كما يحدث في كل رمضان، يطفو من جديد نقاش المجاهرة بالإفطار في المغرب؛ إذ يعتبر شهر الصيام مقدسًا عند الأغلبية المسلمة بالمغرب، ومناسبة للتعبد والالتزام بشعيرة الصوم، لكن هناك فئة أخرى بدأت تظهر إلى العلن خلال السنوات الأخيرة، تطالب بما تعتبره «حق» الإفطار في شهر رمضان.

المجاهرة بالإفطار بين الاستفزاز والحرية

مع بداية رمضان، أعادت من جديد حركة «ماصايمينش»، نشاطها على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، الذي يدعو إلى الجهر بالإفطار في شهر الصيام. وكتبت الحركة على صفحتها «نحن لا نريد تجريح مشاعر المسلمين في المغرب.. نحن مغاربة، ولنا الحق كغير مسلمين في ممارسة طقوسنا كما يحلو لنا»، ودعت إلى حذف المادة 222 من القانون المغربي، التي تعاقب على الإفطار العلني.

وتأسست حركة «ماصايمينش» سنة 2012، من طرف مجموعة من النشطاء، الذين  يدعون إلى «حق المغاربة غير المسلمين في الإفطار». وتثير دعوات الحركة ردودًا غاضبة من قبل الأغلبية المسلمة، معتبرين أن «هؤلاء الشباب يقصدون جرح مشاعر المغاربة والإساءة للدين الإسلامي».

https://www.youtube.com/watch?v=0yHIFDuS0Lc

يدافع الرافضون لدعوات الحركة، عن تجريم الإفطار العلني في شهر رمضان، بأن هذا السلوك يستفز الأغلبية المسلمة، وينتقص شعيرة، تعد ركنا من أركان الدين الإسلامي الذي يعتنقه المغاربة.

من جهة أخرى، يقول مؤيدو حركة «ماصايمينش» إنّ إفطارهم العلني، لا يؤثر على صيام المسلمين، وإنّهم يريدون فقط ممارسة حريتهم الفردية.

من جانب ثالث يرى آخرون أن الجدل حول قضية المجاهرة بالإفطار في رمضان، هو نقاش مبكر على الساحة المغربية، التي لا تبدو مستعدة لمثل هذه النقاشات. ويعتبرون هذه المسألة نقاشًا ثانويًا تشغل الرأي العام عن قضايا أخرى تهم المواطن المغربي بشكل أكبر، مثل التعليم والبطالة والصحة.

الإفطار في رمضان والقوانين العربية

تختلف قوانين الدول العربية في تعاملها مع سلوك المجاهرة بالإفطار خلال شهر رمضان، بين دول قد تقبله، وأخرى تعاقب عليه بقسوة. ونفس الأمر ينطبق على الواقع الاجتماعي حسب كل بلد، حيث نجد مجتمعات تتقبل هذه الظاهرة، بينما مجتمعات ثانية يمكن أن تتعرض حياة المفطرين للخطر.

تعاقب المملكة المغربية على الإفطار في رمضان، بنص المادة 222 من القانون الجنائي المغربي، التي تقول «كل مَن عُرف باعتناقه الدين الإسلامي، وجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقَب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 12 (1.25دولار) إلى 120 درهمًا (12.47دولار)».

وسبق للدولة المغربية، أن حاكمت العام الماضي، خمسة نشطاء من أنصار حركة «ماصايمينش»، بتهمة المجاهرة بالإفطار. مثلما تمنع قوات الأمن أي تجمعات احتجاجية لمؤيدي الحركة في الشوارع العامة.

بدورها، تجرم الجزائر الإفطار في رمضان وتعاقب عليه، وفقًا للمادة 144 من القانون الجزائري، بثلاث سنوات حتى خمس سنوات، تحت بند «كل من استهزأ بأية شعيرة من شعائر الإسلام، سواء عن طريق الكتابة أو الرسم أو التصريح أو أي وسيلة أخرى». وكانت حركة «الحكم الذاتي في القبايل»، قد نظمت إفطارًا علنيا في شهر رمضان قبل عامين.

أما في تونس، فلا تُعرَف قوانين تُجرّم الإفطار العلني خلال شهر رمضان، وإن كان بإمكان السلطات أن تعاقب المفطرين بتهمة «الإخلال بالآداب العامة». ونفس الشأن في ليبيا، لكن الأخيرة لم تسن قوانين بهذا الخصوص؛ لأنها لم تعرف ظاهرة الإفطار العلني أصًلا، بحكم المجتمع المحافظ بليبيا.

أما بالنسبة لمصر، فتشن السلطات الأمنية في كل رمضان حملة اعتقالات بالعشرات؛ بتهمة «الجهر بالإفطار في رمضان»، وكانت «دار الإفتاء المصرية»، قد أصدرت منذ اليوم الأول في رمضان فتوى، تقول إن المجاهرة بالإفطار «لا تدخل ضمن الحرية الشخصية للإنسان، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام». وهو ما اعتبره بعض الناشطين تحريضًا للعوام بممارسة العنف في حق المفطرين.

في ذات السياق، تعاقب السعودية كل المفطرين في رمضان، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وتصل العقوبة عادة إلى الجلد والسجن والإبعاد من المملكة. وتضع الإمارات المجاهرة بالإفطار ضمن «الجرائم الماسة بالشعائر والعقيدة الدينية»، تعاقب بالسجن لمدة شهر وغرامة قدرها 544 دولار.

في المُقابل، وفي دولةٍ كلبنان، فلا يوجد قانون يُجرّم الإفطار العلني في رمضان، بل إنّه يُعتبر سُلوكًا مسموحًا به، ومقبولًا اجتماعيًا بدرجةٍ كبيرة.

على صعيد قانوني آخر، يستند مؤيدو الإفطار العلني في رمضان بالعالم العربي، في مواجهتهم لتجريم القانوني المحلي، إلى المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تذكر، «لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما، بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها، سواء كان ذلك سرًا أم مع الجماعة».

الإفطار في رمضان وصراع القيم

خلفت ثورات 2011، تداعيات سياسية واجتماعية، مست البلدان العربية بدرجات متفاوتة، وكانت إحدى هذه التغيرات توسيع نقاش الحريات الفردية؛ إذ تفاجأت المجتمعات العربية بظهور أقليات إلى العلن، مثل اللادينيين والمثليين والمتحولين دينيًا، تجرؤ على الدفاع على حرياتها الفردية، التي تتعارض مع السائد لدى الأغلبية المسلمة.

في هذا السياق، برزت حركات تدعو إلى «الحق في الإفطار العلني» بمختلف دول العالم العربي. اعتمد نشطاء هذه المجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي في طرح رسالتهم، وترويج دعواتهم، واستطاع بعضها الخروج من المجال الافتراضي إلى الواقع على شكل تظاهرات أو أنشطة.

وظهرت مسألة المجاهرة بالإفطار في رمضان، على المستوى الاجتماعي، كما يقول الباحث في علم الاجتماع «رشيد جرموني»، في سياق موجة التحرر التي يعرفها العالم؛ إذ صار الناس يتحللون من القيم والتقاليد السائدة، ويتجهون نحو ترسيخ لما يسمى بـ«بروز الذات».

في نفس الخط، يذهب الباحث الاجتماعي «محمد مصباح»، الذي يعتبر أن دعوات الإفطار في نهار رمضان، تدخل في إطار «التحولات القيمية»، التي تشهدها المجتمعات العربية نتيجة اصطدامها بالحداثة، ومن ثم برزت تيارات شبابية تحاول أن تعبر عن نفسها بطرق مختلفة.

بينما يعتقد آخرون أن جدل قضية الإفطار العلني، ما هو إلا حلقة من حلقات الصراع بين «الليبراليين»، الذين يرون حرية الإفطار في رمضان جزءًا من مفاهيم الدولة المدنية، والإسلاميين الذين يعتبرون الإفطار العلني «تحديًا» لقيم الأغلبية وشعائرها.

وعلى الرغم من أن هذه الحركات الداعية إلى «الحق في الإفطار العلني»، تبقى محدود في نشاطها، إلا أن لها رمزية واضحة، تمس «تابوهات» ظلت في إطار المسلمات، ما ينم عن أن المجتمعات العربية، تشهد نوع من التغير الاجتماعي والقيمي حسب العديد من الباحثين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد