تنتشر حول العالم الآن موضة تناول الطعام العضوي حتى أفردت له كبرى الأسواق والمتاجر مساحات واسعة، في ظل تهافت كثير من الناس عليه. أضف إلى هذا الكثير من الإعلانات والدعايات التي تؤكد على أهمية هذه النوعية من الطعام وفوائدها للصحة.

إذا ما صادفت في أحد المتاجر الكبرى ذلك القسم المخصص من أجل الطعام العضوي، ربما ستجد بعضًا من اللوحات التي تؤكد على الفائدة الصحية الكبيرة لهذه الأطعمة. ربما تجد هذه اللوحات تستشهد بأن الدراسات العلمية أظهرت أن هذا المنتج كان مغذيًا بدرجة أكبر من الأصناف العادية.

هذا الكلام نجده يتردد في عشرات الصحف، والمقالات الإخبارية، والإذاعة والتليفزيون، وبالطبع، المواقع الإلكترونية المخصصة للطعام. إذا كنت من المتابعين المتعطشين لمتابعة أخبار الطعام والصحة، فقد تبدو هذه الدراسات الجديدة التي تظهر كل بضعة أشهر مثيرة، وتمثل إضافات تراكمية لما سبقها، وكله يصب في التأكيد على أهمية الطعام العضوي.

لذلك فوسط كل هذه الضجة الكبيرة دعونا نلق نظرة فاحصة على ما يقوله العلم عن الطعام العضوي وفائدته، حتى الآن.

في البداية.. ما هو الطعام العضوي؟

الطعام العضوي هو الأغذية التي تنتج بطرق تتوافق مع معايير الزراعة العضوية. تختلف هذه المعايير في جميع أنحاء العالم، ولكن الزراعة العضوية تتميز بالممارسات التي تعمل على تدوير الموارد وتعزيز التوازن البيئي والحفاظ على التنوع البيولوجي.

قد تحد المنظمات التي تنظم المنتجات العضوية من استخدام بعض مبيدات الآفات والأسمدة في أساليب الزراعة المستخدمة لإنتاج هذه المنتجات. كما أنه لا تتم معالجة الأغذية العضوية عادة باستخدام المذيبات الصناعية أو المضافات الغذائية الاصطناعية.

Embed from Getty Images

(ينتشر الطعام العضوي الآن في كثير من المتاجر)

يطلب كل من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، واليابان، والعديد من البلدان الأخرى من المنتجين الحصول على شهادات خاصة لتسويق طعامهم كغذاء عضوي. وعلى الرغم من أن إنتاج الحدائق المنزلية قد يكون في الواقع عضويًا، إلا أن بيع المواد الغذائية التي تحمل ملصقًا عضويًا يخضع للتنظيم من قبل سلطات سلامة الأغذية الحكومية، مثل البرنامج العضوي الوطني التابع لـ«وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)» أو المفوضية الأوروبية.

من منظور بيئي، قد يؤثر التسميد والإفراط في الإنتاج واستخدام المبيدات في الزراعة التقليدية سلبًا على النظم الإيكولوجية والتنوع البيولوجي والمياه الجوفية ومياه الشرب. وتهدف هذه القضايا البيئية والصحية إلى التقليل أو تجنبها في الزراعة العضوية. ومع ذلك فإن نتائج الزراعة العضوية قد لا تنتج مثل هذه الفوائد؛ لأن الزراعة العضوية لها تكاليف إنتاج أعلى وناتج أقل، وتكاليف عمالة أعلى، وأسعار المستهلك أعلى.

الدراسات حول الطعام العضوي متضاربة

إذا كنت ممن يعرفون أماكن البحث في المجلات الأكاديمية بشكل جيد، فسيظهر لك أن هناك الكثير من الأدلة الجيدة التي تشير إلى أن بعض المحاصيل المزروعة بشكل عضوي يمكن أن تكون أعلى في تركيز بعض الفيتامينات والمعادن. الأمر الصعب هو أن هناك الكثير من الدراسات التي تشير إلى أن العكس هو الصحيح.

وكلما بحثت وتعمقت أكثر في الدراسات، كلما زاد التشويش وزاد التعارض حول الإجابة التي تبحث عنها لهذا السؤال البسيط: هل الطعام العضوي مفيد بالفعل؟ هناك سبب وجيه جدا لهذا الالتباس.

تخيل أنك عالم يحاول حل هذا اللغز حول مدى جدوى الطعام العضوي. يمكنك على سبيل المثال، شراء مجموعة من الفواكه والخضروات، التي تزرع بطريقة عضوية أو بالطريقة العادية. بعد ذلك ستقوم باختبار محتوى المواد الغذائية في هذه المحاصيل ومقارنة النتائج.

هذا النوع من المقارنات بين الشيء ومقابله، يفترض أن يعكس بشكل واقعي أكثر الخيارات المتاحة للمستهلكين، أليس كذلك؟ لكن هنا تكمن المشكلة: هذه ليست مقارنة مماثلة على الإطلاق. أصناف المحاصيل التي يزرعها المزارعون العضويون ليست في الغالب كتلك التي يزرعها المزارعون التقليديون.

«قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت».. كيف كان طهي الطعام ملازمًا للتطور البشري؟

النباتات تختلف ولو كانت من المكان نفسه

نظرًا لأن علم الوراثة يميل إلى أن يكون العامل الرئيسي الذي يحدد التركيب الكيميائي للمحصول، فإن الحمض النووي الفريد من نوع واحد يمكن أن يؤدي إلى تشكيلات جانبية مغايرة مختلفة تمامًا عن المحصول الآخر، حتى لو كنت تزرعه تحت نفس الظروف بالضبط.

قد يبدو شكل ومذاق رأس الخس متطابقًا تقريبًا مع مجموعة متنوعة أخرى تزرع بجانبه، لكن مستويات المغذيات مثل «فيتامين أ» يمكن أن تختلف بمقدار 20 مرة. كل ثمرة لها تفردها في الشكل والطعم والمكونات حتى لو كانت مزروعة في التربة والظروف نغسها. ألم تتذوق من قبل مشمش، ولاحظت أن الثمرة الأولى كانت حلوة بينما الثانية كان بها بعض الطعم اللاذع؟

لا يمكن مقارنة الأغذية العضوية بالأغذية العادية بهذه البساطة

من المحتمل أن تختلف الأغذية العضوية والتقليدية الموجودة على أرفف السوبر ماركت بطرق هامة أخرى أيضًا. غالبًا ما تزرع في مناخات مختلفة جدًا، بل إن بعضها يزرع في قارات مختلفة، حيث تختلف كيمياء التربة من مكان لآخر، بالإضافة لاختلاف مستويات الري ودرجات الحرارة المحيطة والتعرض لأشعة الشمس، والتي ثبت أنها تؤثر بشكل كبير على التركيبة الغذائية للمحاصيل.

أثبتت الدراسات أن هذا يمكن أن يتسبب في اختلافات حتى في النبات نفسه. من الممكن أن تمسك تفاحتين من الشجرة ذاتها، لكن ستجد بهما مستويات مختلفة من المواد الغذائية، بل إن حتى وجهي نفس الثمرة سيختلفان في الطعم أحيانًا وفي تركيز المواد الغذائية.

كل هذه الاختلافات نلاحظها حتى قبل أن نصل إلى كيفية تأثير تخزين المحاصيل ونقلها وعرضها على تركيز المواد الغذائية فيها. على سبيل المثال، نحن نعلم أن مجرد التعرض لأضواء الفلورسنت في محلات السوبر ماركت يمكن أن يؤدي إلى أن يصبح محصول السبانخ غني بالفولات و«فيتامين ك» بنسبة تصل إلى الضعف مقارنة مع المحصول المخزن في الظلام.

هذا لأنه حتى بعد الحصاد، تظل الفواكه والخضروات الطازجة حية وتتفاعل دائمًا مع بيئتها، تمامًا كما تفعل النباتات في الحقل. ما يخلق مجموعة معقدة للغاية من المتغيرات التي يكاد يكون من المستحيل السيطرة عليها.

Embed from Getty Images

(الطعام العضوي لا يختلف كثيرًا عن الطعام التقليدي)

كيف نحل هذه المعضلة إذًا؟

بالنظر إلى هذا الكم من الأدلة، ما نحتاج إليه حقًا هو فريق من محبي الأرقام الذي يتجولون في مئات الأوراق البحثية الموجودة في المجلات الأكاديمية لمعرفة ما إذا كان يمكنهم العثور على نمط ذي معنى في البيانات. لحسن الحظ جرى مواجهة هذا التحدي الهائل ليس مرة واحدة فقط، ولكن على الأقل ثلاث مرات في الأبحاث الأكاديمية المنشورة.

ماذا وجدوا؟ حسنًا، عندما يتعلق الأمر بالفيتامينات والمعادن، فقد أبلغوا جميعًا أنه: «لا يوجد فرق كبير في هذه العناصر الغذائية الأساسية بين الأغذية العضوية والمنتجات التقليدية».

في حين أن إحدى هذه المراجعات ذكرت أن المحاصيل المزروعة عضويًا لديها، في المتوسط​​، مستويات أعلى بنسبة 60% من بعض مضادات الأكسدة (وهي نتيجة انتشرت بحماس كبير في الصحافة، من قبل المسوقين وحتى في البيان الصحفي للجامعة التي استضافت الدراسة)، إلا أنها وجدت أيضًا أن الأغذية العضوية كانت أقل في الألياف والبروتينات والنترات الغذائية التي يحتمل أن تكون مفيدة.

هذا الاكتشاف الأخير، ربما بشكل مفاجئ، لم يجذب المستوى نفسه من التغطية الإعلامية. هذا الأمر يجعلنا نتعامل بحرص مع طريقة التغطية الإعلامية للأبحاث التي تؤكد أو تنفي أهمية منتجات معينة.

هناك العديد من الأسباب التي تجعلك ترغب في الذهاب إلى الأغذية العضوية. ولكن بالنظر إلى الطبيعة المعقدة والمتناقضة في كثير من الأحيان للأدلة حتى الآن، من المستحيل الادعاء بأن الفاكهة والخضروات المزروعة عضويًا تمثل تلقائيًا اختيارًا متميزًا من الناحية الغذائية دون دراسات أعمق وأكبر تدعم هذه السرد، خصوصًا في ظل تجاهل الأدلة على العكس من ذلك.

الخلاصة هنا هو أن الطلب على الأغذية العضوية مدفوع في المقام الأول بمخاوف المستهلكين بشأن الصحة الشخصية والبيئة. من وجهة نظر العلم والمستهلكين، لا توجد أدلة كافية في البحاث العلمية والطبية لدعم الادعاءات بأن الغذاء العضوي إما أكثر أمانًا أو صحة للأكل من الأغذية التقليدية.

إذا كنت من محبي الطعام.. 6 تطبيقات مذهلة ستضع اللمسة السحرية على وجباتك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد