولى والثانية وأكبر دليل على ذلك هو الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في العقدين الأخيرين في كل من أفغانستان والعراق، واستعانتها بشركات أمنية خاصة بتجنيد المرتزقة ولعل أشهرها هي «شركة بلاك ووتر» الأمريكية للخدمات الأمنية المتخصصة التي تأسست عام 1997 بعد أن كانت سرية من قبل، ظهرت بشكل جلي بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بقيادة الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش، وحليفه رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، وإسقاط النظام العراقي بقيادة صدام حسين بوصفه ديكتاتورًا وقام بإبادات جماعية عرقية وأنه يشكل تهديدًا للأمن الإقليمي والدولي وتهديدًا لجيرانه بعد حصار دام لسنوات عديدة للعراق إثر غزو صدام للكويت في بداية التسعينيات، وامتلاكه المزعوم لأسلحة الدمار الشامل، وهي الحجة التي لم تثبت صحتها ولم يتم العثور على تلك الأسلحة بعد احتلال العراق. فقد استعانت الولايات المتحدة بالمرتزقة بعد الغزو للقيام باغتيالات لعلماء متخصصين في العلوم النووية، وتصفية المعارضين لدخول القوات الأمريكية للعراق، واعتقال رموز من النظام العراقي، وقد أصدرت سلطات الاحتلال بعد ذلك قوانين خاصة تحصنهم من الملاحقة القضائية والجنائية على الجرائم التي تم ارتكابها من قتل جماعي وجرائم حرب، وهو ما يثير قلق المنظمات الحقوقية العالمية والمجتمع الدولي باستعانة الدول بالمرتزقة لاستخدامهم وسيلة لإنتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم ومجازر يعاقب عليها القانون الدولي، وهو ما يدفع كثيرين في العالم للمطالبة بإخضاع هاته الشركات الخاصة للمساءلة القانونية ومراقبة وتتبع أنشطتها، خاصة في المناطق التي تشهد صراعات مسلحة حول العالم.

فيديو سربه موقع ويكيليكس عن عمليات غير قانونية عن طريق طائرات هليكوبتر لقتل عشوائي وقعت في العراق.

جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس الشهير عام 2010 لتسريبات تكشف وثائق برقيات مسربة من السفارات الأمريكية وسياسات أمريكا السرية في تعاملها مع الدول التي أثارت جدلًا كبيرًا لدى الإعلام والرأي العام الدولي. وذلك بعد أن حصل عليها عن طريق ضابط في المخابرات الأمريكية وقد تم متابعته والحكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة إفشائه أسرارًا عن الأمن القومي الأمريكي. وبقي أسانج محصنًا في سفارة الإكوادور لسنوات عدة بعد طلبه اللجوء إليها.

مرتزقة فاجنر:

«فاجنر» هي شركة أمنية روسية خاصة معروفة عالميًّا بوجودها في السنوات الأخيرة في عدد من المناطق التي تعيش حروبًا أهلية ونزاعات، كأوكرانيا والصراع على شبه جزيرة القرم، وأفريقيا الوسطى، وليبيا أكبر مثال على نفوذها وتأثيرها العسكري ذلك، إذ استقطبتهم قوات الجنرال الليبي، خليفة حفتر، لكي تقاتل إلى جانبه في صراعها مع قوات حكومة الوفاق الليبية المتهمة أيضًا بجلب مرتزقة ومقاتلين سوريين أجانب في السنوات الأخيرة في ساحة القتال الليبية. ورغم الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في جنيف، وإجراء مصالحة وطنية ليبية، والتوافق بين الأطراف الليبية على حكومة وحدة وطنية جديدة لكن القوات الأجنبية والمرتزقة لا يزالون على الأراضي الليبية رغم نص الاتفاق على انسحابها، وهو الأمر الذي لم يحدث بعد. ما يشكل تحديًا كبيرًا للسلطات والحكومة الجديدة للبلاد. ويقدر عدد عناصر مرتزقة فاجنر بحوالي ألفي فرد، لكن مع وصول وفد للأمم المتحدة من المراقبين الأمنيين إلى ليبيا بعث بمؤشرات إلى إمكانية إرسال قوات حفظ سلام متعددة الجنسيات تحت رعاية الأمم المتحدة ما يعطي بوادر ضغط على المرتزقة الأجانب من أجل الانسحاب من المناطق الليبية التي يسيطرون عليها، وتثبيت عملية وقف إطلاق النار. لكنها تناور وتعيد انتشارها في إطار عملية شد وجذب بين الأطراف المتصارعة من أجل تقاسم النفوذ والمصالح. فروسيا لن تتخلى عن وجودها في ليبيا مثلها مثل باقي الدول المنخرطة في الصراع الليبي في ظل وضع سياسي وعسكري معقد ومستقبل غير واضح المعالم.

إن الحروب تتطور مع مرور الزمن في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، فلم يعد يقتصر على المفهوم التقليدي للحروب «الصراع العسكري بين الدول أو مليشيات مسلحة»، بل أصبح للنزاعات والصراعات أشكال متعددة مع ظهور أوجه جديدة للحروب مثل «الحروب السيبرانية» على الشبكة العنكبوتية بين حكومات ودول لأجل بسط نفوذها وسيطرتها على الواقع الافتراضي باستعمالها «الجيوش الإلكترونية» لتسويق سمعتها وتشويه خصومها ومنافسيها، وكذلك حروب من نوع الحروب التجارية والاقتصادية في منافسة محتدمة بين الدول الكبرى للسيطرة على المضائق البحرية للتجارة العالمية باستثمار شركات كبرى مختصة في الموانئ كشركة «موانئ دبي العالمية» وشركات صينية وأمريكية لتكون لها يد في موانئ مهمة إستراتيجيًّا في الملاحة وقوافل التجارة الدولية. ومن مظاهرها أيضًا توسع الشركات العملاقة متعددة الجنسيات بين دول العالم لبسط هيمنتها على السوق الاقتصادية العالمية في تنافس شرس بين هاته الشركات خصوصًا في دول العالم الثالث. فمن لم يلحق بركب التقدم والتطور والاعتماد على الذات وبناء دول قوية في بنيتها الاقتصادية والتكنولوجية، فسيصبح ساحة للصراعات وتقاسم النفوذ بين الكبار. وربما يصبح في وقت من الأوقات تابعًا للقوى العظمى، هذا إذا لم يكن تابعًا لها من الأصل وذلك في إطار معالم تشكل نظام عالمي جديد في ظل عالم جديد متسارع التغيرات أصبحت تتقلص فيه على ما يبدو في الحاضر والمستقبل المنظور قوة وقدرات الهيمنة للقطب الأوحد في النظام الدولي، ألا وهي «الولايات المتحدة الأمريكية» في ظل الصعود المذهل والمتسارع «للصين» و«روسيا» في السنوات الأخيرة، وهو ما تعتبره واشنطن وحلفاؤها خصوصًا الأوربيين تهديدًا لهم ولنفوذهم السياسي الدولي والاقتصادي ولمصالحهم القومية، وتعتبره الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة جو بايدن أكبر التحديات والأولويات اللازمة التي تواجهها في المرحلة المقبلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد