منذ عام 2007 وحتى اللحظة الحالية أقامت إسرائيل حصارًا اقتصاديًّا خانقًا على قطاع غزة، والذي يعد شكلًا من أشكال الحرب على القطاع ومقاومته، رغم أنه -الحصار- لم ينجح في إنهاء حكم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» على القطاع، أو إنهاء إطلاق الصواريخ من القطاع، والذي بات يهدد الكيان من شماله إلى جنوبه. 

لكن على جانب آخر، يظل هذا الحصار الاقتصادي ناجحًا في إفقار القطاع وإنهاك حكمه بشكل مستمر، وجعْل الحياة صعبة جدًّا على أبناء الشعب الفلسطيني قاطني القطاع؛ بالإضافة إلى إبقاء حياته اليومية معتمدة بشكل كبير على حركة المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل، وأيضًا على دخول المساعدات الخارجية عن طريق الاحتلال أو بموافقته على الأقل.

تستخدم إسرائيل هذه الأدوات بوصفها عصا عقاب جماعي تارة، وهي تلوح بها بوصفها مكافأة لأهل القطاع إذا ما تمرَّدوا على حكم حماس في القطاع، أو ثمنًا للهدوء على حدودها الجانبية على الأقل. 

Embed from Getty Images

وليس هذا السلوك غريبًا على القوى الاحتلالية والاستعمارية؛ فدائمًا ما كان الاقتصاد في قلب العلاقات الدولية وقت الاستعمار المباشر، أو في الوقت الحالي الذي يشهد هيمنة غربية دون أن تكون استعمارية مباشرة؛ ما عدا آخر حالة استعمارية تقليدية يمثلها الكيان الإسرائيلي في فلسطين. 

في حالة الاستعمار المباشر التقليدي يكون هدف هذا الاستعمار اقتصاديًّا وسياسيًّا للسيطرة على الموارد الطبيعية والبشرية، ومختلف مقدَّرات الدول المستَعمرة، ومن أجل الحفاظ على هذا الاستغلال للمستَعمرات؛ يجب الإبقاء على شعوبها متخلفة وممنوعة من تحقيق أي نوع من أنواع السيادة، والتي منها بالطبع الاقتصادية، والاستعمار بشكله الحديث أيضًا يحتاج لهذه الآلية نفسها، وإن تغير شكل الاستغلال. 

في حالة إسرائيل الأمر مختلف؛ فالكيان لا يوجد دون احتلاله لفلسطين، ووجوده فيها معتمد على إخراج شعب من مكانه، وإحلاله بيهود العالم للبقاء، لا استغلال المكان وسكانه لمصلحة دولة موجودة أصلًا في خارج هذه الرقعة الجغرافية من العالم.

لكن الهدف الثاني للاستعمار ما زال مشتركًا بالنسبة للكيان، فهو يحتاج إلى سيطرة اقتصادية على من تبقى من سكان فلسطين داخلها، وطبعًا يحتاج إلى نفوذ اقتصادي على المنطقة كلها للتمكن من التحكم بهؤلاء السكان، وجعلهم «رعايا» مطيعين، وغير قادرين على الانتفاض ضد الاحتلال أو إفشال مخططاته.

ولأنه، لا تستطيع أي دولة في العالم أن تعيش في حالة حرب عسكرية مستمرة ودائمة، فهي تحتاج إلى هندسة المجتمعات التي تسيطر عليها بشكل يسمح لها بتحقيق أهدافها، فكيف حاولت إسرائيل هندسة المجتمع الفلسطيني؛ وخصوصًا من حيث الاقتصاد بحيث تستطيع التحكم ولو جزئيًّا بالشعب الفلسطيني؟ وكيف يمكن العمل من حيث الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني على معاكسة تأثير السياسات الإسرائيلية؟ 

من النكبة إلى الانتفاضة الأولى.. مختصر تاريخي لاقتصاد المواجهة

عندما وقعت نكبة الشعب الفلسطيني، انفصلت الأراضي التي كانت طوال عمرها متكاملة معًا إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يسيطر عليه الكيان الإسرائيلي، وفيه كبرى المدن الفلسطينية مثل يافا وحيفا وجزء من القدس، بالإضافة إلى غالبية المنافذ البحرية، وقسمين ظلا تحت سيطرة عربية، لكن أحدهما ضُمَّ لاحقًا إلى الأردن وهو ما بات يعرف باسم الضفة الغربية لنهر الأردن، والآخر أصبح تحت سيطرة حكومة عموم فلسطين، التابعة للإدارة المصرية.

Embed from Getty Images

يقول الباحث في التاريخ الفلسطيني أ. عوني فارس، خلال حديثه إلى «ساسة بوست»، إن النكبة ومفاعيلها أطاحت الاقتصاد الفلسطيني، وفصلت الضفة الغربية عن قلب فلسطين ومراكزها التجارية، كما أن اقتصاد الضفة والقطاع أصبح منهكًا بتدفق اللاجئين إليهما.

ويضيف السيد عوني فارس أن أراضي فلسطين التي احتُلَّت عام 1948 احتوت على 10 مدن كبرى بالنسبة لفلسطين، وهي التي احتوت على أهم البنى الاقتصادية والاجتماعية، بينما لم تكن الضفة الغربية ومدنها إلا هامشية في ذلك الوقت، ومعتمدة على التكامل مع اقتصاد «مركز الاقتصاد الفلسطيني» في الأراضي المحتلة عام 1948. 

حتى نابلس؛ والتي تعد أحد أهم مدن الضفة الغربية اليوم، لم تكن وقتها إلا مدينة طرفية، داخل منطقة طرفية «periphery within a periphery». تسببت النكبة بحالة انهيار في المجتمع الفلسطيني، ولم يتبق بحسب أ. فارس إلا مؤسسات ما قبل الدولة للتعامل مع الحالة الجديدة. 

كما أن الشعب الفلسطيني واجه أزمة تمثيل لمكوناته؛ فمن وقعوا تحت الاحتلال الإسرائيلي أصبحوا عمليًّا ضمن اقتصاده، ومن كانوا في الضفة الغربية أصبحوا يتبعون الأردن، وأهل قطاع غزة وقعوا تحت الإدارة المصرية، ولم يبق للشعب الفلسطيني كيان يمثله بشكل مستقل، رغم وجود جهات كان يمكن لها القيام بهذا الدور قبل النكبة؛ مثل المفتي أمين الحسيني، وتنظيم الجهاد المقدس بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني

ومن هذه النقطة بدأ تفكك بنى المجتمع الفلسطيني الاقتصادية وتشظيها، واستكملت الظروف الأمر؛ بجعل الضفة الغربية طرفًا لاقتصاد مركزه عمَّان، وكذلك حصل في قطاع غزة الذي تديره مصر، ولم يكن هنالك مجال أصلًا لقيام اقتصاد مركزه الضفة الغربية؛ نظرًا إلى عدم وجود مقومات اقتصاد حقيقي ومركزي في الضفة الغربية؛ لكن الظروف صبت النار على الزيت. 

لم يحصل شيء مهم خلال فترة العقدين قبل النكسة؛ والتي خسر فيها العرب السيطرة على كل من الضفة والقطاع، مع سيناء والجولان أيضًا، لتصبح أراضي فلسطين التاريخية كاملة تحت السيطرة الإسرائيلية.

إدماج اقتصاد الضفة والقطاع بالكيان الإسرائيلي

بخلاف أراضي فلسطين المحتلة عام 1948؛ كانت أراضي الضفة والقطاع معترفًا بها دوليًّا بوصفها أراضيَ محتلة من قبل الكيان، ولم يكن ممكنًا إخراج أهل الضفة الغربية والقطاع بالطريقة نفسها التي جرى بها إخراج الفلسطينيين في النكبة، فكان على الكيان إدارة أهالي الضفة والقطاع بشكل ما.

Embed from Getty Images

بصرف النظر عن تفاصيل انتقال إسرائيل من الإدارة العسكرية إلى الإدارة المدنية، وبعض تفاصيلها التي تبين أن إسرائيل لم تكن تمتلك خطة واضحة ومسبقة للتعامل مع المناطق المحتلة بعد عام 1967، لكن الصورة العامة التي شهدتها هذه المناطق منذ النكسة وحتى عشية الانتفاضة الأولى هو محاولة دمج هذه المناطق في الاقتصاد الإسرائيلي، وجعلها تابعة لاقتصاد الكيان. 

وعليه، عمل الاحتلال على ثلاثة محاور

  1. إعادة بناء شبكات النقل والمواصلات والكهرباء والمياه؛ لتصبح متكاملة ومعتمدة على إسرائيل.
  2. فتح سوق العمل الإسرائيلية أمام الفلسطينيين؛ مع محاولة منع وجود سوق عمل فلسطينية داخلية ومستقلة، بحيث يجبر الاحتلال الفلسطينيين على ترك العمل في أرضهم، والتوجه نحو العمل بمقابل أكبر في السوق الإسرائيلية، لكن بمرتبات أقل مقارنة بالعامل الإسرائيلي. 
  3. تكامل الأسواق؛ بحيث تشتري إسرائيل البضائع الفلسطينية، ويشتري الفلسطينيون البضائع الإسرائيلية، ولكن الاعتماد من جهة واحدة؛ فبينما تستطيع إسرائيل التخلي عن البضائع الفلسطينية وشراءها من مكان آخر، وإن بسعر أعلى مثلًا، لا يستطيع الفلسطينيون توفير بديل عن غالبية البضائع الإسرائيلية.

يقول الباحث في الاقتصاد د. علي القادري في «نظرية الهجرة القسرية للعمالة» إن الاحتلال عمل على مصادرة الأرض، ومنع تطور القطاعات الاقتصادية، وخلق فائض في العمالة الفلسطينية ممن لا يملكون إلا قوة عملهم، ممهدًا بذلك للمرحلة التالية. 

وأنتج الواقع الجديد في الأراضي المحتلة فرقًا هائلًا بين رواتب العاملين في مختلف الوظائف في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ والرواتب التي يقدمها الاقتصاد الإسرائيلي، والتي تعتمد بالدرجة الأولى على الجهد البدني.

Embed from Getty Images 

يقول د. أحمد العطاونة، مدير «مركز رؤية للتنمية السياسية»، في مقابلته مع «ساسة بوست»، إن أجور العاملين في الداخل الفلسطيني المحتل كانت أضعاف أجورهم في وظائف لا علاقة لها بالاحتلال؛ فقد يصل الأجر إلى أكثر من 50 دولارًا في اليوم الواحد؛ في واقع اقتصادي غير جيد في هذه المناطق.

فيما يذكر علي القادري في بحثه أن نسبة البطالة الحقيقية في الضفة الغربية كانت تصل إلى 50%، ولم يكن خيار العمل الحقيقي للفلسطينيين موجودًا خارج إسرائيل، كما أن الكيان بدوره كان محتاجًا لهذه العمالة الرخيصة – مقارنة بمعيشة المستوطنين في الكيان.

جدير بالذكر الاقتصاد الإسرائيلي نما بمعدل 10% بين عامي 1968 و1974، وكان نمو قطاع الإنشاءات جزءًا مهمًّا من ذلك، واحتاجت إسرائيل التي يمتلك مستوطنوها درجة عالية من التعليم ومهارات العمل، اللجوء لخزان بشري هائل من العمالة التي لا يراد لها التطور أصلًا في المناطق المحتلة، واستغلال قوة عملهم لمصلحة الاقتصاد الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه، ليصبح ذلك جزءًا من أدوات سيطرة الكيان على الفلسطينيين. 

يقول د. أحمد العطاونة في حديثه معنا، إن الحافلات الإسرائيلية كانت تدخل يوميًّا كل قرية في الضفة الغربية والقطاع الغاز لحمل مواطنين فلسطينيين للعمل في الداخل، عدا عن المركبات الخاصة التي كانت تنقل هؤلاء العمال في مجالات الإنشاءات والزراعة وبيع التجزئة، وذلك قبل اتفاقية أوسلو.

وكي تستطيع إسرائيل ضمان استمرار هذه العملية؛ كان عليها أن تضمن عدم تطور اقتصاد الضفة الغربية والقطاع، حتى لا يكون هناك بديل عن التكامل مع الاقتصاد الإسرائيلي، فبربط حياة الفلسطينيين بالاحتلال يضمن الكيان الطاعة بشكل عام من قبل أهل فلسطين، ويضمن أنه يمتلك عصا ربما تكون أكثر فاعلية من القوى العارية في وجه أهل الأرض المحتلة. 

على جانب آخر، كان الفلسطينيون معتمدين في أسواقهم بدرجة كبيرة على المنتجات الإسرائيلية؛ نعم كان هنالك شراء للمنتجات الفلسطينية أيضًا بحسب د. أحمد العطاونة، لكن كان اعتماد الفلسطينيين على المنتجات الإسرائيلية صعب الاستبدال أو مستحيلًا، بينما لم يكن الوضع كذلك بالنسبة للكيان وشرائه من فلسطين؛ رغم استفادته من ذلك.

Embed from Getty Images

أما الاعتماد الأساسي من قبل إسرائيل على فلسطين، فكان ينحصر في العمالة الفلسطينية، لكن بكل الأحوال كانت استفادة الفلسطينيين المادية من هذه العمالة أكبر بكثير من الاستفادة الإسرائيلية، وإن كان هؤلاء العمال ضروريين جدًّا في الاقتصاد الإسرائيلي.

رغم محاولة الحركة الوطنية لمقاومة هذا التكامل، كما يخبرنا الباحث عوني فارس، فإنَّ الفلسطينيين لم يعملوا داخل الكيان فقط؛ بل احتاجوا أيضًا للعمل داخل الإدارة المدنية الإسرائيلية لأراضيهم المحتلة، ووفقًا لد. أحمد العطاونة، أنتج الاحتلال طبقة من المتعاملين مع الاحتلال، والذين اغتنوا على حساب الشعب الفلسطيني، وبتمكين من الاحتلال نفسه، وكانوا قادرين على استخدام علاقاتهم داخل الكيان لقبض ثمن خدمات معينة للمواطنين.

عشية الانتفاضة الأولى كان يبدو أن هذه الخطة قد نجحت بشكل كبير جدًّا، فالأراضي الفلسطينية المحتلة لم تشهد عصيانًا مدنيًّا كبيرًا، أو مقاومة شعبية واسعة للاحتلال، وبدت الصورة أن الشعب المحتل قد دَجَّنه الاحتلال حتى بات لا يحتاج إلى استخدام العنف، المضر بالاستقرار والاقتصاد ضده، وبعد عام 1982 كان الاحتلال قد تخلص من خطر منظمة التحرير في الشمال أيضًا، لكن الأمور كلها تغيرت عام 1987؛ أو على الأقل ظهر أن الشعب الفلسطيني قادر على قلب المعادلة، حتى إن لم ينجح سياسيًّا في استثمار انتفاضته. 

الشعب الفلسطيني يمسك بزمام المعركة

حُرم الفلسطينيون من تمثيل أنفسهم ضمن كيان واحد منذ النكبة وحتى عام 1967؛ والتي ظهرت بعدها منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الأخرى بوصفها ممثلًا للشعب الفلسطيني؛ رغم أن هذا «التمثيل الشرعي والوحيد» لم يؤكد إلا في قمة الرباط عام 1974، وبقي تمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج محل نزاع مع الأردن على سبيل المثال. 

لكن وحتى بعد أن استطاع الفلسطينيون حيازة كيان يمثلهم؛ لم يستطيعوا ممارسة هذا الحق على أرضهم، بل تركز النضال الفلسطيني في الخارج؛ في الأردن ولبنان بالدرجة الأولى، وقادت الفصائل الفلسطينية نضالًا مسلحًا ضد الكيان انطلاقًا من هذه البلدان، دون أن يكون للشعب الفلسطيني المحتل دور كبير داخل هذه المركزية الكبرى لمنظمة التحرير. 

Embed from Getty Images

ثم هُزمت منظمة التحرير عام 1982؛ واضطرت للخروج من بيروت إلى تونس وسوريا وغيرها من البلدان العربية، ولم يبق للنضال الفلسطيني قاعدة مادية قريبة من الأرض المحتلة للانطلاق ومهاجمة الكيان، وباتت القضية الفلسطينية في واحدة من أصعب أوضاعها؛ خصوصًا مع الظرف القائم داخل الأراضي المحتلة، والذي ظهر بمظهر الفعال والناجح حتى الثامن من ديسمبر (كانون الأول) من عام 1987. 

هنا، استطاع أهل الأراضي المحتلة نقل الصراع لأول مرة منذ النكبة إلى داخل الأراضي المحتلة؛ لا عن طريق عمليات فدائية تنطلق من الخارج، بل عن طريق الاشتباك اليومي الواسع مع المحتل من مجمل فئات المجتمع وعلى مختلف نقاط الاشتباك وفي جميع أشكاله. فالاقتصاد الذي كان نقطة قوة الإدارة الإسرائيلية للفلسطينيين أصبح أحد نقاط قوة الانتفاضة؛ فصحيح أن الفلسطينيين كانوا معتمدين على الاقتصاد الإسرائيلي أكثر من اعتماد الكيان عليهم، لكنهم كانوا مستعدين للتضحية أكثر من الكيان؛ ولو على حساب معيشتهم لإنجاح الانتفاضة. 

بدأ الشعب الفلسطيني بحركة واسعة من العصيان المدني الشامل، وشمل ذلك مختلف مناحي التكامل الاقتصادي مع الكيان؛ فامتنع العمال عن الذهاب إلى عملهم، وأقفلت المحال التجارية في عموم الأراضي المحتلة، ورفض الفلسطينيون دفع الضرائب لسلطة الاحتلال، وبدأ موظفو الإدارة المدنية بالاستقالة من وظائفهم بالإضافة إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية – على الأقل ما أمكن وتوافر لها بديل – وبدأت إسرائيل بالمقابل في إجراءاتها المضادة والعقابية لكل ذلك، في رد فعل على خطوات الفلسطينيين وانتفاضتهم.

بدأت الانتفاضة تتجه أكثر وأكثر نحو العسكرة والعمل المسلح، وكما يقول د. أحمد العطاونة إن الهم الأمني للكيان كان الأولوية القصوى؛ خصوصًا مع قوة اقتصادها الذي لا يقارن بالاقتصاد الفلسطيني، وساهم هذا مع خطوات الفلسطينيين الاقتصادية التصعيدية، في فصل الفلسطينيين عن الاقتصاد الإسرائيلي، وبدء البحث عن بدائل للانفكاك عن مركزية الكيان الاقتصادية. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
سلاح الإضراب في فلسطين منذ ثورة 1936.. ما أهميته؟ وكيف يضرُّ باقتصاد الاحتلال الإسرائيلي؟

بالفعل، بدأ الفلسطينيون تشكيل وتفعيل مؤسسات منظمات مثل اللجان الشعبية، وتفعيل دور التضامن المجتمعي بين الفلسطينيين، كما حاولوا العودة لاستصلاح الأراضي الزراعية، ومحاولة إيجاد بدائل عن البضائع الإسرائيلية، وتحفيز نشاط الاقتصاد المنزلي بأفكار بسيطة؛ عن طريق امتلاك القليل من الأبقار والدجاج وزراعة بعض الفواكه والخضراوات في المنزل؛ كي تستطيع العائلة توفير جزء من احتياجها للغذاء، وعملت اللجان الشعبية على توزيع البذور على العائلات الفلسطينية، حتى استطاعت إيصالها إلى 250 ألف عائلة.

في المقابل بدأت إسرائيل حملة على القرى الفلسطينية لإجبار الناس على دفع الضرائب؛ واستبدلت الهويات القديمة بأخرى جديدة يحتاجها المواطنون في حياتهم اليومية، ويشترط دفع الضرائب لاستصدارها، كما لاحقت عمل اللجان الشعبية، وجعلت من العسير على المزارعين نقل بضائعهم بين مناطق الضفة والقطاع وداخلهما، بهدف إنهاك القطاع الزراعي؛ والذي كان يشكل نسبة مهمة من الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين، فزراعة الزيتون وحدها شكلت 8% من الناتج؛ وهي نسبة أعلى من القطاع الصناعي، بل قد يكون القطاع الصناعي معتمدًا في وجوده على زراعة الزيتون تحديدًا. 

قدر وزير المالية الإسرائيلي، غاد يعقوبي، حينها كلفة الانتفاضة على الاقتصاد الإسرائيلي خلال الشهور الستة الأولى فقط بـ650 مليون دولار؛ وأخبر الصحافيين أن «الاحتلال صار مكلفًا»، ونتج ذلك من خسارة جزء كبير من أموال الضرائب، وتعثر السياحة نتيجة لانعدام الاستقرار، والتكاليف المتزايدة لعمل شرطة الاحتلال وجيشه. 

سلطة أوسلو بديلًا عن الاحتلال

يقول أ. عوني فارس إن عيش الفلسطينيين لعقود تحت سلطة ليست منهم بأي شكل، شجعت على تمرد الفلسطينيين في تاريخهم منذ بداية الاستعمار البريطاني، وهنا تكمن عبقرية اتفاقية أوسلو بالتحديد.

يقول د. أحمد العطاونة إن المشكلة الأساسية في نضالات وصمود شعب فلسطين أنها لم تلقَ نخبة سياسية تقودها بما يتناسب مع هذا الصمود وهذه التضحيات، ولم يخرج الشعب الفلسطيني بإنجاز سياسي يراكم على بطولاته في أي من انتفاضتيه، بل زاد الأمر سوءًا على المستوى السياسي في الواقع؛ فالانتفاضة الأولى انتهت باتفاقية أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية التي لم يكسب منها الفلسطينيون شيئًا، والثانية بالانقسام الفلسطيني الداخلي. 

فحتى محاولات القطاع للصمود اقتصاديًّا ضمن الحدود الدنيا تواجه ضغطًا من السلطة الفلسطينية نفسها اليوم على سبيل المثال؛ وبشكل مستمر منذ بدء الانقسام الفلسطيني وإطباق حركة حماس سيطرتها على القطاع، بينما بنت السلطة شبكة علاقات اجتماعية داخل الضفة الغربية منذ ما قبل الانقسام، ووزعت الريوع بما يضمن ولاء فئات واسعة من الشعب لها.

Embed from Getty Images

لم تعمل السلطة خلال تاريخها على إنشاء استقلالية اقتصادية للأراضي الفلسطيني خارج ما يدعى بالخط الأخضر -الأراضي المحتلة عام 1948، بل علاوة على استمرار الاعتماد على السوق الإسرائيلية في البضائع وتفريغ العمالة، تجمع السلطات الإسرائيلية الضرائب بالنيابة عن السلطة الفلسطينية.

كما أن الأراضي وفقًا لاتفاقية أوسلو مقسمة لثلاثة مناطق؛ مناطق (أ) والتي تشكل 18% من الضفة الغربية وتتبع في مختلف شؤونها لإدارة السلطة الفلسطينية، مناطق (ب) والتي تشكل 21% من أراضي الضفة الغربية، وتدير فيها السلطة شؤون التعليم والاقتصاد والصحة، بينما تدير إسرائيل الشؤون الأمنية الخارجية لكلتي المنطقتين، بما يضمن إمكانية وصول الجيش الإسرائيلي لكن هذه المناطق لتنفيذ عمليات عسكرية، وإن لم يوجد بشكل دائم في مناطق (أ)، ويسكن المنطقتين 2.8 ملايين فلسطيني.

وأخيرًا المنطقة (ج) والتي تمثل 60% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، والتي تُبنى عليها غالبية المستوطنات الإسرائيلية، وتسيطر عليها إسرائيل بالدرجة الأولى. 

بالمختصر؛ يمكن القول إن إسرائيل أخذت مساحات بعدد قليل من السكان الفلسطينيين للتعامل مع ما قد يشكلونه من متاعب وأعباء، وحازت كل ما تريده من سيطرة أمنية وعسكرية على باقي المناطق؛ دون الحاجة لإدارة الشؤون اليومية للسكان؛ كل ذلك ضمن موافقة السلطة الفلسطينية نفسها. 

ويمكن القول أيضًا إن السلطة الفلسطينية تعمل بالنيابة عن إسرائيل في إدارة الفلسطينيين، وأبرز أمثلة ذلك التعاون والتنسيق الأمني الوثيق بين الطرفين؛ ولكن النواحي الاقتصادي للتفاهمات والاتفاقات بين الطرفين تجعل السلطة الفلسطينية متولية الشؤون التي قد تسبب المتاعب للكيان، فضد من سيقرر الفلسطينيون الإضراب مثلًا؟ أليست السلطة هي الكيان الذي يمثلهم؟ 

سياسة

منذ 5 سنوات
رغم تنازلاته.. كيف يسعى «محمود عباس» لإبقاء الوضع على ما هو عليه؟

قد يكون – بالإضافة إلى إجراءات إسرائيلية طبعًا- ذلك أحد أسباب ما تصفه الباحثة ريما حمامي بـ «تلاشي دور المنظمات المحلية التي نشأت في الانتفاضة الأولى»، بالإضافة إلى ما تذكره الباحثة من عسكرة الانتفاضة الثانية، وعدم منحه – المنظات المحلية- أدوارًا منظمة في الانتفاضة الثانية، حتى أصبح غالبية الشعب الفلسطيني يلعب دور «الجمهور المتفرج».

حتى في مجال العلاقة مع الخارج؛ لا يسمح الفيتو الأمريكي-الإسرائيلي – والذي يظهر ألا قول يمكن سماعه للفلسطينيين فيه – للضفة الغربية بإجراء معاملاتها التجارية مع الخارج بشكل حر، ففي العام السابق قرر الاحتلال السماح لجار الضفة الغربي العربي الوحيد؛ الأردن، برفع صادراته إلى الضفة الغربية من 160 مليون دولار إلى 700 مليون دولار.

ومما هو بادي للعيان، أن أسباب ذلك تتعلق بالأردن أكثر مما تعلق بالفلسطينيين أنفسهم، وحاجتهم للارتباط بالاقتصادات العربية المجاورة، وتحقيق استقلال اقتصادي ما عن الكيان، ولو كان عن طريق التكامل أو حتى التبعية لاقتصادات عربية شقيقة. 

بينما تلعب المساعدات الخارجية دور مسكنات الألم للاقتصاد الفلسطيني؛ فهي لا تمنحه أي نوع من التنمية الحقيقية، ولكنها تبقيه دون حد الانفجار في وجه إسرائيل أو السلطة، وتسمح بإبقاء الوضع على ما هو عليه، وتعويض التغول الإسرائيلي المستمر، وكبحه لأي إمكانية لتطوير قطاعات اقتصادية معتمدة على الذات في الأرض المحتلة. 

ما العمل؟

كان هذا مختصر قصة محاولات إسرائيل لإدماج الشعب الفلسطيني وإذابته في الاستعمار، وردة الفعل الفلسطينية خصوصًا في انتفاضته الأولى ضد مركزية الكيان لاقتصاد الفلسطينيين، والتي لم تنتج مع الأسف حلًّا دائمًا للاقتصاد.

ويبقى سؤال «ما العمل؟» معلقًا على تطورات القضية سياسيًّا بالدرجة الأولى؛ ولكن هل هناك ما يمنع من العودة إلى طرق ونماذج الانتفاضة الأولى التي تهدف إلى اعتماد أكبر على الذات، وبُعد أكبر عن المركزية الإسرائيلية في الاقتصاد الفلسطيني، وربما البناء لما هو أبعد من ذلك؟ 

بالتأكيد هناك ما يمنع؛ فإسرائيل تعمل منذ الانتفاضة الأولى على منع ذلك، وتخفيف أضراره إن حصل، مع إن الإضراب الأخير في عام 2021 أحدث ضررًا للاقتصاد الإسرائيلي؛ لكنه لم يكن بفاعلية العصيان المدني الذي جرى في الانتفاضة الأولى؛ وربما كان السبب الأساسي لذلك عدم وجود انتفاضة واسعة ومستمرة. 

وطالما تمتلك إسرائيل -أيضًا- حق الفيتو تجاه علاقة الأراضي الفلسطينية بالخارج؛ وتدير جزءًا مهمًّا من أدوار السلطة الفلسطينية مثل جمع الضرائب، وتبقي نفسها بعيدة عن مواجهة غضب الفلسطينيين على أوضاعهم المعيشية التي يسببها الاحتلال بالدرجة الأولى، بينما تبقى السلطة الفلسطينية في واجهة الأحداث؛ فالكيان قادر على تجنب مصير الانتفاضة الأولى، أو ما هو أسوأ من ذلك: أن يستطيع الفلسطينيون بناء اقتصاد مواجهة وصمود أمام الاحتلال، وبناء المجتمع الفلسطيني وعلاقاته المجتمعية حوله. 

Embed from Getty Images

حاولت حماس في قطاع غزة البدء بخطوة أولى لمحاولة فك الحصار والابتعاد عن المركزية الإسرائيلية في اقتصاد القطاع؛ وفعلت ذلك عن طريق محاولة المراكمة على إنجازها العسكري في حروبها الأخيرة، والمطالبة بفتح مطار وميناء في قطاع غزة، يسمح للقطاع بالتعامل مع الخارج دون الحاجة إلى إذن إسرائيلي، مع كل ما قد يمنحه ذلك من إمكانات اقتصادية مختلفة؛ أقلها إمكانية تصدير منتجات غزة القليلة لغير السوق الإسرائيلية، أو لسوق الضفة الغربية تحت الرقابة الإسرائيلية. 

كان الصراع في القضية الفلسطينية في يوم ما صراعًا عربيًّا مشتركًا، دخلت لأجله الجيوش العربية للمقاتلة في أرض فلسطين، وكان هناك إمكانية لبناء اقتصاد مواجهة حقيقي في جميع هذه الدول ضد الكيان، وضد حلفائه أيضًا، ولكن هذه الفرصة ضاعت؛ وعقدت دولتان من دول الجوار اتفاقيات سلام مع إسرائيل (مصر والأردن)؛ تبعتهما دول أخرى في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

في المقابل؛ قال رئيس السلطة الفلسطينية يومًا ما إنه «يعيش تحت بساطير (بيادات) الاحتلال»، في تعبير قاسٍ عن السيطرة المطلقة لإسرائيل على كل شيء في الضفة الغربية، ولكن هناك أيضًا أسبابًا موضوعية لعدم قدرة فلسطين على إنتاج اقتصاد مواجهة خاص بها، وفعال في وجه الكيان الإسرائيلي.

ببساطة؛ لا تمتلك الضفة الغربية ولا قطاع غزة مواردهما الخاصة، ولو امتلكت شيئًا من هذه الموارد فلن تستطيع استغلالها دون واقع سياسي يسمح بذلك، كما أنها لا تمتلك ظهيرًا عربيًّا يمكِّن هذه الأراضي المحتلة من استغلال ما لديها على قلته، وتبقى أساليب الانتفاضة الأولى هي الأنجح؛ رغم عدم قدرة أي قيادة سياسية على القيام بهذه المهمة، وحيلولة وجود السلطة الفلسطينية دون تحقيق هذه الأساليب لنتائجها القصوى، لعدم توافر إمكانية المواجهة المباشرة والشاملة مع الاحتلال.

يقول د. أحمد العطاونة في حديثه لـ«ساسة بوست» إنه يتخوف من أي مواجهة قادمة مع الاحتلال في ظل الوضع الحالي؛ فالقيادة الفلسطينية بمختلف فصائلها لا تمتلك ما يسمح بإدارة المواجهة بحيث تفرز نتائج سياسية، وربما اقتصادية أيضًا يمكن البناء عليها، كما أنه في حال وقوع هذه المواجهة فلن يكون هناك إلا طرف واحد مستعدا لجني ثمار هذه المواجهة سياسيًّا؛ ألا وهو الكيان المحتل نفسه.

حتى إنه يلاحظ أن الاحتلال هو من يدفع مؤخرًا نحو المواجهة، ويضغط على الفلسطينيين نحوها، بينما لا تمتلك القيادة الفلسطينية تصورًا عن شكل هذه المواجهة ونتائجها، بل ليس هناك قيادة موحدة أصلًا للفلسطينيين. 

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
«المونيتور»: اشتعال الأوضاع في فلسطين يعود لتصدر المشهد السياسي في الشرق الأوسط

في وقت الانغلاق الأخير في القضية الفلسطينية بعد هزيمة المنظمة في لبنان؛ ابتدع الشعب الفلسطيني وسيلته الخاصة وقاد المعركة مفاجئًا بذلك القيادة الفلسطينية نفسها في الانتفاضة الأولى؛ والتي أتاحت المجال أمام فصائل إسلامية للبروز والعمل في الداخل المحتل، وقد ينتج الانغلاق الحالي مجالا آخر للفلسطينيين. 

ومن هنا يبدو أن سؤال «ما العمل؟» بخصوص الاقتصاد مرهون بسؤال «ما العمل؟» السياسي في فلسطين، فحتى فكرة التعاونيات في الضفة الغربية قد تكون عرضة لإجراءات إسرائيلية؛ بل قد لا تحبذها السلطة إذا لم تصب في مصالحها السياسية، عدا عن أنها قد تعمل على تقليل دورها في حياة الفلسطينيين الذين يقررون خوض هذه التجربة.

كما أن السؤال السياسي ليس متوقفًا على الساحة الفلسطينية وحدها؛ فإذا كانت هذه الساحة تمر بحالة انغلاق سياسي تمنع إنتاج وضع جديد، فالساحة العربية تمر بحالة تنتج أسوأ من ذي قبل، وتدفع أكثر نحو التطبيع مع الاحتلال وإدماجه في الاقتصاد العربي؛ بدءًا بمشروع الغاز، والعلاقات والاتفاقات الاقتصادية والتجارية مع دول الخليج المطبعة حديثًا مع إسرائيل.

يهدد ذلك بإمكانية الانتقال من محاولة إذابة الفلسطينيين داخل إسرائيل؛ إلى محاولة إذابة المنطقة بأسرها داخل تحالف تكون إسرائيل في قلبه، وتعمل محركًا لاقتصاده، بحيث قد لا يمكننا الحديث عن إمكانية انفكاك عن هذه العلاقة بعد عقود.

لذلك فقد تكمن الإجابة، في أحلام العرب التي تفجرت عام 2011 في ساحات التظاهر والاحتجاج، وإمكانية عودة موجة أخرى من الربيع العربي، وربما تكاملها مستقبلًا مع الشعب الفلسطيني ضمن واقع إقليمي مختلف قد يؤدي إلى تغير في حال القضية الفلسطينية، وفي حالة الاقتصاد الفلسطيني، ومقاومة الشعب الفلسطيني بمختلف الأشكال ضد الاحتلال.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد