كبرت وأنا أسمع أمي تخاطب الله وتقول: «يا رب يالعزيز أعطيني شوية قوة من عندك »، أي أعطني القليل من القوة، علمتني كيف أخاطب الله خارج الصلاة، كانت تفعل ذلك في كل وقت غير ملزمة بموعد أو لغة فصيحة، دون تنميق أو تكلف، كانت تعرف أنه الوحيد الذي نلجأ إليه بكل الضعف والنقص الذي فينا، وحتى جدتي تلك التي لا تحفظ من كتاب الله إلا الفاتحة والمعوذتين عندما كانت تستيقظ لصلاة الفجر دون منبه، أسمعها تقول «يا ربي والطف بنا»، «يا رب ولعمال عليك» أي يالله نتوكل عليك، وتتمتم بكلمات أخرى لا أفهمها إذ إن نصفي حي والثاني ميت، والآن أنا أفعل ذلك، أحيانًا عندما أنظر إلى السماء لأني أعلم أنه هناك ومن بين العالم الأكبر ينظر إلي أنا ويسمعني، وأحيانًا أراه في الأشجار، في البحر، في حبة الفراولة عندما يبهرني لونها، في الياسمينة التي تغرسها جارتنا فيعبق حينا برائحتها، أما عند نزول المطر فذاك حديث خاص أغمض فيه عيناي، وأحيانًا تنضم فيه دموعي لقطرات المطر، أطلب ما أشاء، وكما قالت صديقتي التركية «لا تترددي في طلب شيء من الله حتى وأنت تربطين خيوط حذائك»، أما هو فقال «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد»، أحيانًا أضع يدي على قلبي فقط لأعلم أنه هنا في كل شهقة وزفرة، في كل نظرة.

قد تنام كل العيون إلا عيناه، قد تصدأ ذاكرتنا وننسى لكنه لا ينسى، ألا يصيبنا هذا بالاطمئنان؟ أليس كافيًا أن نشعر أنه هنا لنخاطبه متى شئنا بالقدر الذي أردنا بكل اللهجات واللغات، لأن اللغة التي نستخدمها مع الله هي لغة واحدة في الحقيقة، هي لغة القلب.

تساءلت يومٕا ماذا لو لم أعرف الله؟ حتما سأفوت أشياء كثيرة جميلة في الحياة، كجمال السجود على أرض نتشارك فيها جميعنا، تصلي فيسكن كل ما فيك ليقر بضعفه واحتياجه لعطف الله أو كرمه، لنصره أو عدله، فجأة تدرك أنك تفعل ذلك أنت ورئيسك في العمل وحاكم البلاد وجندي الوطن، جمال الدعاء الذي تعترف فيه بعجزك عن تحقيق الأماني لولا أن يربط على خطواتك ويعبد لك الطرق المؤدية لها، جمال ذكره وقت الضحى وعند الغروب عند السحر وبعيدًا عن أعين البشر، جمال كلمة الله وما تحمل من قوة، أكثر ما أحببت في لغة الأتراك أنهم يضيفون هذه الكلمة لحديثهم دائمًا «الله، الله» سواء للتعجب أو التهجم، يذكرون اسمه مرات عديدة في اليوم، ألم يقل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ذكر الله يجعل الألسنة طيبة وريقها عذب وهل يوجد اسم آخر يترك الأثر نفسه إلا اسمه الجميل، ماذا لو ابتعدت عن أهلك ووطنك وألبستك الغربة رداء من الحزن، ولوهلة تسمع الأذان فيذكرك أن الله موجود في كل زمان ومكان أكبر من كل ما يكبر في قلبك ويثقله، أما عن الجنة حينما يخيل إلي منظرها تعتريني رجفة ما بعدها نشوة تمامًا عندما يعدك أحد تحبه بهدية فيسوقك عقلك إلى تخيل شكلها وقيمتها، هذا الإله العظيم لايكف على منحنا العطايا والهدايا.

أتساءل كيف يعيش هؤلاء الذين لا يعرفونه؟ أي اسم يذكرونه عند الخطر، إلى أي ملجأ يهرعون، وأي صلاة يرددون؟ كيف لا يحسون بحجمهم الضئيل أمام هذا الكون اللامنتهي، ألم يشعروا يومًا بالحاجة للحديث مع الله عن كل ما يخشون أن يبوحوا به لأصدقائهم، ألم ينظروا في المرآة ليروا أن جمالهم ذرة من الجمال الذي يتنزل الله به على الأرض، ألم يحسوا أنهم بحاجة لنور الله كي يبدد ظلمة أرواحهم، لكن الله لا ييأس أبدًا حتى يجده عبده، ربما يخطئ الطريق إليه يتعثر ويسقط وأحيانًا يكف عن المسير، لكنه الله ينظر إلينا بعين الرحمة ففي النهاية حتمًا سيرشد التائهين في الطريق إليه، اخرج للبحث عن الله ولا تأبه بما وراء ذلك، لا يهمك طول الطريق فمتى ستجده سيغير ذلك ما تبقى من حياتك وما بعدها، في قصة رويت قديمًا يقال إن رجل دين مكث طول حياته يعبد الله، في يوم ما جاءه رجال قرروا السفر ولم يجدوا من هو أحق به من حفظ أختهم العذراء عند غيابهم، رحلوا وتركوها معه فسولت له نفسه أن يهم بها ففعل مايخشاه الله ولما كان مآل ذلك إلى طفل دفنه وقتل أمه ومات على ذلك الذنب فدخل النار، وقصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا فأراد أن يتوب فدل على راهب، ولما جاءه قال الراهب لا طريق لك للتوبة فقتله وأكمل المائة، ثم سأل عن آخر فجاءه وأبلغه بنية توبته فقال له الراهب ومن يحول بينك وبين عفو الله، فتاب الرجل وقال له الراهب ارحل إلى أرض يعبد فيها الله ولا تبقى في أرضك هذه، ففعل وهو في طريقه خطفه الموت «فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملَكٌ في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة. قال قتادة: فقال الحسن: ذُكِرَ لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره »، توجد في كل منا رغبة في القرب من الله سجينة تنتظر أن تحرر، ألم نخلق كلنا على فطرة و من أب واحد، وحتى وإن الله ليس بحاجة لنا ودعواتنا بالنسبة إليه هي قطرة تصب في بحر عميق، لكنه مع ذلك يلتقطها ويضعها في السماء لتمطر علينا بالقبول، مع ذلك يفرح بتوبتنا ويهيئ لنا ربيع العفو لنستيقظ من سبات الذنب والضياع، بما روي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لله أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» رواه مسلم.

واليوم وبعد أربع وعشرين سنة مرت من عمري، وعيت الآن على حقيقة أن معرفتي بالله لم تكتمل، أو ليست كما ينبغي، أو لأن الطريق لمعرفته لا تنتهي، وكيف وهو الذي يحمل تسعة وتسعين اسما، وكتابا معجزة، وسبع سماوات وأحد عشر كوكبا يحمل كونا، حتى الأنبياء لم يحملوا في قلوبهم من هذا كله إلا مجرات وحملوا رسالات، لكنني في اللحظة التي أتأمل فيها شجرة البلوط في قريتنا كيف تنتصب هناك منذ مئات السنين، تتجرد من لباسها في فصل وتعود فتكتسي به في آخر، كم رياح وعواصف هبت عليها ولم تحرك لها ساكنًا، أحس بأنني أقترب منه أكثر كلما اقتربت من خلقه، أقرأ آياته في روح تخرج من روح حين أرى وليدا في حضن أمه، في الأيادي التي تحصد السنابل، في صوت خرير مياه الجداول، أليس هذا الإله أحق بالحب من كل شيء وأحق أن نعرفه أكثر من كل شيء، وكما تقول الرابعة العدوية في أبياتها الخالدة.

عَرَفْتُ الهَوى مُذ عَرَفْتُ هواك

وأغْلَقْتُ قَلْبي عَلىٰ مَنْ عَاداكْ

وقُمْتُ اُناجِيـكَ يا مَن تـَرىٰ

خَفايا القُلُوبِ ولَسْنا نراك

أحِبُكَ حُبَيْنِ حُبَ الهَـوىٰ

وحُبْــاً لأنَكَ أهْـل ٌ لـِذَاك

فأما الذي هُوَ حُبُ الهَوىٰ

فَشُغْلِي بذِكْرِكَ عَمَنْ سـِواكْ

وامّـا الذي أنْتَ أهلٌ لَهُ

فَلَسْتُ أرىٰ الكَوْنِ حَتىٰ أراكْ

فلا الحَمْدُ في ذا ولا ذاكَ لي

ولكنْ لكَ الحَمْدُ فِي ذا وذاك

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد