كتب ابن خلدون عندما «تنهار الدول يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدَّعون، والكتبة والقوَّالون، والمتصعلكون وضاربو المندل وقارعوا الطبول والمتفيقهون وقارئو الكفّ والطالع والنازل، والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون.

تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط يضيع التقدير ويسوء التدبير وتختلط المعاني والكلام، ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل»!

هذه حالنا بعد أن أطاحوا ثورتنا فملأ النخاسون البر والبحر والجو الكل يتاجر بلحم الوطن وحلم المقهورين داخل الوطن.

سقطت ورقة التوت التي كانت تستر عورات الكثيرين ممن ظنناهم ثوارًا ومعهم هؤلاء الذين خرجوا بليل يتسترون خلف شعارات الحرية والوطنية بعد أن كانوا الساعد والمعول في هدم أول تجربة ديمقراطية بمصر، منهم من أعمته علمانيته وليبراليته عن تقبل وصول تيار إسلامي لسدة الحكم، ومنهم من لا يعرفون لهم مهنة سوى أن يكونوا أذنابًا لكل مرتدي بيادة، سواء كانوا في معسكر الشرعية، أو انقلابين، الكل يسرق ما تطوله يداه سواء بالتسول أو بقوة السلاح، أو التكسب والارتزاق، بالنهاية كلهم شركاء فيما وصل إليه حالنا من فقر وجهل وذل وبيع للوطن ومقدراته.

ويتم الآن وبالتدريج ومن خلال الإعلام تحريف بعض مبادئ الثورة ومسمياتها، فيستبدل بلفظ الثوار رافضي الانقلاب وصف معارضين ويتردد المسمى ليل نهار كنوع من التمهيد لإعلان خروج حزبيين للمعارضة من عباءة الشرعية كمحاولة لهدم آخر أحجار الثورة والشرعية.

وللأسف ظل كثيرون من رافضي الانقلاب يرون أن التهديد الوحيد الذي تعرضت له الثورة والثوار يتمثل بالعسكر وحدهم، بالرغم من أن هناك عدوًّا آخر أكثر خطورة من ذاك العدو الواضح بكل جرائمه وفحشه، هذا العدو الذي اندس بيننا وتخفى بثوب الصديق والشريك.

إن ظهور تلك الأحزاب المحسوبة على رافضي الانقلاب في هذا الوقت تحديدًا ليست مفاجأة بل على العكس تمامًا فهو الإجراء الوحيد المتوقع بتلك الظروف، خاصة مع وصول بايدن لرئاسة أمريكا فكان لا بد أن يتحرك عرَّابو الانقلاب المصري لإنقاذ ديكتاتورهم المفضل وليس ديكتاتور ترامب وحده، فما قدمه قائد الانقلاب بمصر من خدمات للصهاينة الذين يديرون العالم ربما يعادل ما قدمه بلفور لهم إن لم يزد.

ولكن كعادة الديكتاتوريين الذين لا يتمتعون بأي قدر من الرؤية والتفكير حيث يعميهم صلف القوة عن أي منطق أو فكر وهناك أمثلة كثيرة لديكتاتوريين حكموا العالم وكان جنون قوتهم سبب دمارهم فلم يستطيعوا أن يسيطروا على شره القتل والاعتقالات وتدمير مصالح واقتصاد دولهم مقابل مصالحهم الشخصية وثرواتهم فكانت النهاية الحتمية.

فوضع ديكتاتور الغرب المفضل ليس أفضل حالًا، بل على العكس فهو صورة صارخة للمعنى الحرفي لكلمة ديكتاتور أهوج استولى على السلطة بالقتل، ويحافظ عليها بعنفٍ أكبر، وهو ما يؤدي لخلق أعداء أكثر.

لذا تظل فكرة إمكانية طعنه من الخلف من أقرب الناس لديه مسيطرة عليه فأصبح يتخلص من أصدقائه وأعوانه كما يتخلص من معارضيه فزرع مع بدايات حكمه بذور نهايته.

ولهذا السبب يضع عرابو الانقلابات ورعاة الطغاة خاصة بمنطقتنا بدائل جاهزة لشغل المنصب، ويكونون عادةً بالقسوة نفسها ولكن بثوب أكثر تحضرًا وإنسانية للعين المجردة، هذا تمامًا ما جسده فيلم «آلة الزمن» لهربرت جورج ويلز، حيث يصل العابر بالزمن لسنة 800000 ق. م فيجد أن الأرض لم يعد بها سوى شعبين شعب الأيلوي وشعب المورلوك الذي يعيش تحت الأرض بصورة همجية ولكن يوفرون جميع الأجهزة للإبقاء على حياة «الأيلوي» الجميلة على السطح بهدف تربيتهم ثم أكلهم تمامًا مثل الماشية.

وهناك في هذا الزمن البعيد دار حوار بين العابر بالزمن وقائد المورلوك والذي يبدو أنه في غاية الرقي والأناقة فيستغرب كيف له أن يترك شعبه يأكلون البشر وهو في إمكانه منع ذلك التوحش؟

فيبتسم قائد المورلوك ويخبره بأنه يسيطر على توحشهم من أجل حمايتهم ومنعهم من افتراس الأيلوي فينتهي الغذاء ويهلكون جميعًا، بمعني أن يكون القتل والاكل مسيطرًا عليه ومخططًا ليستمروا في الحياة هنا السيطرة على الافتراس ليست حبًّا ورحمة ولكنها خوف على الشعب المفترس من الانقراض.

هذه هي السياسة نفسها التي ينتهجها الغرب مع طغاتهم، فكل من هؤلاء الحكام ما هو وحش تابع لقائد المورلوك المتحكم في القتل والافتراس، أما الطغاة الجالسين على العروش فلا بد لسيدهم أن يسيطر على توحشهم وإلا قضوا على كل الماشية، وبذلك يكتبون النهاية، ليس للفرائس فقط، بل وللوحوش أيضًا.

باختصار تلك الأحزاب التي ظهرت ونغمة حقوق الإنسان التي بدأ بايدن والغرب من خلفه يتحدثون عن أنها منتهكة، وكأن انتهاكها هذا بدأ بالأمس، ما هي إلا محاولة لإنقاذ الديكتاتور الجالس على الحكم ليبقوا على النظام من الانفجار الوشيك من الضغط الهائل المتوحش على الشعب، الحل ليس رحمة بايدن ولا إنسانيته فتلك الرحمة والإنسانية ليست لنا ولا أحزاب خرقاء ترتدي ثوبًا شفافًا فاضحًا يظهر من تحته جميع عوراتهم ويكشف حقيقة الثعلب المتخفي بملابس الجدة العجوز.

الحل ثورة الأرض، فهي القوة التي سترضخ كل الوحوش والضوء الساطع الذي سيجبرهم للعودة ليختبئوا بباطن الأرض.

فإما أن تصبحوا رجالًا ثائرين وإما أن ترضوا بأن تظلوا مجرد ماشية أيلوي جاهزة للافتراس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد