لا أحد يحب فكرة تقدمه في السن، فإذا كنت تبلغ من العمر 40 عامًا، فأنت تستمتع وتقتنع بالأخبار والمقالات والدراسات التي تعلن أن سن الأربعين تعد هي الثلاثين الجديدة. وبالمثل، فإن الأشخاص في السبعين من عمرهم، يصدقون ويعملون على أساس الاقتراحات القائلة بأنه مع حجم التقدم في مجال التغذية والرعاية الصحية فإنهم بالكاد يعدون في فترة منتصف العمر.

إذا تحدثنا عن التقدم في السن، أو لنقل الشيخوخة، فهي بالتأكيد حقيقة واقعة، لكننا نلاحظ أن بعض كبار السن يتعاملون بطريقة نصفها بأنها لا تتناسب مع أعمارهم، فهل يخدع هؤلاء الناس أنفسهم ببساطة إذا رفضوا اعتبار أنفسهم كبار السن؟ أم أنه ربما يكون لهذا الاعتقاد أثر إيجابي يساهم بالفعل في تأخر الشيخوخة؟ في الواقع، اتضح أن هذه الإستراتيجية قد تكون منطقية، ويمكن من خلالها تحقيق الذات وتعزيز الحياة.

لا أحد يحب تقدم السن

إذا سألت الناس عن منتصف العمر، ستتفاجأ بتباين أجوبتهم، وذلك لأن جوابهم سيعتمد غالبًا على أعمارهم الحالية.

فالناس في عمر العشرين والثلاثين، يقولون إن منتصف العمر بالمتوسط يبدأ في سن الأربعين، بينما تبدأ الشيخوخة من وجهة نظرهم في عمر 62. وعلى النقيض، فإن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا لا يفكرون في الشيخوخة إلا إنها تبدأ من وجهة نظرهم في سن 71.

صورة طفل مع جده 

ومن الواضح أن البشر يميلون إلى إبعاد أنفسهم عن أي مجموعة يُنظر إليها نظرة سلبية، وهذا يعني مقاومة اعتبارنا كبارًا بالسن، بسبب فكرة أن كبار السن ضعفاء ومرضى، بل حتى عبئ على المجتمع.

في عام 2003، أجرى باحثان دراسة واسعة النطاق طُرح فيها على المشاركين هذا السؤال: متى تبدأ الشيخوخة؟ تباينت الإجابات، لكن ما وجده الباحثان أن أولئك الأشخاص الذين اعتقدوا أن الشيخوخة بدأت في وقت مبكر، كانوا أكثر عرضة للإصابة بنوبة قلبية، أو أنهم يعانون من أمراض القلب، أو أن يكونوا في حالة صحية بدنية سيئة بشكل عام عندما جرت متابعتهم بعد تسع سنوات.

الشيخوخة المبكرة

مما سبق، يتضح لنا أن السن الذي نعتقد أنها بداية الشيخوخة لها تأثير كبير في صحتنا، ومن ثم كلما نظرنا إلى الأمر بإيجابية، واعتقدنا أن الشيخوخة تأتي متأخرة أكثر، كان تأثير ذلك في صحتنا أفضل. لكن السؤال هنا هو: كيف يحدث هذا؟

الإجابة عن سؤال متى تبدأ الشيخوخة، يوفر في الواقع معلومات كثيرة عن الشخص. وقد يكون السبب، على سبيل المثال، هو أن السؤال يدفع الناس للتفكير في صحتهم الجسدية، وإذا كانت لديهم مشكلات صحية أساسية أو نمط حياة سيئ، فقد لا يشعرون بأنهم على ما يرام، ويجري دفعهم للاعتقاد بأن الشيخوخة ستأتي قريبًا.

هؤلاء الأشخاص الذين يقولون إن الشيخوخة تبدأ في سن مبكرة هم أكثر عرضة للخطر، وأقل عرضة لطلب المساعدة في الحالات الطبية، أو تبني إجراءات صحية أكثر، لأنهم يعتقدون بشكل مبالغ فيه أن التدهور في الصحة قادم لا محالة. وقد يفترضون، على سبيل المثال، أن كبار السن ضعفاء.

رجل كبير في السن يلعب كرة السلة 

ومن ثم فإن هؤلاء الأشخاص يبدأون في تعمد المشي ببطء، معتقدين أن الشيخوخة تأتي مبكرًا، في حين أن هذه الأمور التي يفعلونها مثل كبار السن هي الأشياء التي عليهم ألا يفعلوها من أجل الحصول على صحة جسدية وعقلية أفضل. بكلمات أبسط، عندما نعتقد أن الشيخوخة تأتي في سن الأربعين، فإننا نتصرف على هذا الأساس، ونفرض على أنفسنا أسلوب حياة سلبي لاعتقادنا أن الشيخوخة قد جاءت، وهذا أكبر خطأ.

أيضًا، هؤلاء قد يتوقعون نسيان الأشياء بسبب أعمارهم، لذلك يتوقفون عن الاعتماد على ذاكرتهم بشكل جيد، ويسجلون كل الملاحظات، مما يتسبب في حدوث ضعف حقيقي في الذاكرة. ما لا يعرفه هؤلاء هو أن الضغوط الناجمة عن تبني الأفكار السلبية عن الشيخوخة، تسهم في حدوث التهابات مزمنة، والمزيد من المشكلات الصحية على المدى الطويل.

الشيخوخة المتأخرة.. النظرة الإيجابية

قد يكون الأشخاص الذين يعتقدون أن الشيخوخة تبدأ في وقت لاحق في الحياة أكثر وعيًا بصحتهم ولياقتهم البدنية، ومن ثم يتخذون خطوات أكثر نشاطًا للبقاء في حالة صحية أفضل. هؤلاء يعتقدون أنهم أصغر سنًا، ومن ثم يتصرفون بطرق أصغر، مما يخلق دائرة رائعة من العادات الإيجابية.

صحة

منذ سنتين
هل تسبب الشيخوخة تراجع جميع قدراتنا العقلية فعلًا؟

إحدى الدراسات الأمريكية أظهرت بعض النتائج غير العادية، وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين لديهم أفكار إيجابية حول الشيخوخة عاشوا في المتوسط 22 سنة أكثر بعد مشاركتهم في الدراسة، في حين أن الأشخاص الذين شعروا بإيجابية أقل تجاه الشيخوخة عاشوا 15 عامًا فقط في المتوسط بعد الدراسة.

تشير دراسة إلى أن كبار السن الذين ينخرطون في أنشطة تحفيز عقلي في وقت لاحق من حياتهم، قد يكونون أقل عرضة للإصابة بضعف إدراكي مقارنة بأقرانهم الذين لا يتحدون عقولهم. هذا يعني أن استمرار تحدي العقل وممارسة أفعال جديدة له تأثير جيد في الصحة، وكلما استمريت في ذلك، منحت جسدك صحة أفضل.

المشاهير مثال بارز

ربما يكون المثال الأبرز على هذه الفكرة هم المشاهير الذين دائمًا ما تبدو أعمارهم أصغر بشكل واضح من سنهم الحقيقية. ولنأخذ مثالًا النجم الأمريكي الشهير توم كروز.

عندما جاء الموعد للممثل الأمريكي للاحتفال بعيد ميلاده الستين منذ شهر تقريبًا، شارك مخرج فيلم «مهمة مستحيلة»، كريستوفر ماكواري، صورة لم تنشر قبل الآن لمشهد مجازفة أداها الممثل توم كروز بنفسه، احتفالًا بعيد الميلاد الستين الذي يصادف الثالث من يوليو (تموز).

صورة لتغريدة مخرج فيلم المهمة المستحيلة

صورة لتغريدة مخرج فيلم المهمة المستحيلة 

في الصورة يبدو توم كروز متدليًا من طائرة حمراء مزدوجة الأجنحة تحلق في الجو، وهي الصورة التي جاءت أثناء تصوير الجزء السابع المقبل وقبل الأخير في سلسلة الأفلام الشهيرة «مهمة مستحيلة» بعنوان:

«Mission: Impossible Dead Reckoning Part One»

يشتهر كروز بأداء أخطر أعمال المجازفة في أفلامه بنفسه، وعندما سُئل عن السر وراء ذلك، أجاب «هل تسأل جين كيلي لماذا ينفذ رقصاته بنفسه؟»، أي أن كروز يرى أن هذه المشاهد الخطرة، هو وحده من يجب أن ينفذها مهما كان عمره.

وفي فيلمه الأخير «Top Gun: Maverick» صمم الممثل الأمريكي على جعل مشاهد الطيران تبدو حقيقية قدر الإمكان، ما يعني أنه صور المشاهد بالفعل داخل طائرات مقاتلة من طراز «إف-18»، وكان يقودها فعليًّا. في رأيك، كيف يمكن أن يجيب عن السؤال الخاص بسن الشيخوخة؟

إذا نظرنا إلى أسلوب حياة توم كروز، سنلاحظ بالفعل أنه يظهر كما لو أنه لم يتقدم كثيرًا بالعمر. هو يحافظ على مظهر الشباب عبر بعض التمارين الأساسية، والنظام الغذائي وأنظمة العناية بالبشرة. بل إنه أخذ دروسًا في الطيران لتجسيد مشاهد فيلمه الأخير رغم كبر سنه.

ولا شكَّ أنَّ مثل هؤلاء المشاهير، لديهم القدرة المالية لتلقي أفضل أنواع برامج الرعاية الصحية، وأفضل الأطباء، للاهتمام بأنفسهم وبصحتهم.

الشيخوخة تبقى شيخوخة

لكن كل ما سبق لا يعني أن هناك طريقة سحرية لإيقاف الشيخوخة أو عكس الشيخوخة نفسها. سواء شئت أم أبيت، سيحدث تراجع في كفاءة البصر، والسمع، والذاكرة، والكتلة العضلية، وقوة العظام، وعمليات الشفاء. من هنا يكون كبار السن أكثر عرضة لمجموعة كاملة من الأمراض. لكننا نتحدث عن جعل وتيرة التراجع هذه أبطأ.

لاحظ أيضًا أن الدراسات السابقة وغيرها، تستند إلى المتوسطات، لذا فإن القول بأنك لست في منتصف العمر لن يمنع البقية من الإصابة بالمرض. لذلك، بدلًا من إعلان الحداد على فقدان الشباب، يجب أن نركز على الخبرات والمعرفة التي نكتسبها مع تقدمنا ​​في السن، ونلاحظ مدى قدرتنا على التعامل مع الأشياء بشكل أفضل.

من ناحية أخرى، عندما لا يكون كبار السن على ما يرام، لا ينبغي أن يفترضوا أن كل هذا بسبب الشيخوخة. قبل كل شيء، مع التقدم ​​في العمر، يجب ألا يتخلى الإنسان أبدًا عن محاولة أن يكون أكثر صحة، والاعتقاد بأن هناك العديد من الأشياء التي لا يزال بإمكانه فعلها. إذا تبنى الإنسان هذا الموقف، فمن المحتمل أن يعيش أطول ويستمتع بهذه السنوات من عمره. هذه هي الخلاصة.

 

المصادر

تحميل المزيد