تعلمنا القيم الليبرالية أن نتحرر من كل القيود التي تكبل حريتنا الفردية وأن نعيش على أهوائنا ما دمنا نجدد الولاء والطاعة للدولة والنظام الرأسمالي، تبقينا بمعزل عن بعضنا الآخر حتى تتفرد بنا وتنقض على ما تبقى لدينا من إيمان بأهمية المصلحة الجماعية وتزرع فينا أنانية مزمنة تقودنا إلى هلاك محتوم. لهذا لم تكن النسوية الليبرالية إلا لتحذو حذو المنظومة القيمية التي جاءت من رحمها فجعلت النضال النسوي لا يعدو أن يكون مجرد عرض مسرحي يسعى لإخافة بعبع النظام الأبوي دون أن يهب النساء حقوقهن والحرية التي يحلمن بها.

تركز النسوية الليبرالية على المرأة البيضاء ومشكلات العالم الأول التي، بالرغم من جديتها، لا ينبغي لها أن تكون محور النضال دون غيرها من مشكلات. تخرج نساء العالم الأول في تظاهرات احتجاجية ضد قوانين تقيد حريتهن وتنتهك كرامتهن، تسمع أصواتهن في الإذاعات الوطنية و العالمية خاصة إن كن من مشاهير العالم الهوليودي أو سيدات تنتمين للطبقة الحاكمة. تتبنى النسوية الليبرالية مشكلات المرأة الغربية وتسدل الستار عن جرائم الإمبريالية الغربية في حق نساء العالم – اللاتي لم ينلن نصيبهن من العدالة – والتي توقع عليها نون النسوة كأنما تكسبها شيئًا من المصداقية تحت ذريعة تمكين النساء وتحقيق العدل والمساواة. إن النسوية الليبرالية إذن لا تعنى بشؤون المرأة الشرقية ولا المرأة العاملة وإنما هي سلاح في يد الإمبراطورية تضفي به مصداقية على فتوحاتها وحروبها الضروس، وتحجم مجتمعاتنا إلى نماذج وأمثلة ملموسة للرجعية والتخلف عن ركب الحضارة من خلال مقارنة واقعنا المعاش بأوهامهم المفبركة بحذر شديد على يد آلة البروباجاندا التي لا تتوقف عن العمل.

قبل أن أبلغ مرحلة السخط النهائي والكفر القاطع بالنضال النسوي بدأت أجد في دواخلي وعيًا بروليتاريًّا ينمو بوتيرة متسارعة، و استطعت الفهم أن النسوية ليست عبارة عن نسخة واحدة منزلة لا بديل لها، فقد كانت النسوية تتفرع في حركات اجتماعية وسياسية عدة منذ نشأتها. وكانت النسوية الماركسية تعد ضالة قد تمكنت من إيجادها بعد سنين طويلة من البحث المتفاني.

ليست النسوية الماركسية بالأيديولوجية المألوفة في مجتمعاتنا العربية، وذلك راجع إلى شيطنة التيار الفكري الماركسي في أوطاننا التي لا تزال تقع تحت طائلة استعمار ثقافي وإيديولوجي. يعود أصل الإعراض الصارم عن كل ما يمت للماركسية بصلة الذي نراه في مجتمعاتنا التابعة إلى حقبة الحرب الضروس بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وما تلا سقوط هذا الأخير من حالة خوف لا عقلانية من نهوض الشيوعية أو استعادة الاتحاد السوفيتي لمجده السابق، كانت قد تفشت في صفوف الرأسماليين. رغم أن ما يطلق عليه بمصطلح «الخوف الأحمر» قد ولد من رحم الثورة الروسية البلشفية سنة 1917 والتغيرات الجذرية التي تلت انتصار البروليتاريا الروسية على الطبقة الحاكمة، فإن الخوف المناهض للشيوعية لا يزال جزءًا من الوعي الجماعي لمجتمعات الرأسمالية وأخرى تابعة.

تعد النسوية الماركسية أحد المتغيرات الفلسفية للحركة النسوية وتيارًا فكريًّا يسعى لتحرير المرأة من النظام البطريركي والنظام الرأسمالي اللذين يفلحان في استغلال المرأة وامتهانها. تعلمنا النسوية الماركسية أن التضامن غير قابل للتقسيم والتجزيء وأن نضالنا لأجل حقوقنا كمجموعات تعاني من الاضطهاد والظلم ينبغي نضالًا تقاطعيًّا لا يقصي أيًّا كان من النساء، بل يجب على النساء العاملات أن يتلاحمن ضد القيم النيوليبرالية التي تحلل استغلالهن من طرف نساء الطبقة البرجوازية تحت ذرائع أخلاقية سخيفة تتعارض مع القيم التي تروج لها الحركة النسوية.

تدرك النسوية الماركسية أن النساء كائنات مستقلة بأفكارهن وتوجهاتهن السياسية، متعددات الأبعاد والصفات ومن ثم قادرات هن الأخريات على استغلال العمال وارتكاب أعمال لا أخلاقية قد تعاقبن عليها تمامًا كما ينبغي أن يعاقب عليها فاعلوها من الذكور، إذ لا ينبغي أن تعفى النساء دون غيرهن من الالتزام بالواجبات الأخلاقية التي تجعل من المرء إنسانًا سويًّا يستحق الاحترام.

إذا كانت النسوية الليبرالية تسعى لطمس أي مظهر من مظاهر الوعي البروليتاري في مساحات النضال لأجل حقوق المرأة وتعامل النساء كما لو كن أطفالًا لا قدرة لهم على تحمل مسؤولية أفعالهم، فإن النسوية الماركسية تحاول إيقاف الحرب بين الجنسين التي تحول دون تحقيق تفاهم ووحدة بين صفوف العمال، وتمنح للنساء مسؤولية مماثلة لتلك التي يحملها الرجال في درب النضال ماركسي ضد الرأسمالية والإمبريالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد