توسعت قرارات إعفاء الصف الثاني من مسؤولي الحكومة في الوزارات والبنوك بالسودان على مدار الشهور الأخيرة، وسط تفسيرات مختلفة لقرارات العزل، التي تراوحت بين كونها مواجهة لفلول البشير الساعين لتقويض النظام الجديد؛ أو أنها وسيلة لبناء الدولة عبر الدفع بأكفاء دون النظر لخلفيتهم، ودون تعمد الإطاحة برجال النظام السابق.

كان آخر هذه المواجهات هو القرار الصادر بتجميد عشرات المنظمات الحقوقية والإغاثية التابعة لأفراد وأقارب البشير وأعضاء في الحركة الإسلامية تتحصل على إعفاءات ضريبية، ليتجدد السؤال عن دوافع هذه القرارات، ومآلات هذه الحملة التي أسماها البعض «بالتطهيرية».

يحاول التقرير التالي التعرف على أبرز الأسماء التي أطاحت بها حكومة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، ومآلات هذه الحملات المستمرة على بنية النظام الجديد، في ضوء التحذيرات المستمرة من احتمالية أن تدفع إجراءات العزل إلى انقلاب جديد يُضاف لسجل البلد الطويل في الانقلابات العسكرية كون المنتمين للحركة الإسلامية من قبائل كُبرى، لهم غلبة سكانية في مناطق معينة.

عربي

منذ سنة واحدة
طريقه ليس مفروشا بالورود.. 5 عقبات تقف أمام حمدوك لتحقيق أهدافه في السودان

رؤساء جامعات وحُكام ولايات وضباط استخبارات سابقين.. هؤلاء عزلهم حمدوك

شكل اختيار الوزراء الجدد في حكومة ما بعد الثورة السودانية الحلقة الأولى في تحركات عبدالله حمدوك، رئيس الوزراء السوداني، لإعادة هيكلة الدولة، وإعادة تنصيب وجوه جُدد كانوا خصومًا لنظام البشير. ولم يستثن حمدوك شخصًا واحدًا مواليًا للبشير في حكومته، التزامًا من الرجل الوافد من كبرى المنظمات الدولية بإنهاء حقبة البشير عبر الدفع بوجوه جديدة.

عُمر البشير خلال شغله منصب رئيس السودان

بعد هذا الإجراء الأول، اتبع حمدوك سياسة التغيير «تدريجيًا دون ضجيج»، بحسب وصف مصادر حكومية سودانية، في كافة الوزارات عبر إعفاء العشرات من الرتب الوظيفية المتوسطة في كافة أجهزة الدولة، والدفع بوجوه جديدة. كان لهذه الإجراءات الأثر الأكبر والأهم في مرحلة إعادة البناء، كونها صدرت تدريجيًا دون صخب، ولم تتُبع بتحركات موازية من جانب هؤلاء.

كانت أبرز الوجوه المُعفاة من منصبها مصطفى الدويحي، مدير عام لسلطة الطيران المدني، مقابل تصعيد إبراهيم عدلان محله. وتظهر سيرة عدلان تفوقًا مهنيًا بوصفه خريج واحدة من أهم الجامعات الأمريكية، وموظفًا بكبرى شركات الطيران العالمية، ووجهًا سياسيًا منخرضًا في أنشطة جماعات المعارضة من الخارج، عقب عزله من وظيفته عام 1989، مع بداية حُكم البشير.

وفي وزارة الطيران نفسها، أطاح حمدوك بمدير عام شركة مطارات السودان القابضة، وأرفع مسؤولي الوزراة، مقابل تصعيد وجوه جدد محسوبة على الثورة تتشابه سيرتها مع عدلان. وامتدت حملة العزل لجهات سيادية مثل رئاسة الجمهورية التي أعفي فيها العميد الطاهر أبوهاجا مدير الإعلام برئاسة الجمهورية، والبنك الزراعي الذي أُطيح بمديره ونائبه، والمجلس القومي للسكان  الذي تم إعفاء مديرته السابقة وتعيين لمياء خلف الله بدلًا عنها.

وطال التغيير خمس وزارات هم وزارة الثقافة والإعلام، ووزارة العدل، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ووزارة الصناعة والتجارة، وأخيرًا وزارة المعادن. بعدما صدر قرار من حمدوك بإعفاء وكلاء خمس وزارات محسوبين على النظام القديم، وتكليف وجوه جدد في مناصبهم.

كذلك اعتمدت الدولة قوائم الترشيح لمناصب حكام الولايات من لجان الترشيح من قوى الحرية والتغيير في عواصم الاقاليم، حيث تصدرت فيها الوجوه الجديدة الداعمة للثورة.

القرار الأهم في عملية الهيكلة والتغيير كان ما تم في جهاز المخابرات العامة السودانية، عقب صدور قرار إحالة للفريق أمن عوض الكريم القرشي نائب مدير المخابرات العامة السودانية للتقاعد وتعيين الفريق أمن أحمد إبراهيم مفضل خلفا له، فضلًا عن إحالة أكثر من 60 ضابطًا معظمهم مديرو إدارات للتقاعد.

وشملت حملة التغيير كذلك قطاع التعليم العالي والجامعات، عقب سلسلة قرارات عزل بحق رؤساء الجامعات ومعيدي الكليات، والدفع بوجوه جدد كانت فاعلة في الحراك الثوري محلهم.

وأعاد المفصولين من مناصبهم الحكومية خلال عهد البشير

لم تتوقف تحركات حمدوك عند قرارات الإقالة بحق عشرات من كبار المسؤولين المحسوبين على نظام البشير؛ بل شملت إعادة المفصولين لمناصبهم الحكومية، ممن عزلهم البشير من مهامهم لأسباب سياسية. وكانت أولى هذه التحركات في تشكيل لجنة لتسوية أوضاع المفصولين تعسفيًا من وظائفهم من يونيو (حزيران) 1989، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2018.

وجاء تشكيل هذه اللجة التزامًا بالفقرة السابعة من الفصل الثاني من الوثيقة الدستورية في بندها السادس الخاص بتسوية أوضاع المفصولين تعسفيًا من الخدمة المدنية أو العسكرية.

حمدوك يعلن في وقت سابق تشكيل حكومته الجديدة

لم يمر طويلًا على عمل اللجنة، حتى خرجت بقرارات أعادت 11 دبلوماسيًا  و16 إداريًا إلى الخدمة وإلحاق كل منهم بدفعته، فضلًا عن اعتبار جميع القرارات التي صدرت خلال فترة الحكم البائد في حق السفراء الدبلوماسيين لاغية. وشملت قرارات العودة كذلك ضباط مفصولين، للعمل من جديد بوزارة الداخلية، وكذلك المفصولين من وزارة الثقافة وهيئاتها المختلفة منذ 30 يونيو 1989، إذ تم الإعلان لترتيب إعادتهم للعمل أو تسوية أوضاعهم. ويبلغ عدد المفصولين خلال سنوات حُكم البشير من وظائفهم نحو  500 ألف مفصول.

وكان مجلس الوزراء السوداني، برئاسة عبد الله حمدوك، قد أجاز الشهر الجاري، في اجتماع استثنائي، مشروع قانون لتفكيك النظام المعزول وتصفية وجوده في مؤسسات الدولة، وطلب اجتماع استثنائي مع مجلس السيادة. ويهدف قانون «تفكيك نظام الإنقاذ لسنة 2019» إلى تصفية نظام الإنقاذ المنهار، وإنهاء تمكينه من مفاصل الدولة، ومحاسبة رموز النظام المباد، وحظر حزبه «المؤتمر الوطني».

في مقابل إجراءات التعيين الجديدة وعودة المفصولين؛ توسعت قرارات الاعتقال والتحقيق، من جديد، بحق رموز وقيادات الصف الثاني من حزب المؤتمر الحاكم أبرزهم علي الحاج وابراهيم السنوسي على خلفية بلاغ يقاضيهم لمشاركتهم في انقلاب 30يونيو 1989 الذي كان رأس الحربة فيه البشير. وقد شكلت هذه الإجراءات «خطوة مهمة ضد الشبكات السياسية الإسلامية التي كانت تدعم البشير، الذي أُطيح به في أبريل (نيسان)»، بحسب وكالة «رويترز» للأنباء.

ولا زال يقبع داخل سجن كوبر العريق، رموز حزب البشير الحاكم، وأبرزهم علي عثمان طه ونائب رئيس الحزب نافع علي نافع ومساعد البشير السابق عوض الجاز، إلى جانب نائبيه السابقين عثمان كبر وحسبو عبد الرحمن، ووزير الدفاع الأسبق الفريق أول ركن عبد الرحيم محمد حسين وكل من أحمد هارون والحاج عطا المنان وأسامه عبد الله الحسن.

ولا ينفصل سعي حمدوك لتفكيك تحالفات النظام السابق السياسية عن القرار الأخير بإلغاء تسجيل 24 منظمة محسوبة على نظام الرئيس المعزول عمر البشير، وتجميد أرصدتها وحساباتها داخل البلاد وخارجها.

وتتنوع هذه المنظمات بين كونها حكومية وأخرى مستقلة، وتشمل كُل من سند الخيرية (تابعة لزوجة الرئيس المعزول)، والاتحاد الوطني للشباب، واتحاد المرأة، والاتحاد العام للطلاب السودانيين، ومنظمة حسن أحمد البشير الخيرية (شقيق الرئيس البشير)، ومنظمة السالكين، ومؤسسة صلاح ونسي، وجمعية بنت البلد الخيرية.

وتستند حملات القبض والمسائلة القانونية لرموز النظام البائد في السودان للوثيقة الدستورية التي تمنع مشاركة حزب الرئيس المعزول «المؤتمر الوطني»، في الحياة السياسية السودانية، طيلة الفترة الانتقالية البالغة 39 شهرًا.

عزل دون إقصاء كامل.. ما وراء حملات العزل والتصفية

تُثير حملات العزل التي تتبعها حكومة حمدوك تجاه رجال الصف الثاني من نظام البشير تساؤلات عما إذا كانت هذه الإجراءات تعكس استراتيجية واضحة في اقتلاع جذور رجال النظام السابق من كافة مواقعه على اختلاف درجاتهم الوظيفية أم أنها لا تعدو سوى كونها إجراءات إحلال وتجديد لجهازه الحكومي، وتحديثه بدفع كفاءات جديدة.

عمر البشير مع مؤيدييه في مؤتمر جماهيري

كما تفتح هذه الإجراءات الباب أيضًا أمام أسئلة مفتوحة حول قدرة هؤلاء المُبعدين على الرد على عزلهم، سواء عن طريق زعزعة قدرة النظام الجديدة أو الانقلاب عليه في بلد مشهود له بتاريخ طويل من الانقلابات. من جانبه يعتقد عوض تاج الدين، الصحافي بجريدة اليوم السودانية، أن حملات الإعفاء التي دامت لشهور ما هي إلا محاولات من جانب السلطة الجديدة للدفع بوجوه وكفاءات، نتيجة للتغيرات في المشهد السياسي، خصوصًا في ظل انتقال تبعية بعض الجهات من رئاسة الجمهورية لرئاسة الوزراء كحال هيئة الطيران المدني، والمركز القومي للبحوث.

لكنه يستدرك قائلًا: «لا أعتقد أنها حملة ضد حزب البشير. عبدالله حمدوك يقوم بالإحلال والابدال فقط في ضوء وجود فراغ وظيفي لنحو ألفي وظيفة. لكن لا أظن في قرارة نفس حمدوك أنه يحارب الإسلاميين». ويتابع شرح وجهة نظره قائلًا: «يحاول حمدوك إبعاد رجال الصف الثاني أو المسؤولين البارزين المنتمين لنظام البشير المعروف عنهم تدخلاتهم في سير العمل وسلطاتهم، دون أن تمتد هذه الإجراءات لجموع المنتمين للحركة الإسلامية الذين يُقدر أعدادهم بآلالاف في الوزارات والأجهزة الأمنية».

من جانبه، يشرح عبد الفتاح عرمان، وهو صحافي سوداني مُقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، خلفيات القرار الصادر بحق تجميد منظمات تابعة لنظام البشير قائلًا: «إن تلك منظمات بعضها يتبع لزوجة الرئيس المخلوع وأشقائه، والبعض الآخر يتبع أعضاء في الحركة الإسلامية تتحصل على إعفاءات ضريبية كبيرة. واستخدمت من قبل لاستيراد مواد تموينية ومستحضرات تجميل بصفتها منظمات خيرية! واستخدمت لضرب تجار غير موالين للنظام في السوق لأنها كما أسلفت كانت تتمتع بإعفاءات ضريبية».

ويضيف عرمان في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» بُعدًا جديدًا لقرارات العزل الصادرة من جانب حمدوك بحق المنتمين لحزب النظام السابق؛ قائلًا: «الرجل يحتاج لكفاءات من أجل العبور بالبلاد من هذه الأزمات التي تعيشها؛ لذلك لا أفسر الدفع بوجوه جديدة سوى تلبية لهذا الطلب أكثر منه تصفية لكُل منتم للنظام السابق».

ويتابع أن حمدوك مُدرك أن السيطرة على الدولة في ضوء هذه التحديات لن تكون سوى عبر أكفاء مدنيين، لذلك فإن مُعظم المعفيين غير مؤهلين، موضحًا: «لك ان تتخيل ان النظام السابق عين اتباعه دون مؤهلات في معظم الجامعات والوزارات لمجرد أن أحدهم حفظ القرآن الكريم!».

واحد من هذه النماذج التي يتحدث عنها عرمان هو حمد النيل، أحد أعضاء أعضاء الحركة الإسلامية، ولم يحصل على البكالوريوس وتم تعيينه أستاذًا في جامعة الدلنج، في كردفان. وطلب وزير التعليم العالي من مدير الجامعة استثناءه من شرط الماجستير. ويتفق كُل من عرمان وعوض على أن تطبيق الإقصاء الكامل لكل أعضاء الحركة من وظائفهم أمرًا «مستحيلًا»، سواء كان من السلطة الحاكمة نفسها أو القوى السياسية، مؤكدين أن حمدوك مُدركًا أن الإقصاء الكامل سيولد انقلابات أخرى من داخل السلطة.

المصادر

تحميل المزيد