زار يوم الأحد الماضي وفد من حركة حماس يرأسه ممثلُ حماس في صنعاء معاذ أبو شمالة، وعضو المجلس السياسي للحوثيين محمد علي الحوثي، ونقل أبو شمالة للقيادي الحوثي تحيات قيادة حماس وشكرهم على جهود الحوثيين في دعم القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى، وقدَّم له درعًا، وذلك بعدما أطلق الحوثيون حملة تبرعات دعمًا لفلسطين.

سادت بعد هذه الزيارة موجة كبيرة من الاستياء في أوساط الشعوب المضطهدة التي اكتوت بنار إيران وأذرعها المجرمة. ومما زاد الطين بلة هو مجيء هذه الزيارة غير موفقة التوقيت والموضوع عقب إحدى مجازر الحوثي بحقِّ أهل السُّنة في مأرب. وقد جددت هذه الحادثة استعار الجدل مجددًا حول علاقة حماس بنظام الملالي، وهل هذه التصرفات والمواقف زلات سياسية أم سياسة راسخة؟!

لا بدَّ من التقرير ابتداءً أنَّ الحوثيين لم يكونوا في يوم من الأيام مناصرين للقضية الفلسطينية، أو مدافعين عنها إلا على مستوى المزايدة، بل إنهم هاجموا الجمعيات الفلسطينية واستولوا على مكاتبها بما فيها مكتب حماس في صنعاء عند احتلالها عام 2014؛ لكنهم يحاولون التكسب السياسي من القضية الفلسطينية جزءًا من الخطة الإيرانية في هذا الشأن. في العام الماضي مثلًا عرضَ الحوثيون مبادرة لتبادل فلسطينيين معتقلين في السعودية مع أسرى سعوديين اعتقلهم الحوثي خلال معاركه، وذلك بعد أيام من تصريح عضو مكتب العلاقات الدولية في حماس، باسم نعيم عن اتصالات مباشرة وعبر وسطاء مع السعودية لإطلاق سراح المعتقلين المذكورين، واستجلبوا بذلك شكرًا من حماس. لقد سعى الحوثيون في أكثر من مناسبة إلى استثمار القضية الفلسطينية وتوظيفها سياسيًّا لإيجاد بوصلة وهمية لتجنيد المقاتلين والاستمرار بحربهم على الشعب اليمني؛ إذ استقطبوا آلاف المقاتلين تحت عنوان صرخة خمينية تزعم محاربة إسرائيل.

تقوم الخطة الإيرانية في المتاجرة بالقضية الفلسطينية من خلال أذرعها في المنطقة العربية، وقد عمدت مؤخرًا إلى سلسلة من التصرفات الممنهجة لخداع الشعوب وسرقة إنجازات المقاومة. وقد نجحت الخطة الإيرانية في هذا السياق – للأسف – أن توظِّف جانبًا من التصريحات والعلاقات الخارجية لحماس في خدمة المشروع الإيراني، وقد تمكن الخبث الإيراني بذلك من سرقة أضواء سيف القدس والتشويش على انتصار غزة في الشارع العربي المسلم الذي يعتبر أن هذا النصر هو نصر للمسلمين وللشعوب المظلومة والمضطهدة.

إنَّ العمق الشعبي العربي الإسلامي لحركة حماس هو رصيد ثمين لا يمكن المخاطرة أو التفريط به مقابل أي مصلحة، وإذا كانت هذه المواقف لا تعبِّر عن حالة عامة وسياسة ممنهجة داخل الحركة – وهذا ما نرجوه – فلا بد من الجرأة في كبح هذا الطيش، ثم لا بد من مصارحة الشعوب المسلمة المناصرة للقضية الفلسطينية والمنخرطة فيها، والتي أشغلتها هذه المشاغبات وشوَّشت عليها.

إن النصر الرباني يا إخوتنا في حماس لا يُستجلب بالتحالف مع الظالمين أو الركون إليهم (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ) «هود: 113»، وقد أخبر الصادق المصدوق أنَّ دعمَ قضايا المسلمين العادلة ومساندة المستضعفين سببٌ لتيسير الدعم المادي وتحقيق النصر معًا:«هلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلّا بضُعَفائِكُمْ» رواه البخاري. وإذا كان دم المسلم أعظم حرمةً عند الله من الكعبة المشرفة نفسها، فهو إذن أعظم قداسةً من المسجد الأقصى. وليس الدم الفلسطيني بأعظم حرمةً من الدم السوري أو العراقي أو اليمني أو غيره، فالمسلمون تتساوى دماؤهم.

لذلك لم تعد نظرية الاضطرار السياسي كافيةً لإسناد هذه المواقف وهذه التصريحات في ظل حالة عارمة من الاستياء والضجر لدى المظلومين من أبناء المسلمين الذين يرون قدسية القضية، والذين أحبوا المقاومة الفلسطينية ورجالها، والذين هتفوا في الميادين للقدس والأقصى وغزة، وأصبحوا اليوم يتساءلون: إذا كانت الضرورة قد ألزمتكم اتخاذ بعض المواقف والإدلاء ببعض التصريحات لإيران،فماذا عن المبالغة في المديح والإطراء، وما بال الأمر قد تعدَّى إلى مغازلة المجرمين السفاحين في العراق وسوريا واليمن، ثم يتساءلون بغصةٍ وألمٍ: ماذا بعد الحوثي يا حماس؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد