يشكل قطاع غزة قدرًا ضئيلًا جدًّا من فلسطين، حيث تبلغ مساحته 360 كيلومترًا مربعًا، ما يعني أقل من 1.5%  من مجمل مساحتها الكلية. ويضم تجمعات سكانية متقاربة نسبيًّا، ويزيد مجموعها قليلًا على مليوني نسمة. يسيطر الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي/مياه البحر الواقعة على حدود القطاع من ثلاث جهات، فيما يتشارك حده الجنوبي مع جمهورية مصر العربية. وبسبب ذلك، يبدو القطاع معزولًا عن بقية الجغرافيا الفلسطينية، كما يلعب بعد القطاع عن أقرب جغرافيا فلسطينية أخرى مأهولة، دورًا في تعزيز هذه العزلة.

يواجه قطاع غزة حصارًا مشددًا برًّا وبحرًا وجوًّا، منذ أن فازت حركة حماس بانتخابات عام 2006، وإذا كان جزء مهم من فضائه المطل على العالم الخارجي لا يخضع للسيطرة الإسرائيلية، فهذا يعني أن الحصار ينفذ بأيدٍ مشتركة عربية إسرائيلية. وهنا ينهض سؤال وجيه، ما الذي يسوغ هذا التكامل والتماهي العربي الرسمي/الإسرائيلي في الموقف تجاه غزة؟ هل المشكلة في المحاصَر أم في المحاصِرين؟ غني عن القول أن موقف الاحتلال يشكل معيارًا، وحكمًا منطقيًّا على المسأل؛ إذ لا يمكن أن تكون المشكلة في غزة، بل فيمن يحاصرها، نظرًا إلى أن الاحتلال من يقود هذا الحصار. لكن، لماذا يتشارك الاحتلال الإسرائيلي والنظام الإقليمي العربي تحديدًا في موقف موجه لطرف فلسطيني، وعلى أرض فلسطينية؟ وهل هناك ما يسوغ هذا التشارك؟

من الواضح جدًّا أن تشارك النظام العربي مع الاحتلال الإسرائيلي في حصار غزة، له أصل مرجعي، وذو علاقة بصلة كل منهما بالحقبة الاستعمارية. فالصهيونية التي أنتجت إسرائيل شريك مؤسس للحالة الاستعمارية الغربية في فلسطين، وبدون هذه الشراكة ما كان متاحًا للمشروع الصهيوني أن يحقق أهدافه فيها. وبانتهاء الحقبة الاستعمارية أواسط القرن المنصرم، باتت الصهيونية ممثلها الشرعي، القيم على إنفاذ أهدافها في المنطقة.

أما النظام العربي فهو بدوره وريث للحالة الاستعمارية إياها. في الواقع، لا يعيب النظام وراثته تلك، إذ لا بد للقوى الوطنية أن تحل محل قوى الاستعمار حين دحرها، أو خروجها طواعية. لكن ما يعيبه عدم رغبته بالاستدراك على لحظة الميراث، ورفضه الشديد لتجاوز شروطها وقيودها ومحدداتها، الأمر الذي حكم على النظام العربي بالشلل والعجز، وعدم الفاعلية حتى اللحظة، وهي الحالة التي تريح قوى الاستعمار وقاعدته المتبقية في المنطقة (إسرائيل)، وتوفر لها بيئة ملائمة للديمومة والبقاء. ذلك أن النظام العربي القائم على التجزئة والتفرق والتناحر، لم يجب عن سؤال هويته الاجتماعية والسياسية، وأين يقف في ميدان التدافع الحضاري، وما هي مصادر هويته الثقافية، فباتت هجينة، وتعاني الغربة والانقسام، والانفصال عن الواقع، وتعكس بوضوح مرحلة الهزيمة والتيه والضياع.

كما لم يجب عن سؤال أمنه القومي، وكيف يشخصه، وما هي السبل الكفيلة بتحقيقه واقعًا، ولم يحدد وظيفته وأهدافه التي يسعى لإنجازها، وإن بدا عمليًّا أن الحفاظ على ميراث الحقبة الاستعمارية أهم وظائفه، ومسوغ وجوده على الخريطة. جعل كل ذلك من النظام العربي حالة هلامية، وغير واضحة الشخصية، حيث لا يؤهلها ذلك أن تصنع تناقضًا واضحًا مع الاحتلال، والدليل على ذلك أنه لا يمكن لأي قوة أن تزرع قاعدة متقدمة لها في قلب مجال آخر يمثل نقيضًا خالصّا، وطالما أنها فعلت (القوى الغربية) كما هو الحال مع إسرائيل، فإن هذا يدل على أن النظام العربي الذي ورث الحالة الاستعمارية، لا يتناقض جوهريًّا ووجوديًّا مع المشروع الصهيوني.

كان يتعين على النظام العربي التعاطي مع الحالة (وراثة الحقبة الاستعمارية) بوصفها مرحلة انتقالية، تمهد الطريق لمرحلة أخرى مختلفة، وتفترق كليًّا عن الميراث الاستعماري، وتؤسس لنظام متصالح مع ذاته وقيمه الخاصة، بحيث يطرح نفسه ندًّا للآخر لا تابعًا له، وصاحب مهمة رسالية كبرى، لا مجرد رقم هامشي في منظومة السياسة الدولية، وهو أمر كان يعني حال حدوثه، الوقوف على طرف نقيض مباشر وحقيقي مع المشروع الصهيوني، وطالما أن ذلك لم يحدث، فالبديل عندها يكون عبر التماهي مع الواقع القائم، والقبول التدريجي بالاحتلال، وهو ما كان ولا يزال.

وهي حالة تصنع فجوة حتمية بين النظام، وأي قوة ناشئة تتبنى مواقف تتناقض جذريًّا مع الاحتلال، ويشكل ذلك في الواقع أكبر مظاهر الاختلال في معادلة الصراع؛ إذ يتراوح موقف العمق الإستراتيجي الرسمي العربي المفترض للقضية الفلسطينية بين الحياد، والاصطفاف المضاد.

وتمثيلًا لذلك، فقد حدث أول صدام بين حركة فتح كمكون فلسطيني يعلن التناقض التام مع الاحتلال، وبين النظام العربي قبل عقود، بل إن فتح قد ناصبت منظمة التحرير الفلسطينية العداء في سنيها الأولى (إلى حين) معتبرة أنها صنيعة النظام العربي، إلى أن تم تدجينها وإدخالها بيت طاعة النظام العربي عبر بوابة أوسلو، حيث غدت السلطة المنبثقة عنه، أقرب لتمثيل النظام العربي في فلسطين في هيكليته وأدواره الوظيفية، منها لتمثيل الحق الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

لكل ذلك، لا تخفى نقاط الالتقاء، ولا تكاد تظهر الفوارق بين إسرائيل (الشريك/الممثل) للحالة الاستعمارية، والنظام العربي (الوريث للحالة/ الحارس لموروثها). إن شكل العلاقة بين الشريك الممثل والوريث الحارس، لا تخرج عن توليفة قبول الثاني بما يقرره الأول – ورديفه الدولي – لشكل السياسات والسقوف والمحددات، التي يتعين على كل لاعب سياسي الالتزام بها، وهو ترتيب راسخ وسائد، يقرر لحاضر المنطقة، ويرسم مستقبلها، وفقًا لما يراه منظرو المشروع الصهيوني.. وما كان لأحد أن يتجاوزه، وفي ذلك، تعبير واضح عن قوة الدفع السياسي الاستعماري الذي لا يزال صانعًا للسياسات في المنطقة.

رأى الاحتلال الإسرائيلي وداعميه أن غزة تجسد حالة نُسجت على غير منوال النظام العربي، وتحاول أن تشب عن الطوق، وتغرد خارج السرب، ولذلك فقد كان لا بد أن توضع أمام الاختبار، فكانت شروط الرباعية الدولية، في العام 2006، والتي تطالب حركة حماس بالاعتراف بإسرائيل، ونبذ (الإرهاب) والاعتراف بالاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير مع إسرائيل، وبرفضها للشروط أثبتت أنها خارج معادلة التبعية والمسايرة، التي ينتهجها النظام العربي تجاه القوى الاستعمارية الغربية، وهكذا بدأ الحصار، بمشاركة النظام العربي الذي يعتبر أن رفض قوى صغيرة للقواعد التي تعايش معها ردحًا من الزمن، ولا يزال يعريه، ويفقده شرعية البقاء في نظر الشعوب، وبدلًا من انتهاج سياسة مغايرة لما اعتاد عليه، تراه مصرًّا على الوفاء للميراث الاستعماري، الذي يرى فيه مدخلًا لبقائه السياسي.

لذا، فمن غير الوارد انتقال النظام في علاقته مع المنظومة الاستعمارية، من حال المسايرة لحال الندية، لأن ذلك ليس في صالحه، وحتى لو كان في مصلحة الأمة. ولكل ذلك، فإنه عندما ينقلب سحر محاصري غزة على الساحر، وتحين لحظة كسر الحصار رغمًا عن المحاصِرين، فإن تداعيات ذلك لن تكون من نصيب الاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل ستطال أيضًا من يشاركه لعبة الساحر، أولئك الذين يمثلون الحديقة الخلفية لمشروع صهيون، تعرف الشعوب منهم وتنكر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد