في موكب مهيب، جالت عشرات السيارات رباعية الدفع التابعة لميليشيا «الحشد الشعبي» الشيعية الموالية لإيران شوارع بغداد قبل أيام، ثم اقتحمت ساحة التحرير في العاصمة العراقية بغداد. رفع هؤلاء صورة المرشد الإيراني علي خامنئي، في خطوة تهدف إلى رفض الإساءة للرموز الإيرانية التي تزايدت من وجهة نظرهم في المظاهرات القائمة في العراق منذ اليوم الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

لكن يبدو كما تظهر السطور القادمة أن علاقة «الحشد الشعبي» بالنظام الإيراني وقادته الدينية والسياسية لم تكن مقتصرة على رفض شتم القادة الإيرانيين؛ فهي تعمل بقوة من أجل تفكيك الحراك العراقي الذي يهدد النفوذ الإيراني في العراق.

«الحشد الشعبي».. ذراع إيران في العراق منذ 2003

بعد الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وإسقاط النظام العراقي، سارعت طهران لبسط نفوذها في هذا البلد الجار، فعجل الحرس الثوري الإيراني فيها نحو تسليح وتمويل وتدريب جماعات عراقية تدعم القوى السياسية الجديدة التي تريد السيطرة على السلطة، بعد أن أصبحت الساحة العراقية خالية آنذاك من المؤسسات والجيش وغيره.

مقاتلو الحشد الشعبي في المعركة ضد «داعش»

في هذه المرحلة، بدأت الميليشيات المسلحة الشيعية تفرض وجودها على الواقع العراقي الجديد، بأموال وأسلحة إيرانية، وبتوجيه من الجنرال الإيراني قاسم سليماني؛ لذا يعد هذا التوقيت موعد ولادة النواة الأولى لميليشيا «الحشد الشعبي», التي أنسأتها الأحزاب الشيعية، حتى أوصلت قياداتها لتكون على رأس العمل السياسي في العراق.

ومع تنامي الدور السياسي لـ«لحشد الشعبي» تدخل قادته في شؤون البلد، حتى فرضت الحرب ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» عام 2014 أن تشارك قوات الحشد التي أصبح لها تاريخ طويل مع إيران  في القتال، فقد أرادت طهران أن يُحضر النفوذ الإيراني في هذه المعركة الدولية الضخمة على أرض العراق، فصدرت فتوى شيعية تنص على وجوب انضواء أكثر من 40 ميليشيا إلى «الحشد الشعبي»،  وأبرزها «عصابة أهل الحق»، و«منظمة بدر»، و«حزب الله» تحت لواء «الحشد الشعبي»، وقد كان لحوالي 150 ألف مقاتل من «الحشد الشعبي» دور فعال في هزيمة «داعش» التي تحققت عام 2017.

واستحقاقًا لهذا الدور العسكري، دفع الإيرانيون نحو أن يكون لميلشيا «الحشد الشعبي» دور أكبر في الحياة السياسية العراقية؛ لتولد الانتخابات البرلمانية عام 2018 كتلة «الفتح المبين» التي حازت 47 مقعدًا تضم ميلشيا «الحشد الشعبي»، وبرغم أن هذه الكتلة جاءت ثانيًا بعد كتلة «سائرون» إلا أن «وكلاء إيران» هم من سيطروا على إدارة الحكم، وهي السيطرة التي فرضت ضم ميلشيا «الحشد الشعبي» إلى القوات النظامية، في يوليو (تموز) 2019.

«واشنطن بوست»: كيف ستتعامل إيران مع احتجاجات العراق ولبنان؟

كيف تعامل «الحشد الشعبي» مع الاحتجاجات؟

حين تمكن «الحشد الشعبي» من طرد «داعش» في الموصل عام 2017، كان قد حقق هدفًا حيويًّا بالنسبة له، يتمثل في إزالة أكبر تهديد للنظام العراقي آنذاك، لكن تلك الميليشيا تفاجأت بتحد جديد حين اندلعت الاحتجاجات العراقية في اليوم الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فقد زاد الغضب الشعبي من سوء الأوضاع الاقتصادية في بلد يمثل ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك.

وبينما انتهى مسوغ استيعاب ميلشيا الحشد لكل طاقاتها ومواردها في حرب «داعش»، أخذ العراقيون يرون بأم أعينهم حجم الإمبراطوريات الاقتصادية التي بنتها الميليشيات الشيعية القوية المرتبطة بإيران، لصالحها وصالح إيران.

متظاهر عراقي يحرق علم إيران

وفيما وجد «الحشد الشعبي» في هجمات المتظاهرين على مكاتبه، واتهامه بالفساد والتأثير الإيراني، تهديدًا وجوديًّا للنظام السياسي الذي ينضوي تحته، ظهر أيضًا قلق طهران من هذه الاحتجاجات؛ فطهران تخشى الاحتجاجات الجماهيرية السلمية المناهضة للحكومة العراقية؛ لأنها تهدد تغيير النظام الموالي لها في العراق.

ولم يكن غريبًا الكشف عن هبوط طائرة هليكوبتر تقل سليماني في المنطقة الخضراء في  بغداد، بعد يوم واحد فقط من اندلاع الاحتجاجات، وترأسه اجتماعًا لكبار المسؤولين الأمنيين ،بدلًا من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي.

جاء سليماني ليقول لهؤلاء المسئولين إنه يجب ألا يظهروا أي ضعف أمام المحتجين، وهو ما توافق مع مخاوف قادة الحشد من كون إطاحة عبد المهدي الذي يطالب بها المتظاهريدون ستكون مقدمة للسعي وراء إضعاف «الحشد الشعبي»، وهو ما يفسر أن تصبح الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن في العراق أكثر عنفًا بعد يوم واحد من زيارة سليماني، إذ قتل أكثر من 100 شخص وأصيب 6 آلاف خلال الأسبوع الأول للحراك، على أيدى قناصة «الحشد الشعبي»، الذين اعتلوا الأسطح في بغداد، وأطلقوا أعيرة نارية على المتظاهرين بأوامر من مسؤول أمن الحشد أبو زينب اللامي، وغالبًا ما كانوا يستهدفون الرأس أو القلب.

وقد عجل قادة «الحشد الشعبي» بالحشد  ضد التظاهرات، فاتهم القيادي بالحشد قيس الخزعلي في الثالث من أكتوبر الماضي، ثلاث مجموعات في العراق بالشراكة مع جهات أجنبية في خلق فوضى في العراق، بل تخطيطهم  لاغتيال السلطات الدينية في النجف، وذلك بغية ترهيب المحتجين من أجل تقليص الاحتجاجات وإنهائها تدريجيًّا، فيما قال رئيس هيئة «الحشد الشعبي»  العراقي فالح الفياض إن: «فصائله جاهزة للتدخل لمنع أي انقلاب أو تمرد في العراق، في حال طلبت الحكومة ذلك، … نعرف من يقف وراء التظاهرات، ومخطط إسقاط النظام فشل».

ليس على قلب رجل واحد.. هل ينجح «الحشد الشعبي» في ضرب الحراك؟

قبيل عودة الاحتجاجات العراقية في 25 من أكتوبر 2019، أصدرت اللجنة المكلفة بالتحقيق في أحداث القمع التي تعرض لها المتظاهرون، بين الأول والثامن من أكتوبر الماضي نتائجها. الصادم أن اللجنة برأت الحكومة العراقية ورئيسها، وكذلك «الحشد الشعبي»، أبرز الأطراف المتهمة بالقمع، ووضعت المسؤولية في جعبة الشرطة وقوات الجيش فقط، بل إن التحقيق الذي لم يورد أي ذكر لـ«لحشد الشعبي» أو الفصائل المنضوية تحته شارك فيه كعضو لجنة أبو زينب اللامي، أحد مسؤولي الميليشيات المتهمة بإطلاق الرصاص على المتظاهرين.

لقد كانت تلك النتائج دافعًا أساسيًّا للمحتجين في صب غضبهم على «الحشد الشعبي»، فحين قرروا مواصلة الاحتجاجات ضد الحكومة وضد التدخل الإيراني في شؤون البلاد، توجهوا بشكل واضح نحو الانتقام من الحشد، فأضرموا النيران في مقرات «منظمة بدر»، و«عصائب أهل الحق»، و«سرايا الخرساني»، وتحولت الاحتجاجات إلى معارضة قوية لإيران، فقام المحتجون بمهاجمة القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء الشيعية المقدسة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، ورفعوا الأعلام العراقية وألقوا قنابل مولوتوف على المبني.

وهو الوضع الذي دفع الحشد نحو خطوات أكثر قوة لفرض الحسم بالقوة العسكرية، وتفكيك الاعتصامات والتظاهرات بإشارة من المرجعية الدينية في العراق وإيران، إذ لم يقتصر الأمر على اقتحام  ميلشيات الحشد لساحة التحرير في العاصمة العراقية بغداد، رافعة صورة المرشد الإيراني عاي خامنئي، بل دعت مديرية الإدارة المركزية في «هيئة الحشد الشعبي» في الخامس من نوفمبر، الحالي عناصرها المفسوخة عقودهم للعودة إلى الخدمة ابتداءً من العاشر من هذا الشهر، وجاء في البيان «حسب الأمر الديواني المرقم 107 الذي يقتضي عودة المفسوخة عقودهم من وزارة الدفاع «الحشد الشعبي»، تدعو هيئة الحشد الشعبي الإدارة المركزية جميع المفسوخة عقودهم للعودة إلى العمل في صفوف الحشد المقدس اعتبارًا من اليوم 10 من الشهر الجاري».

وفي وقت لا يوجد فيه توجه من قبل المحتجين والحكومة لتخفيف حدة التوتر والتوصل إلى اتفاق، يبدو أن الوضع في العراق قد يتصاعد أكثر في الأسابيع القليلة المقبلة، مما يفتح فرصة لأن يُلقى الملف الأمني ​​بأيدي الميليشيات الشيعية الساعية إلى تعميق نفوذها في البلاد.

يوضح لنا الصحافي العراقي عثمان المختار أن ميلشيا الحشد دخلت على خط قمع التظاهرات من خلال ما يعرف بـ«أمنية الحشد»، سواء بالاعتقالات او الخطف، أو بترهيب وسائل الاعلام والصحافيين، والناشطين، ويضيف لـ«ساسة بوست»: «في النهاية من غير المرجح أن تدخل تلك الميليشيات باسمها العام «الحشد الشعبي»، بقدر ما يكون من خلال المليشيات الأقرب على إيران لمواجهة التظاهرات».

فيما يرى المحلل السياسي العراقي هلال عبيد أنه يجب أن نميز بين «حشد شعبي» عراقي، وبين قيادات حشد شعبي إيرانية، فهناك قسم من الحشد يتبع إيران، كـ«منظمة بدر»، و«عصائب أهل الحق»، و«سرايا الخرساني»، ويضيف: «هذه القوات التي تتبع لإيران ستحاول فض الحراك وضربه، ولكنها لن تنجح؛ لأن مصير العراقيين يذهب لقيادات عسكرية موجودة سواء في القوات الأمنية في الحيش العراقي، وأيضًا في الحشد الذي ليس له ولاء لإيران».

«إيران بره بره».. لماذا تخاف طهران من مظاهرات العراق أكثر من لبنان؟

المصادر

تحميل المزيد