قد يكون لديك أسلوب مفضَّل ومتكرر، وربما غير واعٍ، للتعامل مع الحزن أو الغضب أو الفشل، وقد تتساءل أحيانًا لماذا يغيظك في هذه اللحظة بالذات أمر اعتياديٌّ كان يفعله الآخرون بأريحية ودون غضب منك، وربما تتساءل ما الذي يدفع بعض النساء أحيانًا للبقاء في علاقة مع شريك عنيف؟ هل هناك محفِّز خفيٌّ لاختيارنا مهنة ما؟ هل تفكر في احتماليات فقدان شخص تحبُّه في هذه اللحظة؟ كيف ننجح بالاستمرار بالعيش في عالم تنهال فيه الأخبار السيئة علينا من كل جانب؟

«أينما ولَّيت وجهك» فرويد في انتظارك

كلُّنا نعلم أنَّ لمواجهة القلق والتوتُّر أسسًا واضحة: مواجهة المسبب، التعلُّم منه ثم المضي قدمًا، لكن أحيانًا يكون للنفس مخطط آخر، فبدون اختيارٍ واعٍ منا، يلجأ الدماغ لتشغيل ما يُطلق عليه «آليات الدفاع النفسيِّ» للتعامل مع الشعور بالضيق.

Embed from Getty Images

سيجموند فرويد

سيجموند فرويد كان أول من تحدَّث عن هذه الآليات اللاشعورية والتي تسعى لإيجاد مأوى نفسيٍّ للذات وحمايتها من القلق والتوتُّر في موقف لا يستطيع الشخص التكيُّف معه حاليًّا، وتحدَّث فرويد عن طبقات الوعي الثلاثة التي تبني النفس البشريَّة، وهي:

1- الهو (ID) وهو المحرِّك البيولوجي والغرائزي والذي يعد المتعة حاجة ملحَّة غير قابلة للتأجيل.

2- الأنا العليا (Superego) وهي مخزون المبادئ والأعراف الأخلاقيَّة والمجتمعيَّة التي تحاول جعل «الأنا» تتصرف بشكلٍ مثاليٍّ.

3- الأنا (ego) أي المنطقة الوسطى التي تتولى التسوية في الصراعات ما بين الرغبات الغرائزيَّة الملحة ومبادئ الشخص وأعرافه.

وعندما تصبح تلك الصراعات أشدَّ من اللازم تلجأ «الأنا» لآليات الدفاع النفسيَّة لئلا تفقد السيطرة، ويمكننا القول، بكلمات أخرى، إنَّ آليات الدفاع النفسيَّة هي حيل إستراتيجيَّة تعمل بشكل غير واعٍ لحماية الفرد من التوتر والقلق الناتجين من مشاعر سلبيَّة، ويميل الأشخاص لاستخدام ذخيرة محددة ومتكررة من الدفاعات تختلف بحدَّتها تباعًا للمواقف المختلفة والتي قد تكوِّن في نهاية الأمر سمات شخصيَّة مميَّزة.

وتعمل أنظمة الدماغ بشكل دائم لجعل العالم الذي نعيش فيه أخف وطأة على النفس وأكثر احتمالًا، فتُغيِّر هذه الأنظمة الصورة الحقيقيَّة؛ وتُثني أطرافها قليلًا، وتُضيف بعض الألوان أو تُزيل أخرى وتُعدِّل في مفهومنا وتفسيرنا للأحداث، لكن، على الرغم من أهميَّة هذه الأنظمة ومساهمتها في تكيُّفنا مع المواقف التي تهدد توازننا النفسيَّ، فإنَّها حيل نفسيَّة تقدم الواقع بصورة مخادعة وقد ينتج من الإفراط في استخدامها مشكلات نفسيَّة عديدة.

سيف ذو حدَّين: تساعدنا على التكيُّف وتُغيِّب الحقيقة

قدَّم فرويد لعلم النفس مفاهيم أساسيَّة عديدة أحدثت جدلًا واسعًا بين العلماء، لكن، مفهومه لآليات الدفاع النفسي ليس من ضمنها، إذ هنالك ساهم العديد من العلماء في التأسيس العلمي لهذه الآليات، بل أضاف عليها أيضًا الكثير من الباحثين من بعد فرويد، ومن أهمها إضافات ابنته «آنا فرويد»، والتي قدَّمت للعلم، اعتمادًا على نظريات والدها، آليات الدفاع النفسي الأساسيَّة.

Embed from Getty Images

ويميل علماء النفس اليوم عند الحديث عن آليات الدفاع النفسي، والتي قد يصل عددها إلى نحو 42 آلية دفاع مدروسة، كما جرى التطرُّق لمدى تأثيرها في التكيُّف، إذ تحمي الدفاعات النفسيَّة الأقل تكيُّفًا الفردَ من الوعي لمسببات قلقه وتوتره، ومن الانكشاف على الصراعات الداخليَّة المرتبطة به، وبالمقابل، يكون ذلك على حساب مرونته النفسيَّة في اختيار طرق المواجهة للوصول إلى نتائج إيجابية قصوى.

بينما تعمل الدفاعات النفسيَّة الأكثر تكيُّفًا على زيادة وعي الفرد بالدوافع الداخليَّة والخارجية والضغوطات التي تهدد راحته النفسيَّة، ومن ثم تساهم في تعبيره الحر عن رغباته وإشباعها، وتقليل العواقب السلبيَّة، وتعظيم شعوره بالسيطرة، ويصف البعض هذه الآليات بأنها «آليات مواجهة» عوضًا عن «آليات دفاع».

وبالإضافة لذلك، يميل العلماء اليوم لترتيب آليات الدفاع النفسي هرميًّا بناءً على علاقتها بقدرة الفرد على التكيُّف، وعلاقتها بصحَّته النفسيَّة بدءًا بالآليات الأكثر تكيُّفًا ونزولًا لأقلِّها تكيُّفًا:

1- آليات دفاع ناضجة:

وهي آليات تمنح الفرد مستوىً عاليًا من التكيُّف ومن بينها:

  • الانتساب (affiliation): إذ يدفع الضيقُ الفردَ للجوء إلى الآخرين للحصول على الدعم أو المساعدة، وبهذا يستطيع أن يتحدث عن مشكلاته، وأن يواجهها دون الشعور بالوحدة.
  • الإيثاريَّة (altruism): يواجه الفرد الصراعات والضغوطات الداخلية أو الخارجية بواسطة التفاني في تلبية احتياجات الآخرين جزءًا من تلبية احتياجاته هو، فالإيثار يرتكز على الذات أولًا.
  • الارتقاب (anticipation): وهي آلية يعتمد فيها الفرد في مواجهة الضيق على التفكير في حلول بديلة واقعيَّة، وتوقع ردود الأفعال العاطفيَّة، أي أنَّ الفرد يعيش التجربة النفسيَّة في ذهنه قبل حدوثها، وبذلك يخفف وقعها في المستقبل.
  • الهزل (humor): يواجه الفرد الضغوطات النفسيَّة بالهزل والسخريَّة وإلقاء الضوء على الجوانب المسلية من الصراع، وتساعد الدعابة في طبيعة الحال من تخفيف التوتر وتسمح للجميع المشاركة بدلًا من أن يختبر الفرد الضيق وحده.
  • تأكيد الذات (self-assertion): وهي آلية يُعبِّر بها الفرد بشكل واضح ومباشر عن مشاعره وأفكاره، وبذلك يخفف من حدَّة التوتر والقلق عندما تحاول قوى خارجية أو داخلية منعه عن التعبير.
  • المراقبة الذاتيَّة (self-observation): تمنح هذه الآلية الفرد القدرة على مواجهة الصراعات بناءً على رؤيته الشخصيَّة حول تأثير الحدث في شعوره وتصرفاته.
  • التسامي (sublimation): آلية دفاع ناضجة تُعيد توجيه الصراعات الداخليَّة إلى طاقة إبداعية وعمليَّة ومقبولة اجتماعيًّا، مثل تفريغ النزعات العنيفة والقتالية في امتهان رياضيَّة آمنة ومقننة، كذلك الأمر في الفن والأعمال التطوعيَّة واختيار المهن والوظائف التي تسمح للفرد أن يعيد توجيه مشاعره ومشكلاته النفسيَّة بطرق إيجابية وناضجة.
  • الكبت الواعي (suppression): يواجه الفرد مشكلاته وضغوطاته النفسيَّة بتجنبها طواعيَّة، أي أنَّه يضعها جانبًا إلى حين يجد وقتًا وجهدًا نفسيًّا ملائمًا لمواجهتها.
    Embed from Getty Images

2- آليات دفاع عُصابيَّة (Neurotic):

  •  التفكير المجرَّد (intellectualization): أي أنَّ الفرد يلجأ للتفكير في التفاصيل المجردة للحدث عوضًا عن مواجهة العواقب الفعليَّة والشعوريَّة.
  • القمع (repression): آلية دفاع تجعل الفرد ينسى ذكرى أو حقيقة غير محتملة حدثت في الماضي، مثل نسيان التعرُّض لاعتداءات جسديَّة أو نفسيَّة في الطفولة، لكنّ النسيان لا يعني محو تأثير الحدث.

3- آليات دفاع غير ناضجة:

  • أمثلة الذات أو الآخر (idealization of self or object images): يميل الفرد عند استخدامه لآلية الدفاع هذه لعزو الصفات الإيجابية المبالغ فيها لنفسه أو للآخرين، وتحمي هذه الآلية الفرد من الشعور بالضعف وعدم الأهميَّة.
  • النكران (denial): هي أكثر آليات الدفاع شيوعًا حيث يرفض الفرد الاعتراف أو تقبل حدث ما فاق قدرته على التحمُّل، فيتصرف الفرد وكأنَّ شيئًا لم يكن، وقد تُستخدم هذه الآلية كثيرًا نتيجةً لوقع موت شخص ما ونراها كثيرًا في تصرفات المدمنين.
  • الإسقاط (projection): آلية دفاع يستخدمها الفرد لإعادة توجيه الصفات والمشاعر السلبيَّة من ذاته إلى الآخرين مع إنكار وجود هذه المشاعر في النفس.
  • عدوان سلبي (passive aggression): يواجه الفرد صراعاته الداخليَّة بواسطة التعبير بشكل غير مباشر وغير حازم عن العدوان تجاه الآخرين، عادةً ما يكون التعبير بعدائية غير مباشرة رد فعل على طلب أو عندما يخيب ظنَّ الفرد أو يخيب شعوره بالاستحقاق.

4- آليات الدفاع النفسي الذُهانيَّة:

  • التحريف (distortion): آلية دفاع تحرِّف الواقع وتغيِّره في نظر الفرد ليتمكن من تقبُّله والتعامل معه، ويؤمن الفرد، في هذه الحالة، بصحَّة شيء ما بينما يكون الأمر مختلفًا في الواقع.

وليست آليات الدفاع النفسي، أدوات طوعيَّة ملك أيدينا، فنحن لا نُدرك ولا نفكر بها أن نستخدمها، كما أننَّا لا يمكننا التوقف عن الاستعانة بها، وهي لا تُرينا العالم بواقعيَّته وإنَّما تهدف لنتكيَّف بالعيش فيه، وتتطوَّر آليات الدفاع النفسي منذ طفولتنا وترافقنا طوال حياتنا البالغة، ويرافق هذا التطوُّر أحيانًا إفراط في الاستخدام أو استخدام يساهم في استمرار حالة مرضيَّة معيَّنة، لذلك، تحديد آلياتنا الخاصَّة وفهمها يجعلنا أكثر وعيًا بأنفسنا وبتصرفاتنا وتساعد في فهم المشكلات وفي علاجها.

صحة

منذ شهرين
«متلازمة التعب المعلوماتي»: كيف يؤثر تدفق الأخبار الدائم في صحَّتنا النفسية؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد