ميكروفون، كاميرا، سترة تعلوها كلمة «صحافة»، وصوت جهوري، ينقل وقائع قمع الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة، ويختمها بقول «معكم شيرين أبو عاقلة، الجزيرة، رام الله المحتلة». تراها امرأة ذات شعر بصبغة زيتونية، معد على عجل، بقصة تقليدية رتيبة لم تتغير لعقود، ملابس بألوان محايدة تخلو من الإبداع، وإن لم تغب عنها الأناقة، وأسلوب كلاسيكي لتطبيق مستحضرات تجميل ترى أنه لم يتغير، منذ أن ظهرت شابة تخطو أولى خطواتها في المراسلة التلفزيونية، حتى آخر تقرير مصور قبل استشهادها، لكنها الابتسامة التي حلت محل نظرة قلقة بعيني شابة فزعها الواقع حينما اقتربت منه.

«معكم شيرين أبو عاقلة».. جيل كامل فقد جزءًا من ذاكرته الحية اليوم

من داخل مستشفى المقاصد في القدس، نقلت شيرين أبو عاقلة شهادات حية من المصابين في أحداث القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، في مايو (أيار) 2021. تأثرت شيرين أبو عاقلة بشهادات مواطنين فلسطينيين كانوا يصلون بالمسجد الأقصى حين فوجئوا برصاص الاحتلال الإسرائيلي يخترق رقابهم وأعينهم وأكتافهم من مسافات قريبة، ومنع المسعفين من الوصول إلى المصابين. لم يكن المشاهد لِيُدرك تأثر شيرين أبو عاقلة لولا نظرة سريعة تجد فيها امرأة تتنقل مسرعة بين المصابين دون أن تسمع صوت لهاثها ونبضات قلبها الفزع.

 

سرعان ما تدرك أن المظهر الرتيب لملابس شيرين أبو عاقلة كان لحشد العواطف والحالات الشعورية من خلال الصوت المميز، والسماح للمستمعين بتركيز انتباههم، والانخراط، وتوليد التعاطف عند سماع الأصوات المسجلة والحية لأهالي غزة. يتأكد ذلك بأحد أبحاث «الجمعية الأمريكية لعلم النفس» ليثبت قدرة الصوت بإشاراته اللغوية وشبه اللغوية التي تصاحب الكلام في التعرف إلى مشاعر الغرباء، وتحفيز معدلات أعلى من التواصل العاطفي، مقارنة برؤية ملامح الوجه، والتواصل متعدد الحواس. 

كان لبراعة صوت شيرين أبو عاقلة، التي لم تعمل بالطب النفسي، أثر في قلب المترجمة الصحفية، هدير محمد، وهي تتذكر خلال حديثها لنا، مرحلة المراهقة، وتأثرها بشتى أصوات مذيعين قناة «الجزيرة»، لكن يبدو أن شيرين أبو عاقلة، كانت هي الصوت والكاريزما الأكثر تأثيرًا فيها، وأصبحت بالنسبة لها رمزًا لقضية ثابتة في وجدانها، وقدوة لأُمنية تمنتها منذ ذلك الحين بأن تكون مراسلة صحافية، ورغم صغر سن هدير محمد في ذلك الوقت، فإن وجه شيرين أبو عاقلة كان من أبرز الوجوه في ميدان العمل الإخباري التي تحفظها وتتابعها، كما لو أنها إحدى الممثلات المشهورة التي تجن بهن الفتيات.

كان للمظهر أن يحتل مكانة أعلى في أولويات المراسل التلفزيوني في ظروف أخرى ليس من بينها تغطية القضية الفلسطينية، فتأتي أهمية الروابط العاطفية والاجتماعية لإدارة التهديدات المتعلقة بالبقاء حيًّا، فيطور الأفراد في المواقف المأزومة طرقًا للتواصل العاطفي، والحكم على عواطف وأفكار ومشاعر الأفراد الآخرين، لتشكيل استجابة أكثر ملاءمة في أماكن النزاعات. 

اختلط التهديد والنصر في ذاكرة الصحافية اللبنانية الشابة، نور صفي الدين، بعد خبر وفاة شيرين أبو عاقلة، وهي تقول لـ«ساسة بوست»: «بتعرفي! ولا مرة خطرلي تموت شيرين، عشان الصحافي متل القضية ما بيموت، بيصير ملازم لها». تؤكد نور في تعريفها لنفسها أنها من جنوب لبنان، محل ميلادها هو محل ما كان بالتسعينيات من حرب وانتهاك دائم، تلك الأحداث التي غطتها المراسلة شيرين أبو عاقلة، حتى ترى في حصر شيرين أبو عاقلة بالقضية الفلسطينية، تقليلًا من نجومية لم تسع لها، وشهرة لم تبتذلها، لأن « شيرين أبو عاقلة – ببساطة – هي قدوة للصحافة بكل بقاع الأرض، سيكون دومًا الخبر مع شيرين، رغم المعاناة، أخبارها الحماسية وكأنها تذيع نبأ النصر، صوتها الجهوري والهادئ تذكير بأن الصحافة مقاومة نابضة بالموت، حتى لو توقف نبض القلب».

كان التحدي الأكبر أمام شيرين أبو عاقلة هو تنوع وتعدد أصوات المراسلين العرب من القدس أكثر من أي وقت مضى، لكن لا يؤمن كل المراسلين والمذيعين الجدد بأهمية الصوت، كما يصعب تعلم التعبير بالصوت عن المكتوب، لكن ما حاجة مراسل ضمن مكانة بقلب جمهوره لأكثر من ذلك؟

كانت مشاعر الفقد والألم متوقعة من جانب الصحافية الفلسطينية لقاء السعدي، فقد تربت على صوت أبو عاقلة وصورتها، حتى شعرت مع نبأ استشهادها بأنها فقدت فردًا من عائلتها. تصف لقاء لـ«ساسة بوست»، صوت شيرين بـ«صوت فلسطين العالي»، وتتذكر نبرة صوت أبو عاقلة تنقل أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، واجتياج جنين 2002، وحصار كنيسة المهد، وحصار الرئيس الراحل ياسر عرفات، وأصداء حروب غزة على الضفة والقدس.

لم يكن صوت شيرين أبو عاقلة أداة لمراسل تلفزيوني فريد وحسب، لكنه محفز لإبداع الشعراء المهمومين بالقضية الفلسطينية، فلم يتردد الأديب المصري، إبراهيم عبد الفتاح، في رد الحق لصوت أبو عاقلة الذي اعتمد عليه لتحفيز قلمه عند كتابة أوبريت «تحت الحصار» في افتتاح مهرجان التلفزيون 2002 من ألحان ميشيل المصري وإخراج سمير العصفوري، واعتبر عبد الفتاح في حديثه مع «ساسة بوست» أصوات مثل شيرين أبو عاقلة وجمانة البديري وشروق أسعد ووليد العمري، وثيقة قوية في وجه الاحتلال الإسرائيلي.

لا يزال الأمل فيما زرعته شيرين أبو عاقلة بقلوب الشباب، حتى وإن ردد الصمت البليغ كلمات الشاعر أمل دنقل، عوضًا عن شهيدة المراسلين: «والذي اغتالني محض لص، سرق الأرض من بين عيني»؛ فلم تتضمن كلمات الصحافي محمد صلاح خلال حديثه معنا، عبارات الحزن أو الغضب بقدر ما حملت الأمل والاعتراف بالفضل. سرد صلاح العبارات التي تتردد بأذنيه بصوت أبو عاقلة، والتي لم يعرفها في طفولته إلا من خلالها، بدءًا من الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، مرورًا بالاعتداءات والانتفاضة، لكن سؤالًا واحدًا لم يجد صلاح له إجابة في بداية عمله بالصحافة: كيف يمكن للصحافي أن يغطي أحداثًا يموت فيها أهله وأصدقاؤه؟ لكن شيرين أبو عاقلة وأمثالها كانوا إجابته، ومحفزًا مستمرًّا للقول والكتابة والمقاومة. 

وليد العمري.. صوت الحقيقة والموضوعية المراسل المُعلِّم

هناك فرضية مفادها أن معظم المراسلين يقلدون أصوات قدوتهم، فإذا كبر وهو يستمع إلى مذيع معين، أو كان معجبًا بشخص ما على التلفزيون، فيبذل الصغير جهدًا لا شعوريًّا لمحاكاة أنماط كلام مثله الأعلى، لكنك إذا نظرت إلى نموذج مدير مكتب الجزيرة في فلسطين، وليد العمري، ومرؤوسته شيرين أبو عاقلة، فلن تر دليلًا على صحة الفرضية في حالتهما. 

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورة تجمع العمري وزميلته الشهيدة شيرين أبو عاقلة في أيام الشباب، ثم صورة للعمري ممسكًا بسترة كانت ترتديها شيرين أبو عاقلة لحظة استشهادها، وتعابير الدهشة المكتومة تحتل وجهه.

تمامًا مثل أي إنسان آخر، يحتاج المراسلون التلفزيونيون إلى كلمات لملء لحظات يجمعون فيها أفكارهم، كما أنه عند نقل الأخبار الصعبة والقاسية، يصعب على المراسل الصحفي الالتزام بالموضوعية والمواقف النزيهة، ما يستلزم ثباتًا انفعاليًّا، حتى وإن كان زائفًا، ليس فقط لأنه بشر، لكنه يود الظهور بصفته بشريًّا أيضًا، لكن لطالما كان وليد العمري مراسلًا سياسيًّا من المدرسة الكلاسيكية. 

يتحلى العمري بالموضوعية الفائقة في أوقات تطغى فيها أيديولوجيات المراسلين التلفزيونيين ومواقفهم الذاتية على تقاريرهم المنقولة، عن قصد، أو لإثارة الجدل، ووحده صوت العمري الذي ارتبط بالهدف التحريري، وفرق بين الصوت المميز ووجود صحافي متفرد خلف هذا الصوت. 

«كان معكم طارق عبد الجابر؛ موفد قطاع الأخبار .. القدس المحتلة»

تعد نغمة صوت المراسل بطلًا رئيسيًّا في التقارير التلفزيونية، وبدون صوت ذي شخصية، تفقد كلمات المراسل معناها وقيمتها؛ فيمنح صوت المراسل المعلومات صبغة اليقين أو ينقل الشك عند نطق كلمة رئيسية باستخدام نبرة صوته وحدتها وغلاظتها وسرعتها، وربما كان ذلك أحد أسباب إيمان العرب بكلمات مراسل التلفزيون المصري، طارق عبد الجابر، وهو يؤكد بنبرة ثابتة  في نهاية تقاريره التلفزيونية «كان معكم مراسلكم طارق عبد الجابر، موفد قطاع الأخبار، القدس المحتلة».

ارتبط المصريون بالقضية الفلسطينية خلال العقد الماضي بسبب أوبريت «الحلم العربي» وصوت طارق عبد الجابر، بعدما حيَّد عبد الجابر شخصيته وجنسيته بصفته مصريًّا يهوى الطبخ، لتجد نفسك تتخيل كلماته المنطوقة بصوت مسؤول غاضب بالمقاومة الفلسطينية.

حقوق إنسان

منذ شهر
«قل كلمتك وامشِ».. صحافيون قُتلوا على يد الأنظمة القمعية والمحتلة

ظهر عبد الجابر لأكثر من ثماني سنوات في نشرة التاسعة الإخبارية على القناة الأولى المصرية، قدم خلالها عدة انفرادات للتلفزيون المصري، ولمع اسمه عندما اقترن بتغطيته الانتفاضة الفلسطينية الثانية، خلال الفترة بين عامي 2000 و2007، وكانت جملته الشهيرة «كان معكم مراسلكم طارق عبد الجابر، موفد قطاع الأخبار، القدس المحتلة» تنفيسة غضب مكتومة تريح صدور المتابعين للشأن الفلسطيني، وازدادت النبرة الغاضبة قوة وصمودًا بعدما استهدفته قوات الاحتلال الإسرائيلي بخمس رصاصات، نجا من أربعة منها لارتدائه واقٍ من الرصاص، لكن الخامسة استقرت بساقه.

شفى غضب عبد الجابر البادي في مداخلاته غضب الحالمين البسطاء من أبناء بلده، فبعد قضاء النهار في العمل الشاق بالزراعة والاهتمام بماشية العائلة، كان يحاول المحرر العلمي، مصطفى السيد، جذب انتباه أخوته بالحديث عن مغامراته اليومية، ومع تكرار فشله في لفت أنظارهم، أخذ يحاكي أسلوب مراسل التلفزيون المصري في القدس، صاحب العبارة التي ترددت على مسامعه لسنوات «كان معكم طارق عبد الجابر، القدس المحتلة»، ولم يفشل في جذب انتباه طفل بسيط، رغم ملامح الفزع المرسومة على وجهه المألوف، على حد تعبيره خلال الحديث مع «ساسة بوست».

الأمر الذي يجعل من استشهاد الصحافية الميدانية، شيرين أبو عاقلة يوم أمس، اغتيالًا لجزء كبير من ذاكرة جيل، تشكَّل وعيه بالقضية الفلسطينية عبر أصوات مراسلي القدس المحتلة، التي وثَّقت التاريخ.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد