تُعامل النشاطات كمهرب، أو نذهب نحوها كعالم مواز ممتع التواجد به، أو أسباب متعددة ومختلفة عن بعضها، الكتب والأفلام والرياضة كمثال، بنظرة ذات دقة بسيطة نكتشف بالنهاية أن تلك المجالات أو النشاطات، أو كما تطلق عليها أنت، تعتبر هي الأخرى عالمًا مصغرًا عن عالمك الواقعي.

– تقول الكاتبة سوزان كيسن في افتتاحية مذكراتها:
«السهل أن تنزلق في عالم مواز، يوجد العديد منهم، عالم المجانين، المجرمين، المعاقين، الذين يواجهون الموت، وربما الموتى أيضًا، كل هذه العوالم موجودة بالتوازي مع العالم الذي نعيش فيه وربما تشبهه، لكنها ليست جزءًا منه» .

في ظل الملل اليومي الذي يدفعنا نحو متابعة الفن بأنواعه، أو الهروب من حدث آخر في أيامك نحو الأفلام والروايات، وبينما تحصل على متعتك وسلامتك النفسية بداخلهم، يعطي الفن تأثيرات أخري بنفس تأثير تجارب حياتية أو بتأثير مقارب، الاستمتاع بتلك اللحظات التي تقرأ أو تشاهد فيها فيلمًا هو فائدة في حد ذاته، لكن ما هي الفوائد العفوية التي لم نسعى للحصول عليها من خلالهم؟

ما ينقله الفن من مشاكل وصراعات ووحدة وألم وسعادة ومختلف انفعالات وتجارب، في تصغير لما يدور في حياتك البسيطة، تجد أن المشاهد والكلمات المكتوبة مألوفة بالنسبة لك، تعطي تلك الأشياء استيعابًا لكثير من ما يدور حولنا بسبب تجسيدها للأمور في رواية ومشهد، قد تُعرض أفكار دارت في عقلك من قبل أمامك، وإظهار جوانب في حياتك اليومية لم تراها بوضوح، لتزيد من إدراكك ونظرتك للكثير من الأمور.

الأعمال الكوميدية بدورها تستطيع دس الفوائد الخفية المذكورة، واحتواء عمل فني ما على محتوى فكري أو معنى ديني، سياسي، اجتماعي، لا يتنافي مع وجود المتعة – العامل الأهم – بالعمل.

رواية السند المزيف من الروايات التي تنقل العالم الواقعي، وتعتبر مثال عن العوالم الموازية التي تحكي عنها سوزان كيسن، وتعد من أجمل الأعمال الدينية، الاجتماعية، الأدبية التي تحب أن تغرق بها.

يأتي تولستوي في شكل العجوز الحكيم ممتلكًا معاني كثيرة من الحياة في أعماله، حتى بالنظر في حياة تولستوي وبأبسط مجهود أول ما ستعرفه عنه أنه أحد أولئك الناس التي تحمل معها معاني كثرة، وتناقضات فكرية وشخصية، لن تستطيع تحديد ماهيته بثبات، حتى وضعه الاجتماعي، تجده أحد أغنياء عصره، وفقير متنازل عن ثرائه باختياره، هو ببساطة رجل فوضوي، لكن طبيعي، كمثال حي عن العالم الذي نحيا به.

تمثلت خلاصة حياته ربما بما تحملها وكما عاصر فيها من معاني في روايته الأخيرة السند المزيف، أو كما شبهها مترجم الرواية يوسف نبيل أنها «آخر وصايا تولستوي».
تحدثنا الرواية عن تتابعات فعل واحد، وكيف لحدث بسيط أن يخلق سلسلة أكبر من الأحداث، سواء كان حدث إيجابي أو سلبي، بدأت تلك السلسة في روايتنا بحدث شرير بسيط كان عبارة عن عدة كلمات قاسية للتعنيف، إلى أن خلق هذا الفعل تزويرًا، وكذبًا، وسرقة، حتى وصل إلى القتل.

أظهر تولستوي النقد القاسي وهو يتحدث عن كل فئات المجتمع من فلاحين، وتجار، وأغنياء، وفقراء، وأطفال، ورؤساء، حتى رجال الدين، وتأثيرات نفس الفعل على كل منهم.

بنفس الحدث الوحيد المبني عليه باقي تتابعات الرواية لم يلجأ تولستوي لأكثر منه لتوضيح أفكاره المتعددة، وكانت إحدى أفكاره هي إشارته لطريقة تعامل كل فئة في المجتمع مع الخطأ أو الصواب، حيث أن المجتمع بكامل فئاته او طبقاته يحمل نفس الجانبين من الشر أو الخير، لكن الاختلاف لا يتمثل إلا في طريقة تأدية الفعل، وهو شيء نفتقد استيعابه حتى في وقتنا الحالي، لكن تولستوي يخبرنا أن خطأ ما ليس بالواجب أن يكون مقتصر على طبقة محددة في المجتمع، وكيف وضع نفس نوع الجرائم في طريق أفراد مختلفين من فئات مختلفة موضحًا مقصده.

أبيض أسود، حيث الحياة ليست مثالية أو خيرة فقط وذلك ليس إلا خيالًا، ليكسر تولستوي أحداث الشر العنيفة في الرواية بتوبة وخير يولد من نظرة وجملة وحيدة.

في بداية الرواية عند إضافة الفكرة الأساسية أن لحدث بسيط عفوي يمكن أن يؤدي لشر عملاق، يعود ويقول إن الأفعال البسيطة يمكن أن تؤدي إلى إمكانية مواجهة الشر والتمرد عليه هي الأخرى، والشر إن تكاثر بسهولة، يولد الخير أيضًا بسهولة، وتواجد خير فقط أو شر فقط في العالم ليس إلا خيال، لتذكرنا كل فكرة من أفكار الرواية أنها لا تعبر سوى عن عالمنا خليط الأبيض والأسود.

برغم كثرة الشخصيات والتحليلات والأفكار التي تناولتها الرواية إلى أن البساطة والسلاسة كانت أول وأهم ميزات الخلاصة التي أعطاها لنا، وبأقل عدد من الصفحات خلق عالمًا متشابكًا، نجح في جعل كل شخصيات الرواية متصلة ببعضها ببساطة، بالرغم من افتقاد الرواية للوصف الدقيق، وجعّل القارئ هو الباحث عن التفاصيل بنفسه، لكن لم يُنقص ذلك من عمق وأفكار الرواية.

– بمماته يوصينا بالحياة، والرحلة دائمًا في الطريق.

ينتظر البعض إجابة من تولستوي عندما يقال أنه يحمل خلاصة حكيمة، وأن السند المزيف هي وصيته الأخيرة، لكن الرواية تضم الرحلة، تقص المعاصي والعدل والظلم بدون موعظة، برغم الأسئلة الدنيوية الكثيرة التي تطرحها الرواية، وبطل الرواية المجرم والتائب، وطريق بين الإلحاد للإيمان، وتجارب متعددة ومتنوعة، مع ذلك لا يعطيك إجابات مباشرة بعد كل ما مر به.

في تشابه بين تلك النقطة وما يعرضه فيلم (فتاة قوطعت/ girl interrupted) فيلم يحكي عن فتاة (سوزانا) لجأت إلى مصحة نفسية بعد مرحلة اكتئاب، تصبح المصحة وسيلة لها لإيجاد إجابات على أسئلتها الوجودية، مصورًا الفيلم تلك المصحة عالم مصغر ممتلئ بمختلف النماذج البشرية والقصص.

في ظل محاولاتها المستمرة في فهم ما يدور به ومع المرضى تجد نفسها عاجزة عن إيجاد الإجابات أيضًا، وتستنتج أن بعض الإجابات قد تكون افتراضات فقط، وهي تودع زميلاتها وتخبرهم أن ما تكتبه في مذكراتها ليس صحيحًا، ولكنها مجرد افتراضات، وما فهمته عن الحياة هو كيف تحياها، قائلةً في أحد المشاهد:

«ربما كل من في الخارج كاذب، وربما العالم كله غبي وجاهل، ولكني أفضل أن أكون فيه» وذلك ما تستنتجه خلال رحلتها عبر المصحة.

يتكرر مع بطلة الفيلم الثانية (ليزا المريضة الأبرز) سؤال مرهق من الجميع «ما هي خطتك في الفترة القادمة؟» ولا تعطي أية إجابات واضحة، وهي حقًا لا تعرف ولا تخطط، يطرح الفيلم وروايتنا أسئلة كثيرة وتكون الإجابة أن بعض الأسئلة ليس بالضرورة توجد إجابة لها، حيث العالم ربما لن يعطيك الإجابات الواضحة أبدًا، لكنه قد يعلمك أشياء فعلية كما فعلت المصحة لسوزانا.

تجد أن النصيحة الأخيرة المشتركة بين الفيلم والرواية ألا ننتظر الإجابات، يجب أن نمر بالتساؤلات والتجارب؛ العالم أكثر تعقيدًا من أن نفهمه ونبتلع محتواه ككبسولة سحرية تعطينا الخلاصة، لكن المسيرة ستترك الكثير، كما جعلها تفعل تولستوي هو الآخر لبطل روايته بعد رحلة من الشك، والأسئلة، والظلم، والشر، والخير.

(سؤال «ما الذي تحمله الأفلام؟» أو «ما أهمية الأفلام» يشبه تمامًا سؤال «ما أهمية الحياة؟» هناك ببساطة حاجة للفرد يجب أن تتحقق، الحاجة لتجارب ذات مغزى، وقصص تثري حياته وتزوده بالمعرفة والحكمة وتدله أو تقربه من الأسئلة). – غيداء أبو خيران.

تحمل الأفلام والكتب والفنون المختلفة دلائل ربما صحيحة أو وهمية، لكننا ننتظر منها المتعة بالنهاية، أو خوض تجربة ما بها، والدلالة التي تركتها لدي رواية تولستوي أو الفيلم المقتبس من مذكرات سوزانا كيسن، أن نعامل الحياة كمان نعامل الفن؛ لأن الفن حياة بشكل أو بآخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد