يحدث أنك حين تشاهد نجمك المفضل في أكثر من عمل تلفزيوني تشعر بنوع من الألفة بينك وبينه، هذا شعور طبيعي، لكن البعض يُحمل ذلك الشعور بالألفة بما لا يحتمل، إذ يفسره باعتباره علاقة بينه وبين النجم المشهور، من طرف واحد بالطبع، لذا تسمى في علم النفس بالعلاقات الطفيلية.

ففي حين يتابع جميع أخبار حياة النجم الشخصية، ومع الوقت يُكوّن رأيًا فيها بالرفض أو التأييد، فإن النجم على الجانب الآخر لا يعرف عن وجوده شيئًا، إذ يمتلك آلافًا وأحيانًا ملايين من المعجبين، ومن المستحيل أن يُنشئ علاقة ودية مع كل فرد منهم.

إذ يتعامل النجم المشهور مع جماهيره باعتبارها كيانًا ذا شخصية اعتبارية يسمى بـ«الجمهور» بغض النظر عن المنتمي لهذا المسمى الجامع، لكن بعض الأفراد الذين يندرجون تحت هذا المسمى يُنشئون علاقة شخصية مفترضة وغير صحية مع النجم؛ فكيف يحدث ذلك؟ وما مخاطر تلك العلاقات الطفيلية؟

وهم الحميمية.. كيف يدفع النجم جمهوره للتعلق به؟

العلاقات الطفيلية مصطلح صاغه الطبيبان النفسيان «ريتشارد فول» و«دونالد هورتون» عام 1956 للإشارة إلى نوع من العلاقة التي يعيشها بعض أفراد الجمهور مع من يشاهدونهم على شاشات التليفزيون، فالمشاهير الذين يظهرون بشكل مستمر على شاشات التلفزيون يحظون ببعض المشاهدين الذين يشعرون تجاههم بنوع من المشاعر التي تنشأ بين الإنسان وصديقه على أرض الواقع، ولكن من جانب واحد هو جانب المشاهد.

ويساعد اصطناع الحميمية الذي يلجأ إليه المشاهير بغرض زيادة شعبيتهم على تعزيز تلك العلاقات الطفيلية، وتلك الحالة تنطبق بشكل أكبر على مقدمي برامج «التوك شو» والذين يستضيفون عينة عشوائية من الجمهور في الأستوديو أثناء تصوير حلقات البرنامج، والتعامل معهم بحميمية توحي بأنهم أصدقاء لهم، ويستطيع المحاور الماهر أن يطمس الخط الفاصل بين الواقع والخيال.

كما أن بعض «ديكورات» الأستوديوهات تكون مشابهة لغرفة المعيشة في المنازل لخلق طابع حميمي أيضًا، ويقول هورتون وفول إن هذا النوع من العلاقات الطفيلية لا يطوّرها جميع المشاهدين، بل تتنوع ردود أفعال المشاهدين بين تحليل ما يشاهدونه أو السخرية منه، ولكن بعض الحالات تتبنى العلاقات الطفيلية دون وعي.

وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت على انتشار العلاقات الطفيلية

وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت على انتشار العلاقات الطفيلية

وعندما ظهر هذا المصطلح لأول مرة في الخمسينيات من القرن الماضي، كان يدور حول ارتباط الجماهير بنجوم التلفزيون، ولكن في وقتنا الحالي ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، بما يسمح للجماهير ومتابعي النجوم أن يروا منشوراتهم اليومية وصورهم سواء على «فيسبوك» أو «إنستجرام» أو «تويتر»، ويتاح لهم التعليق على تلك المنشورات، ويستقبلون أحيانًا ردودًا من الفنانين، سواء كتبها الفنان بنفسه أو من عيّنه لإدراة أعماله، ففي الحالتين يعزز هذا من نشوء العلاقات الطفيلية لدى بعض المتابعين، ولذلك ظلت الدراسات مستمرة حول تلك الظاهرة النفسية حتى يومنا هذا.

فإليزابيث بيرس أستاذة علوم الاتصال بجامعة ديلاوير بالولايات المتحدة الأمريكية، اهتمت بدراسة هذه الظاهرة منذ الثمانينيات، وقد بحثت تأثيرها في حياتنا في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي؛ لذا تقول لموقع «يو إس توداي»: «إن العلاقة الطفيلية هي وهم الصداقة مع شخصية عامة».

وقد تدفع العلاقات الطفيلية المشاهد لأن يهاجم نجمه علنًا في حالة اتخاذه قرارًا شخصيًا لا يتوافق مع الصورة الذهنية التي كونها عنه، ويبدأ في انتقاده وعتابه وكأنه صديقه المقرب، وتكثر هذه الحالات على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يبدأ بعض متابعي النجم في ترك تعليقات لاذعة وناقدة على حساباته الشخصية إذا أعرب عن عدم رغبته في الإنجاب مثلًا، كما حدث مع الممثل الكوميدي الأمريكي جون مولاني.

رقم في قائمة المتابعين.. المشاهير ليسوا أصدقاءك

وسائل التواصل الاجتماعي لم تمنح الجمهور فقط وسيلة للتقرب الظاهري من نجوم السينما والدراما، بل منحت الأفراد العاديين إمكانية الوصول إلى الشهرة أيضًا، إذ أن هناك مشاهير «فيسبوك» ومشاهير «إنستجرام» ومشاهير «يوتيوب»؛ لكنها على الجانب الآخر حولت الإنترنت إلى مساحة تنمو فيها العلاقات الطفيلية بشكل أكبر بما لا يقارن من شاشات التلفزيون في القرن الماضي.

فنجم وسائل التواصل قادر على توجيه كلام شخصي وبصورة أكثر حميمية لمتابعيه من خلال المقاطع المصورة القصيرة، والبث المباشر الذي يرد فيه على تعليقاتهم بالاسم، مما يوهم المتابع أن النجم يعنيه شخصيًا بالحديث، ولكن النجم في المقابل يتعامل مع «رقم» من أرقام متابعيه ليس أكثر، فمن لديه القدرة على إقامة علاقة شخصية مع ملايين المتابعين؟!

توضح إليزابيث بيرس أن وسائل التواصل الاجتماعي التي تُستخدم باعتبارها منصات إعلامية تغيرت كثيرًا منذ أن بدأت دراستها للعلاقات الطفيلية في الثمانينيات، ومن خبرتها في دراسة الأمر تؤكد أن «إنستجرام» والرسائل الخاصة به مصممة بعناية بغرض تعزيز إحساس زائف بالصداقة بين المتابعين والمشاهير.

وسائل التواصل الاجتماعي

وسائل التواصل الاجتماعي

وتعتبر بيرس أن العلاقات الاجتماعية مع المشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي «مجرد وهم»، موضحة أن بعض المتابعين الذين يتحدثون في دردشات افتراضية مع المشاهير، يظنون أنهم يتحدثون مع النجم المشهور بالفعل، بينما في أكثر الأحيان يكون مدير وسائل التواصل الاجتماعي هو من يقوم بهذا العمل.

ويندي جاردنر أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة نورت وسترن أيضًا توضح أن علاقة المتابعين بمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي أو نجوم الشاشة المتواجدين على تلك المواقع؛ تندرج تحت بند العلاقات الطفيلية، في حالة أن الشخص ظن أن وجوده باعتباره متابعًا أو صديقًا على حسابات المشاهير يجعلهم أصدقاءه، بما تعنيه الكلمة من حميمية.

الفرق بين الإعجاب والعلاقات الطفيلية

ليس معنى أنك متابع جيد لنجمك وأعماله أنك متورط في علاقة طفيلية، فعلم النفس يؤكد أن هناك فرقًا بين الإعجاب والعلاقات الطفيلية، وهناك علامات بعينها يمكنك من خلالها أن تميز الفرق بين الاثنين، فإذا كنت تستبدل تلك العلاقات الطفيلية بعلاقاتك الحقيقية على أرض الواقع، مثل رفض الدخول في علاقة عاطفية بعد أن تعلقت بنجم يرد على تعليقاتك ورسائلك، ظنًا منك أن هناك علاقة مميزة تجمعكما، فأنت أسير علاقة طفيلية، وكذلك إذا كانت متابعتك لمشاهير «فيسبوك» تطغى على علاقاتك الشخصية مع أصدقائك بمعنى أنها تشعرك باكتفاء وهمي فلا تحتاج أن تتواصل مع أصدقائك على أرض الواقع، فأنت متورط في علاقة طفيلية.

ومن العلامات الأخرى التي رصدها علم النفس للتحقق من الوقوع في علاقة الطفيلية هو تأثرك الشديد بقرارات النجم المشهور في حياته الشخصية وكأنه أحد أفراد عائلتك، فيسيطر عليك شعور بالغضب لأنه لم يتوافق مع صورته الذهنية التي رسمتها له في خيالك، وتجد نفسك تسأل بحزن :«كيف يمكن له أن يفعل ذلك؟»، وكأنك تعرف أبعاد شخصيته كاملة، في حين أنك لا تعرف عنه سوى ما يظهره على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي لا يعكس جوهر شخصيته الحقيقي.

في المقابل إذا كان ما يهمك من تلك العلاقة هي أعمال النجم المشهور، ويمكنك نقدها بحيادية، وتكون مدركًا إدراكًا واعيًا بالمسافة الشخصية التي بينك وبين هذا النجم، وتكون على دراية بأن ما يجمعكم ليس صداقة بالمعنى المتعارف عليه على أرض الواقع، وطالما أن تلك الصداقات الافتراضية مع النجوم على مواقع التواصل الاجتماعي لا تؤثر في صداقاتك وعلاقاتك على أرض الواقع، فما تشعر به يندرج تحت بند الإعجاب.

لا تعرف أحيانًا أنك متورط فيها.. مخاطر العلاقات الطفيلية

مع بداية جائحة كورونا عام 2020، ودخول البشر في جميع أنحاء العالم في عزلة إجبارية جعلت من الصعب علينا أن نباشر علاقتنا الاجتماعية بالشكل الطبيعي الذي تعودنا عليه، مما ترك في نفسونا شعورًا عميق بالوحدة.

«الكثير من العلاقات الاجتماعية الافتراضية ساعدتنا على اجتياز فترة العزلة المصاحبة للحجر الصحي».. هكذا صرحت إخصائية علاج الإدمان أودري هوب ووافقتها الرأي ويندي جاردنر، موضحة أن العزلة الاجتماعية تخلق بداخلنا «جوعًا للتفاعل الاجتماعي» وقد لعبت العلاقات الافتراضية على مواقع التواصل في تلك الفترة دورًا تعويضيًا مهمًا في حياتنا.

Embed from Getty Images

قضاء وقت على وسائل التواصل الاجتماعي

تضيف ويندي جاردنر: «إن العلاقات الطفيلية ليست جيدة مثل العلاقة الحقيقية، لكنها أفضل من عدم وجود علاقات من الأساس» لكن هذا الوضع ينبطق على الفترات التي تُفرض فيها العزلة على الناس، ولكن من يستخدم تلك العلاقات بشكل عام «عكازًا» يتكئ عليه في رحلة فشله في تكوين علاقات صحية وناجحة على أرض الواقع، فهو يعرض نفسه لمخاطر العلاقات الطفيلية.

تلك المخاطر تعرضت لها دراسة نفسية اجتماعية نشرت عام 2017 تحت عنوان «Parasocial Interactions and Relationships in Early Adolescence» أو «التفاعلات والعلاقات الطفيلية لدى المراهقين»، وكان الهدف من الدراسة رصد تأثير الوقوع في فخ العلاقة الطفيلية على تكوين شخصية المراهق، خصوصًا أن فئة المراهقين هي أكثر الفئات تعرضًا لمخاطر هذا النوع من العلاقات.

وأكدت الدراسة أن معظم المراهقين الذين شاركوا في الأبحاث والاستبيانات، لم يكونوا مدركين أن تلك العلاقة قائمة من طرف واحد فقط، بل كان بداخلهم يقين بأن علاقتهم الطفيلية بهذا الشخص المشهور يعوّل عليها فعلًا، حتى أن بعض المراهقين يستمدون من هؤلاء المشاهير القيم والمعطيات التي يشكلون من خلالها هويتهم وطريقة تفكيرهم، وكأنهم أصدقاء مؤثرين على أرض الواقع.

كيف تحمي نفسك من العلاقات الطفيلية؟

يشير ستيفن دونكومب، الأستاذ المشارك في الدراسات الإعلامية في جامعة نيويورك أن تواجد المستخدمين على منصة التواصل الاجتماعي التي يستخدمها المشاهير، وامتلاك المستخدم حفنة من المتابعين حتى لو مئات قليلة، تعطيه وهمًا أنه هو أيضًا يتميز بدرجة من الشهرة مثل الفنان المشهور الذي تجمعه به علاقة طفيلية.

وحتى يحمي الفرد نفسه من تلك العلاقات إذا وجد نفسه متورطًا فيها، فيجب أن يكون مدركًا أن مشاركته نفس المنصة مع الشخص المشهور وأن امتلاكه آلاف المتابعين لا يعنيان أنه أصبح مشهورًا ولا صديقًا حقيقيًا للمشاهير، ولذلك يجب أن يحول الشخص المنخرط في علاقة طفيلية وجهة اهتمامه نحو علاقاته الحقيقية على أرض الواقع، والتواصل مع الأصدقاء والأقارب الذين أهملهم فترة طويلة، على أن يكون هذا التواصل وجهًا لوجه، حتى يشعر الفرد بمدى اختلاف الصداقة الحقيقية عن العلاقات الطفيلية.

علاقات

منذ سنتين
هؤلاء المشاهير عانوا من «متلازمة المحتال».. فما هي وهل تعاني منها؟

وإذا وجدت نفسك تشعر بأنك «قريب للغاية» من أحد المشاهير فعليك أن تسأل نفسك بعض الأسئلة: هل يعرف هذا الشخص وجبتي المفضلة؟ هل يعرف موعد عيد ميلادي وهنأني به؟ هل يعرف عدد أفراد أسرتي وأسماءهم؟ هل يبدأ هذا الشخص بالتواصل معي أم أنه يستجيب فقط عندما أتواصل معه؟ الإجابة عن تلك الأسئلة تمنحك نصف الحل، والنصف الآخر يتوقف على إرادتك للإقلاع عن هذا النوع غير الصحي من العلاقات.

المصادر

تحميل المزيد