من منا لا يرغب في أن يمتلك قوامًا ممشوقًا ويمارس التمارين الرياضية بشكل يومي، ويتمنى لو يستطيع تربية أطفال رائعين، أو حتى التوقف على سلوكيات غير محببة مثل التدخين أو إدمان تصفح مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من العادات.

فالأغلب منا يعلم الصواب أو الخطأ في سلوك ما. فالسؤال المطروح هنا لماذا نفعل ما نفعل في حياتنا الشخصية والعملية؟

إذا رصدنا أفعالنا خلال يوم واحد فإن 40% من أفعالنا هي عبارة عن أفعال مكررة، والسبب يعود بأن العقل الإنساني يحاول أن يقلل الجهد المبذول، ويوفر طاقة من خلال ربط الأفعال بعادات مكررة لكي لا يحتاج أن يفكر في السلوك من جديد.

هذا ما أكده تشارلز دويج في كتابه (قوة العادات) مستندًا على أبحاث ودراسات أقيمت على أفراد ومجموعات من خلال مراقبة أعمالهم بشكل يومي ولفترات زمنية محددة.

ويروي قصة سيدة تدعى ليزا؛ وهي سيدة تبلغ من العمر 34 عامًا قد تم اختيارها كعينة بحثية في بحث يختص بالأشخاص الذين نجحوا بالتخلص من عادات مدمرة في حياتهم.

وحينما سألها الباحث كيف تخلصت من التدخين يا ليزا؟

فتجيب ليزا: بأنها شعرت بالحزن والأسى الشديد عندما قال لها زوجها بأنه سوف يتركها؛ لأنه وقع في غرام امراة أخرى، وفي لحظةٍ واحدةٍ، أصبح كل شيء أرادته في ما مضى قد انهار أمامها، وأصابها الاضطراب والحزن، وبخطوة لم يكن مخططًا لها مسبقًا قررت أن تسافر إلى مدينة القاهرة لقضاء إجازة قصيرة هناك.

وهناك فكرت بعمق وتأمل كيف لامرأة صارعت إدمان التدخين، والسمنة المفرطة طيلة فترة مراهقتها حتى هذا الوقت، ولم تنجح أبدًا بالتوقف؟

ونظرت إلى تلك المرأة المسكينة التي تركها زوجها من أجل امراة أخرى، ومع هذا كله تتراكم عليها الديون المالية وهي مهددة بالطرد من عملها بأية لحظة.

فانفجرت في بكاء هستري وهي متأملة ما يحدث معها، مشفقة على حالها، ومن ثم لملمت أحزانها ومسحت دموعها، ووقفت باستقامة محددةً هدفًا جديد في حياتها، وهو أنها سوف تعود إلى هذه المدينة مرة أخرى، (مدينة القاهرة) ولكن بليزا جديدة. وأول قرار كان هو الإقلاع عن التدخين لتحقيق هدفها المرجو.

فتجميد هذه العادة، عادة التدخين ،أثار سلسلة من التغيرات التي ألقت بظلالها على كل جانب من جوانب حياتها، أصبحت ليزا تقوم بالركض البطيء بدلًا من التدخين عندما تشعر بالرغبة في التدخين، وأدى ذلك إلى تغير نوعية طعامها وساعات نومها وعملها، وقدرتها على توفيرها المال، وتنظيمها لأيامها العملية والتخطيط للمستقبل.

لقد كان العلماء مقتنعين بأن سبب التحول لم يكن الرحلة إلى القاهرة، أو الطلاق لقد كان السبب هو، تركيز ليزا على تغير عادة واحدة فقط عادة التدخين واستبدلها برياضة المشي السريع.

إن التركيز على نمط واحد، هذا ما يعرف باسم العادة الأساسية، ولدى ليزا العادة الأساسية هي (تدخين السجائر) وقد استبدلت بها عادة جديدة هي الركض البطيء وأدى هذا إلى إعادة برمجة الأمور الروتينية لديها.

إذا يمكن تعريف العادة بإنها : الفعل أو السلوك الذي يقوم به الإنسان بانتظام وبدون تفكير تقريبًا، وإن لهذه العادة مكونات ثلاث.

فما هي مكونات العادة؟

أولًا الإشارة أو المحفز: وهو كل ما يشير إليك لعمل شيء ما، وقد تكون الإشارة داخلية من ذاتك شعور معين مثلا أو سلسة من الأفكار، أو تكون الإشارة خارجية مرتبطة بأشخاص أو أماكن.

يمكن أن نقول بأن الإشارة أو المحفز الذي جعل ليزا تتوقف عن التدخين هو شعورها بالحزن والاضطراب.

أما العنصر الثاني من مكونات العادة هو الروتين: وهو قيامك بالفعل بشكل لا شعوري، إن قيامك بسلوك أو فعل ما بحاجة إلى تكرار هذا الفعل عدة مرات، ليتحول السلوك إلى روتين.

بعض العلماء يقولون من أجل تحويل السلوك إلى روتين أنت بحاجة لمدة 14 يومًا تقريبا. فالروتين لدى ليزا المشي السريع بدلًا من التدخين.

أما العنصر الثالث والأخير المكون للعادة، هو المكافاة: أي أن تكافئ نفسك على روتين، ممكن أن نقول المكافأة الآنية لليزا بعد ذهابها للمشي البطيء، الاستماع إلى أغنية تحبها في ذلك اليوم.

علينا أن ندرك أهمية العادات في حياتنا وأن تغير عادة ما أو إضافة عادة جديدة، وهذا ليس بالأمر السهل لذا عرفنا ما هي العادة ومم تتكون العادة.

بعد أن تراقب سلوكك بعمق ووعي يمكن أن تغير جزءا من عادتك، عندما تريد أن تغير أو حتى تكتسب عادة جديدة لا تعتمد على حماسك.

فهو مفيد في البداية فقط لا بالاستمرارية لأن الحماس مرتبط بالعاطفة، هذا ما أكده استفين غابز في كتاب mini habits.

حيث يقول إن العادات الصغيرة هي نسخة صغيرة جدا من العادات التي تود اكتسابها بالفعل، فمثلا ممارسة الرياضة لخمس دقائق يوميا بدل 30 دقيقة. مؤكدا ذلك بعد تجربته الشخصية بأن هنالك مميزات في هذه الطريقة.

1- كسر حاجز البدء /ابدا الآن.

2- يسهل عليك الاستمرارية /فالأمر بسيط لا تتوقف.

3- اكتب عاداتك الصغيرة ووقت التنفيذ مثال شرب كوب واحد من الماء عند الاستيقاظ من النوم.

4- متابعة انتظامك في عادتك الصغيرة الجديدة من خلال جدول تقيم به نفسك.

5- لا تخجل من عاداتك الصغيرة لعدم قدرتها على التغير بشكل سريع.

وأخيرًا هنالك العديد من الكتب والمقالات التي تحدثت عن العادات وأهميتها، ومدى تأثيرها في الصحة النفسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية لدى الأفراد والشركات وحتى الدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد